يعتبر الخجل من الاضطرابات الشائعة لدى الأطفال، فهو ينطوي على خلل وتعطيل في قدرة الطفل على التفاعل الاجتماعي والتواصل مع الآخرين. فالخجل بمثابة إعاقة تتبدى بفشل الطفل في التعبير عن مكنوناته وحاجياته، كما تظهر في فشله في تكوين العلاقات مع أقرانه من نفس العمر، أو حتى توليد الميل أو الرغبة لديه في تشكيل أو الانشغال في علاقات الصداقة.. ومثل هذا الاضطراب لا يرتبط بأنماط السلوك اللفظي فقط، وإنما يتعدى ذلك ليشمل أنماط السلوك غير اللفظي.
ويُعرف الخجل على أنه “انكماش الولد وانطواؤه وتجافيه عن ملاقاة الآخرين”، كما يعرف أيضًا بكونه “درجة عالية من الارتباك والخوف والانكماش، يشعر بها الطفل حين يلتقي بأشخاص من خارج محيطه”.. فهو -إذن- حالة نفسية “تتجلى في الميل إلى الصمت والتباطؤ في الكلام والحياء الزائد، وتجنب الآخرين والابتعاد عن الأضرار قدر الإمكان.
فالطفل الخجول على هذا الأساس، هو طفل يميل إلى تجنب التفاعل الاجتماعي، وعدم مشاركة الآخرين في المواقف الاجتماعية والتوجه نحو الانطواء، بصورة مباشرة وغير مباشرة، مما يولد نقصًا في مهاراته وضعفًا في ثقته بنفسه.. لذلك نرى الطفل الخجول حين يتفاعل منخفض الصوت، لا يتواصل بصريًّا مع الآخرين، محمر الوجه، متلعثمًا في الكلام.
إن الطفل الخجول، يعاني من عدم القدرة على الأخذ والعطاء مع زملائه في المدرسة والمجتمع، ومن صفاته أنه طفل يشعر بالنقص والانزواء وكثرة الهواجس والمخاوف، لذا يلاحَظ أنه حساس، عصبي، قلق، يعاني من عدم الثقة بالنفس، ومن الآلام والتقوقع والخوف من نظرات الآخرين له وخوفه من نقدهم له.
ومن أهم أضرار الخجل على الطفل، أنه يمنعه من الاندماج في الحياة؛ إذ الطفل الخجول يكون عديم القدرة على الاشتراك في اللعب مع زملائه، وكذلك في مشاريعهم ونشاطهم.. وعلى العكس من ذلك، يتسم سلوكه بالجمود والخمول في وسطه المدرسي وتجنب الاتصال بالأطفال الآخرين، حيث لا يرتبط في صداقات دائمة، بل يبتعد عن كل طفل أو شخص يوجه له لومًا أو نقدًا. ومن هنا يتسم الطفل الخجول بمحدودية الخبرة والدراية، مما يجعله عالة على نفسه وعالة على أسرته ومجتمعه؛ لبعده عن الآخرين وانطوائه وانزوائه عن نفسه. وبإيجاز يتزايد الخجل الشديد والعزلة عند بعض الأطفال، بدرجة تعوقهم عن التفاعل الاجتماعي، وتحرمهم من فرص النمو والتعبير عن الذات.
أسباب الخجل لدى الأطفال
أما عن العوامل المسببة للخجل لدى الأطفال، فقد أكد الدارسون على أنها كثيرة ومتنوعة من أهمها ما يلي:
أ-البيئة الأسرية التي يعيش فيها الطفل: لا شك أن الجو الأسري السائد في الأسرة، يكون له تأثير فعال على سلوك الطفل واتجاهاته نحو المواقف الاجتماعية، لذا فالطفل الذي ينشأ في جو أسري يتسم بالهدوء والدفء والتقبل، يغلب عليه الشعور بالأمن النفسي في سلوكياته ومشاعره، أما الجو الأسري المشحون بالتوتر والصراعات والمشاحنات، فإنه يكون سببًا في وجود طفل يعاني من المشكلات النفسية ومنها الخجل، حيث يعتريه الشعور بعدم الأمن ونقص الثقة بالذات حيال التعرض للمواقف الاجتماعية مع الآخرين. ولهذا نجد الأطفال الخجولين غالبًا مشغولين بتوفير الأمن لأنفسهم، وتجنب الإحراج والارتباك في المواقف المختلفة.. ولهذا تكون ثقتهم بأنفسهم ضعيفة، تجعلهم يعانون من نقص المهارات الاجتماعية، وبالتالي يميل الطفل الخجول إلى مصاحبة الخجولين مثله، لأنه يجد الراحة معهم والتي تجنبه الإحراج والسخرية.
بـ-الجنس والترتيب الميلادي: أشارت بعض الدراسات إلى أن الطفل الوحيد بين عدة أخوات، والذي يدلل تدليلاً لا شعوريًّا، يوقعه في الخجل والانزواء، كما أن الطفل الذي ينشأ في أسرة ليس فيها شقيقات، يعاني من الخجل الشديد؛ وذلك لعدم معرفته بكيفية التعامل مع أفراد الجنس الآخر. والعكس صحيح كذلك بالنسبة للطفلة التي تنشأ بدون أشقاء.
جـ-الانتقاد والتهديد: ذلك أن الآباء الذين ينتقدون أطفالهم مباشرة وعلانية، يخلقون في نفوسهم مشاعر الخوف من الراشدين، لذلك يصبح الأطفال خجولين ومتمردين، ضف إلى ذلك التهديد الذي ينشئ شعورًا من الدونية لدى الطفل، يدفعه إلى الانزواء والخجل.
د-الإعاقة الجسمية: هناك بعض الأطفال يعانون من الخجل بسبب وجود عاهات أو تشوهات خلقية بارزة، ومن هذه التشوهات ضعف البصر أو صعوبة السمع أو التأتأة في الكلام أو الشلل الجزئي أو العرج أو السمنة أو طول القامة الزائدة.. فمثل هذه الإعاقات تجعل الأطفال مختلفين عن غيرهم، مما يجعلهم حساسين جدًّا، يتجنبون الآخرين حتى لا يحدقوا بهم أو يتحدثوا عنهم.
هـ-الافتقار إلى الشعور بالأمن: ذلك أن الطفل حتى يخالط الناس بشكل طبيعي، يحتاج إلى قدر جيد من الشعور بأنه مأمن ومحترم وقادر على تحقيق الفوز والنجاح.. فإذا فقد هذه المعاني أو بعضها، سيطرت عليه مشاعر الخوف من الانكسار والهزيمة، وصار يشعر بأن العزلة تشكل له الحماية التي ينشدها.
أشكال الخجل عند الطفل
وفي هذا المقام أيضًا لا بد أن نشير إلى أن الخجل يتخذ عدة أشكال عند الأطفال كما أورد الباحث زكريا الشربيني في كتابه “المشكلات النفسية عند الأطفال”، منها خجل مخالطة الآخرين، وخجل الحديث، وخجل الاجتماعات، وخجل المظهر، وخجل التفاعل مع الكبار، وخجل حضور الحفلات والمناسبات.
من هنا نلاحظ أن الطفل الذي يتملكه الخجل، يعيش حياة مضطربة لتسوء سيرته فيفقد الثقة بنفسه، إلى أن يصبح مشلول الإرادة والتفكير الهادئ، فيقع بذلك في دوامة من البلبلة والقلق، باعتبار أن الإنسان -كما هو معروف- كائن اجتماعي مسؤول عن سلوكه الخاص والعام يتطلب منه أن يكون حسن المعاشرة، طيب التعامل مع أبناء بيئته أو محيطه.. ولكن المصاب باضطراب الخجل، يصبح إنسانًا ناقص القدرة على التكيف والانسجام مع نفسه ومع محيطه الذي يعيش فيه.
إذن الخجل حالة مرضية إذا أصبحت نمطًا ثابتًا في سلوك الطفل، فإن تأثيراتها ستكون خطيرة على شخصيته وتوافقه النفسي والاجتماعي، وبالتالي ستسبب له تأثيرات جانبية يمكن سردها فيما يلي:
1- إن الخجل إذا أصبح مستمرًّا وثابتًا، يؤدي إلى حالة من الجبن العام، وبذلك يجعل الطفل مترددًا في القيام بأي شيء جديد أو غريب، وبالتالي يصير الطفل الخجول إلى مستوى أدنى من مستوى إمكانياته الفعلية.
2- إن الخجل يقلل من أنشطة الطفل الجماعية، كما يقلل من شعبيته فيبدو في نظر الآخرين بليدًا ومنكمشًا وجبانًا.
3- إن الطفل الخجول يصعب عليه أن يقوم بدور القيادة لمجموعة ما أو مهمة ما، وذلك بسبب عدم قدرته على الاتصال بصورة فعالة صحيحة مع الآخرين؛ فهو يخاف التحدث إلى الآخرين وهم لا يتحدثون معه، وهذا يشجع على الانطواء والانزواء.
4- إن الطفل الخجول -حسب رأي الصحة النفسية- لديه حساسية مبالغ بها اتجاه النفس وما يحدث لها، بحيث يكون محور الاهتمام والتركيز لديه، هو مدى تأثيره على الآخرين وكذلك نظرة الآخرين له.. وبهذا التركيز على النفس الداخلية ومشاعر النقص والارتباك الذي يحدث له بحضور الآخرين أو عند التعامل معهم، فإن المصاب بالخجل يفقد القدرة على الاهتمام بنفسه، والتركيز فقط على الآخرين والشعور بمشاعرهم، وبالتالي يزداد العزل الاجتماعي والصمت الذي يعاني منه.
من كل ما سبق، يتضح لنا أن الخجل هو عبارة عن اضطراب سلوكي مكتسب لا يولد بالضرورة مع الطفل، لكن إذا ما أصابه فإنه يعوقه عن مواجهة الحياة، ويجعله منطويًا على نفسه، عزوفًا عن الناس لا يجرؤ على معاشرتهم ومخالطتهم، كثير التردد والتهيب والارتباك.. فالخجل إذا ما استبد بالطفل، فإنه يعصب عينيه عن حقيقة قدراته، ويجعله أشد الناس تحقيرًا لذاته.. فهو أشبه بحجاب كثيف يخفي وراءه الخوف وعدم الثقة بالنفس، لذلك نجد الطفل المصاب به متعثر الخطى مستنزف الطاقة، مشتت الذهن، تقلقه نظرات الناس إليه، ولا يشغله إلا رأيهم به.. ولهذا كله وجب علاجه.
علاج الخجل لدى الأطفال
أول خطوات علاج الخجل عند الأطفال، تبدأ بتوفير جو هادئ في البيت، وتجنب القسوة في المعاملة، والابتعاد عن المشاحنات التي تكون بين الوالدين.. فالأسرة يجب أن تكون نموذجًا اجتماعيًّا، لأن الأطفال يتعلمون من ملاحظة سلوكيات أبائهم وأمهاتهم، وممن حولهم من أفراد الأسرة.. كما ينبغي على الأم إخفاء قلقها الزائد ولهفتها على طفلها، وأن تتيح له الفرصة ليعتمد على نفسه في مواجهة الحياة والالتقاء بأبناء جيله.. كما يتوجب عليها مساعدة طفلها على ممارسة التفاعل مع الآخرين، وذلك بتعريضه لمواقف وأشخاص غير مألوفين لديه، مع إعطائه الوقت الكافي لكي يشعر بالارتياح لهذه المواقف الجديدة.
وفي إطار علاج الطفل المصاب بالخجل دائمًا، ينصح الدارسون بضرورة عدم تعنيفه أو توبيخه أو الاستهزاء به.. بل على العكس من ذلك لا بد من تشجيعه وتحفيزه ومدحه والاعتراف بقدراته وإنجازاته؛ حتى يكتسب الثقة تدريجيًّا بنفسه، مع الأخذ بالحسبان عدم دفعه إلى القيام بأعمال مجهدة تفوق قدرته الجسمية أو العقلية، بل لا بد من معرفة الشيء الذي بإمكان الطفل الخجول عمله والقيام به، وهذا ما يكسبه شعورًا بالأهمية والتقدير ويخرجه من حالته المرضية، أما إذا استعصى الأمر فلا بد من عرض الطفل على الأخصائي النفسي؛ لمساعدته على تنمية قدراته النفسية، وتحدي الأفكار الخاطئة التي تسيطر على ذهنه عند التعرض لمختلف المواقف الاجتماعية.
في الختام نخلص إلى أن الخجل خلل سلوكي يعوق نمو الطفل وتكيّفه مع مجتمعه، فهو يؤدي إلى إضعاف قدرته على الاندماج بمحيطه وبالتالي نقصان مهاراته الاجتماعية، كما يجعل سلوكه متصفًا بالجمود والخمول سواء داخل المدرسة أو خارجها، كما نخلص إلى أن الطفل الخجول يبتعد عن كل شخص يوجه إليه اللوم أو النقد. لذلك يؤكد الدارسون على ضرورة الأخذ بيده ليتخلص من خجله، وعلاجه إذا لزم الأمر، والابتعاد قدر الإمكان عن التحدث معه حول خجله بشكل مباشر، بالإضافة إلى عدم تعنيفه أو توبيخه أو الاستهزاء منه.

(*) كاتب وأكاديمي متخصص في الفكر الإسلامي / المغرب.