في بداية سنة دراسية، استُدعيت من طرف إدارة المؤسسة التي أشتغل بها، وطُلب مني التداول في إشكالية تربوية والبحث عن حل لا يستند إلى القرار الإداري الصارم، ولا يمس في نفس الوقت الصلاحياتِ التربوية للأستاذ. وقد اعتقدت بداية أن القضية تتعلق بشأن من شؤون التسيير التربوي بشعبة الدراسات الإسلامية، مما يجري فيه التداول عادة بين رئيس الشعبة وإدارة المؤسسة. إلا أن الأمر كان غير ذلك، ولم يكن من طينة الإشكالات التربوية اليومية العادية، بقدر ما كان حالة تطرح لأول مرة بالمؤسسة. ذلك أن طالبة بشعبة من شعب اللغات الأجنبية طلبت رسميا من إدارة المؤسسة إعفاءها من حضور حصة الثقافة الإسلامية، لأنها يهودية الديانة، ولأنها لا تتوقع من أستاذ يدرس الإسلام إلا هجوما على اليهود بخاصة، والفكر المخالف بعامة، ولأنها تمتلك قناعات دينية غير مستعدة أن تكون موضع مساءلة أو نقاش. ولما كنت الأستاذَ المعني بتدريس المادة فقد عرض عليّ الأمر للتشاور والتداول.
كان من الطبيعي أن أقول لإدارة المؤسسة: “إن المادة منصوص عليها في القوانين التنظيمية وليس هناك أي مسوغ قانوني لإعفاء طالب أو طالبة من دراستها، وأن الطالبة في هذه الحال ملزمة بالحضور والاختبار في المادة”، وينتهي المشكل عند هذا الحد. غير أنني فضلت أن أسلك طريقا آخر يتجاوز قساوة القانون، ويحفظ السير العادي للدراسة، والأهم من كل ذلك يزيل الغشاوة ويكسر الحاجز النفسي الذي يحول بين الطالبة ودراسة مادة الثقافة الإسلامية. وهذا يقتضي فتح حوار هادئ معها ومع زملائها وزميلاتها في الفصل الدراسي، في سياق تدعيم ثقافة الحوار والفكر النقدي والحق في الاختلاف وإبداء الرأي والاطلاع على فكر الآخر.

عوائق الانفتاح وعقباته

وقبل أن أنقل القارئ الكريم إلى النتيجة النهائية لهذا المسعى، ينبغي لنا جميعا أن نبحث عن أسباب وجودِ مثل هذا الموقف في سياق منظومتنا التعليمية التي أفرزت -وتفرز- عقلية الخوف من الفكر الآخر واتخاذ مواقف مسبقة منه، وغياب القدرة على النقد والتحليل والتفكير، سواء لدى هذه الطالبة أو غيرها باعتبار انتشار الظاهرة وخطورة انعكاساتها التربوية والفكرية. وأعتقد أن ما يحول بين المرء وعقله أربعة عوائق لا تكاد تسلَم منها منظومتُنا التعليمية ولا سبيل لرقيها إلا بإزاحتها.
1-الاعتماد على التلقين كأسلوب غالب في التدريس وغياب مساحات للنقاش والحوار بين الطلبة والمدرسين في القضايا المختلفة، مما يجعل الطالب يتقبل الأفكار كحقائق غيرِ قابلة للنقاش، ويحتفظ في قرارة نفسه بقناعات كامنة وأسئلة محيرة تبرز حتما عند أول وهلة يتاح له فيها أن يقول، فيكون قوله في هذه الحال رد فعل مزاجي ضد الفكر “المفروض”، لأنه لم يسهم في بنائه ولا تبنيه وإنما وقف منه موقف المسلم المسالم.
وكثيرا ما ناقشت مع زملائي في بناء مناهج التربية الإسلامية أفكارا لا أحمل لها جوابا جاهزا، غير أنني أدفع بها إلى حمأة التفكير والمناقشة التربوية لعلنا نصل فيها إلى رأي تربوي مناسب. وذلك مثل إمكانية إدراج نصوص مخالفة للفكر الإسلامي في كتب التربية الإسلامية، ومن ثم فتح باب النقاش أمام التلاميذ لتقوية مناعتهم الفكرية وقدرتهم على تحليل وتفكيك الفكر المخالف، وإبراز مكامن الضعف والخلل فيه -إن كانت- بالحجة العلمية والدفاع العقلي الرزين عن الموقف الصحيح دون عاطفة عاصفة ولا فكر متذبذب لا يصمد أمام الحجاج العقلي والمنطقي.
يمكننا أن نناقش الحيثيات التطبيقية لهذه الفكرة والإمكانات التربوية لإدماجها في كتبنا المدرسية، والمحاذيرَ المتوقعة، وفي أي مستوى دراسي يمكن أن يكون ذلك، وبأية شروط، غير أنه لا يمكن بحال أن ننكر ميزة إدراج الرأي المخالف في مناهجنا التعليمية لما فيه من مناعة وقوة في بناء المعرفة لدى الطلبة، ألا ترى أن القرآن الكريم عرض أقوال إبليس وأتباعه من الكافرين، وجعلها آيات نتلوها ونتعبد بها، ونأخذ على ذلك أجرا وتصح بها صلاتنا، دون أن تضيق بها صفحاته، وهو الكتاب التعليمي الأول الذي لا مبدل له ولا نظير.
2-السقوط في الدفاع العاطفي عن كامل المنتوج الحضاري للمسلمين دون تمحيص ولا نقد، إذ تجد المدرس أو مؤلف الكتاب المدرسي، يتحرج من طرح بعض الهنات المسجلة في تاريخنا الفكري، ويسقط في تبرير ما لا يبرر، وتبجيل ومدح كل المواقف دون تمحيص للأخطاء ولا كشف عن الزلات. وليس هذا من منهج الإسلام في شيء؛ فقد اشتهر عن علمائنا من المجتهدين قولهم “كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر” في إشارة إلى المقام المكرم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم القائلون “ما وافق كتاب الله وسنة رسوله فهو مذهبي، وما خالفهما فاضربوا به عرض الحائط”.
في ضوء ذلك لا يمكننا أن نعلم ناشئتنا تقديس ما لا يقدس والتسليم بكل فكر ينسب إلى عالم المسلمين وربطه بالإسلام جملة وتفصيلا، لأن من شأن ذلك أن يجعل هذا الدين العظيم يهن في نظر أبنائه حين يكتشفون في تاريخه أخطاء ارتكبها باسمه بعض رواده ونسبوها إليه تبريرا وتسويغا، أو كانت اجتهادات صالحة لزمانها ولم تعد كذلك اليوم، أو أخطاء لم ينتبه إليها أصحابها في حينها فذهبوا بالأجر الواحد.
ينبغي أن نربي في أبنائنا محبة العلماء وتقدير جهودهم والبحث عن النقط المضيئة في أخلافهم وسيرهم، والاقتداء بسننهم في الاجتهاد والتضحية والإنتاج العلمي. كما ينبغي أن نعلمهم أن نقد الفكر له شروطه وآدابه، وأن حرية إبداء الرأي مكفولة، وأن تجريح الأشخاص مذموم ومستقبح، لكن الخطأ كل الخطأ أن نسقط في تقديس الأفكار والآراء واعتبارها منـزهة عن النقد وإعادة النظر.
3-السقوط في مطبة تبني الأفكار والأحكام المسبقة من الفكر الآخر لمجرد نسبته لغير المسلمين، فهذا انغلاق مذموم ينعكس سلبا على انفتاح الآخرين على الفكر الإسلامي ذاته، في حين أن البحث عن الصواب حيث يكون، والأخذ بالحكمة ولو من فم المخالف، واعتبار المنتوج العلمي البشري مجالا للبحث والاختيار في ضوء مقاصد الإسلام وغاياته الكبرى التي تستدمج كل اجتهاد إيجابي نافع، هو المسلك القويم. فإذا نظرنا إلى القرآن الكريم وجدناه يقص علينا من قصص الأمم المختلفة ما يعتبر مجالا واسعا لأخذ العبرة والمثل. وإذا نظرنا إلى سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وجدناه يوجه بعض صحابته إلى تعلم اللغات الحضارية السائدة في عصره كالسريالية والفارسية للاطلاع على حضارتهم. وإذا تصفحنا تاريخ الخلفاء الراشدين ومن اهتدى بهديهم من بعدهم، وجدناهم قد أدخلوا من تجارب الأمم الأخرى في تنظيم الدولة، كسك النقود ونظام الجبايات والبريد وغير ذلك من النظم الإدارية. وإذا اطلعنا على تاريخ الفكر الإسلامي، وجدنا اهتمام المسلمين بالترجمة من خلال تأسيس دار الحكمة في المشرق ومدارس قرطبة في المغرب، ووجدنا حوارات مفتوحة بين فطاحل العلماء والفقهاء المسلمين وغيرهم من الأحبار والرهبان من الشرعتين اليهودية والنصرانية، كل ذلك بهدف إبراز سماحة الإسلام وقوة سلطانه الفكري والعقائدي، وفي نفس الآن الاستفادة من كل اجتهاد يخدم البشرية ويرقى بها إلى أحسن حال. ولم يكن هؤلاء يضيقون ذرعا بالفكر المخالف، ولا يسارعون إلى اتهام أصحابه بالزندقة والشذوذ، لأن ذلك علامة على الانهزام.
وهنا نقول أنه كلما كانت المعرفة الإسلامية لدى المتعلمين محصنة بالقدرة على الحجاج الهادئ الذي هو ثمرة البناء الفكري السليم، اختفى العنف اللفظي والعناد الفارغ الذي يعلوه الصراخ والعويل كسلاح للعجزة والمتخاذلين، وليس الفكر الإسلامي بحاجة إلى مثل هذا الزبد.
4-ترسيخ فكرة صراع الأديان في أذهان التلاميذ. فكل يهودي معتد بإطلاق في نظر المسلم، وكل مسلم أممي في ذهن اليهودي يجوز سلب ماله وتشريده في الأقاصي، وكل النصارى أعداء لهذا الطرف أو ذاك.. والحال أن مثل هذه الأفكار لا يستفيد منها إلا المتربصون بالدين عموما، الذين يخلطون المفاهيم ويساوون بين الجلاد والضحية، وغايتهم المثلى تحييد الدين عموما عن الحياة. وأقصر طريق إلى ذلك ترسيخ فكرة ربط الدين بالصراعات والخلافات. في حين أن الدين رحمة مهداة للناس، ينظم حياتهم ويضمن تعايشهم وتعارفهم، ويكون الحوار ولا شيء غير الحوار هو الأسلوب الأمثل لتعاملهم، وإلى الله بعد ذلك مصيرهم ومعاذهم.
ولئن كان القرآن الكريم قد تحدث عن المغضوب عليهم والضالين، وتحدث عن شدة عداوة اليهود للذين آمنوا، وأن كثيرا من الأحبار والرهبان يأكلون أموال الناس بالباطل، فإن تلك الأوصاف بالاستقراء مرتبطة بالأفعال الصادرة عن هؤلاء والمخالفة لتعاليم التوراة والإنجيل ذاتها ولا علاقة لها بروح تعاليم موسى وعيسى عليهما السلام. وقد ذم الله تعالى في القرآن الكريم تصرفات الظالمين والمنافقين والمعتدين والمطففين والخائنين والمستكبرين ممن هم في دائرة عقيدة الإسلام أيضا، لأنهم خالفوا تعاليمه بأفعالهم، كما ذم غيرهم من اليهود والنصارى دون أن يكون لذلك علاقة باليهودية والنصرانية كشرعتين منـزلتين في مسيرة نزول شرائع الإسلام، والجامع في كل ذلك مخالفة تعاليم الدين والخروج عن مقتضياته.

ما ينبغي تقديمه للناشئة

إن الدين ينبغي أن يقدم للناشئة على أنه شرعة رب العالمين، وأنه عند الله الإسلام، وأن الإسلام بدأ نزوله من عند الله إلى البشر مع أول رسول، ثم نزل في شكل شرائع في زبور داوود وصحف إبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى عليهم السلام، وختم برسالة القرآن، وأن أتباع موسى من اليهود وأتباع عيسى من الحواريين قالو: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾(آل عمران:52)، وأن من تمام إيمانهم بكتبهم المقدسة غير المحرفة اتباعهم لمحمد صلى الله عليه وسلم. فتلك مسيرة الإسلام الطبيعية من نوح عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم. ولو تمسك الناس بتعاليم دينهم لما عاثوا في الأرض فسادا ولما سفكوا الدماء. والناس في ذلك بين مؤمن مصدق وكافر جاحد مكذب في إطار اختياره ومشيئته التي سيحاسب عليها حين سيلقى خالقه، ولم يكلف الله الناس بعد ذلك إلا بالذكرى التي تنفع المؤمنين.
أما ما سوى ذلك من ظلم واعتداء وانتهاك للحرمات وسفك للدماء وهدم للبيوت وسلب للأموال والأوطان، فهو سلوك لا دين له، ينبذه من كل الأسوياء والعقلاء، ودفعه واجب بكل السبل لأنه سلوك ضد القيم الدينية والإنسانية كلها.
ومن جهة أخرى ينبغي أن نرسخ في أذهان الناشئة أن الظالم والمعتدي ممقوت ومحارب مهما كانت ديانته أو عقيدته، وأن التعامل بالولاء مع دائرة المسلمين، وبالحوار والإصغاء مع المسالمين من كل الملل والنحل ومساكنتهم ومعايشتهم، بل والدفاع عن قضاياهم العادلة، من صميم الواجبات الشرعية، وأن تعاون الفئتين ضد الغاصب الظالم الجاحد المعتدي لهو الموقف السليم الذي يحفظ للبشرية استقرارها، كما دعت إلى ذلك كل الشرائع المكونة لرسالة الإسلام، وكل القيم الإنسانية النبيلة.

بهذا المنطق ينبغي أن ينظر المتعلمون إلى دور الدين في الحياة، كطاقة محركة في مسيرة التنمية البشرية، وكحافز دافع حين يخلوا من التعصب المقيت، وكبناء للفكر السليم حين يبنى على الحوار والإقناع، وكدعوة إلى المحبة والسلام وكف الأيدي حين تسود قيم العدل والنبل والوفاء والحرية، وكرادع قوي لكل صور الشطط والظلم والعدوان حين تنتهك الحرمات. وبعد ذلك ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾(الكهف:29).
إن هذه المنهجية في التفكير التي تستهدف إزالة العوائق التي تحول بين المرء وعقله، والتي أملاها هذا الموقف الطريف مع الطالبة المغربية ذات الديانة اليهودية، كان بالذات هو مقرر السنة الدراسية بكاملها مع استعراض نماذج وقضايا للنقاش، تنمي لدى الطلبة القدرة على التفكير والنقد والتحليل والتمييز والتصنيف واتخاذ القرار. فكلما كانت هذه القدرات متوفرة لدى الطالب، وكلما بنيت الثقافة الإسلامية لديه على هذا الأساس، كان أكثر ثقة في نفسه وفي ثقافته، وأكثر إقداما على مناقشة الفكر الآخر بروح من الاعتدال والمسؤولية وطلاقة وجه.
بقي أن أقول في الختام أن الطالبة بعد حصتين أو ثلاث من التردد جاءت تمشي على استحياء، وولجت الفصل ثم كانت من أكثر المواظبات على حضور حصة الثقافة الإسلامية، لأنها وجدت غير ما كانت تتوقع. وفي فترة الاختبار الشفوي قالت في خجل ظاهر: “هكذا ينبغي أن نقدم ثقافتنا المغربية إلى العالم”. فقلت لها: “لو أتيحت لي الفرصة للاطلاع على الثقافة العبرية لما ترددت لحظة واحدة في القبول، لأن ثقافة الذات تتعزز كلما تلاقحت بثقافة الآخر، وكلما بنيت على النقد والحوار”. قالت: “أشكرك مرة أخرى” وانصرفت. ولا زالت تربطني بها وبزوجها علاقة احترام كبيرة منذ ذلكم الحين، في حين اختفت علاقتي بباقي طلبة فوجها في شعاب الحياة.
تأملت مسيرة سنة دراسية تحوّل فيها الفكر من الرفض إلى قبول الحوار والتفكير الناقد، فتمنيت لو سمح الوقت بأكثر من ذلك، ولكنها مسيرة مستمرة لا يحدها زمان ولا مكان. وترسيخ مثل هذه الثقافة في اعتقادي، هو المدخل الطبيعي للعودة مجددا إلى حركية التفكير التي آمل أن تسود لدى جميع الطلاب، ومن خلالهم إلى جميع المتعلمين لأن من لا يفكر لا ينتظر منه إلا أن يلقن. وتلك مذبحة المعرفة ونبع الانغلاق.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.