لعله من سرف القول أن نزعم اليوم أنه بمقدورنا الدفاع عن المرأة المسلمة، مهما بدت لنا الشعارات مرفوعة في مختلف الأقطار منادية بحقوق المرأة، لأن الإسلام وحده هو من دافع عنها قبل أزيد من أربعة عشر قرنا، كما دافع عن حقوق الإنسان عامة وعن كرامة الإنسان بغض النظر عن لونه أو عرقه أو لغته، حين قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(الحجرات، 13)، وحين أعلن الرسول عليه السلام أنه: “لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى”(مسند أحمد).

 إنما نريد، من خلال هذه الورقة، أن  ننفض الغبار عن أفكار ومواقف عدائية غربية تم تمريرها عن طريق الخطأ إلى العرب وإلى المسلمين أنفسهم. فإذا عدنا إلى القرآن الكريم وتصفحنا المصحف الشريف من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، وتفحصناه تفحصًا خاليًّا من كل تعصب أو أفكار مسبقة فلن نجد آية واحدة  تمس المرأة بسوء، ولا وجدنا تمييزا بين الرجل والمرأة، بل على العكس من ذلك تماما سنجد أن المرأة لم تحظ في كل الشرائع والقوانين السماوية والوضعية بما حظيت به المرأة المسلمة من تشريف وتقدير.

الإسلام وإقرار حقوق المرأة

حق الحياة: 

يعتبر حق الحياة من بين الحقوق التي حفظها الإسلام للإنسان عامة وشدد عليها وأمر بمعاقبة من يعتدي عليها أشد العقاب، فقال تعالى: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا)(المائدة، 32)، و استنكر ما كان يفعله العرب في الجاهلية بالبنات حين قال تعالى في قضية وأد البنات اللواتي كن يعتبرن مجلب عار في عصور الظلام، فقال عز وجل: (وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت)(التكوير، 8).

مبدأ الحرية:

أولى الإسلام الحرية مكانة خاصة واعتبرها من بين الأمور المقدسة، فالمرأة في الجاهلية كانت مستعبدة عند بعض الشعوب، وكانت  تباع وتشترى في بعض المجتمعات، كما كان العبيد من الرجال يباعون ويشترون حتى في أعظم الحضارات آنذاك كالحضارة الرومانية والفارسية، لكن الإسلام أكد: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)(الإسراء، 70)، ولم يستثن المرأة طبعا من هذا التكريم، ودعا إلى تحرير العبيد في حالات كثيرة، وفي مواقف متعددة خاصة في باب الكفارات، حيث نجد أن تحرير الرقاب يأتي في ناصية ما يكفر به العبد خطيئته.

ومواقف الرسول عليه السلام في الانتصار للمرأة كثيرة، ونذكر منها على سبيل المثال المرأة التي اشتكت ظلم زوجها للرسول عليه السلام فنزلت سورة تخلد هذا الموقف والتي يقول الله تعالى فيها: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما)(المجادلة، 1)، كما تذكر السيرة النبوية أيضا مجموعة من المواقف التي استمع فيها الرسول للمرأة ولرأيها وعمل به، وقد كان يستشير عائشة رضي الله عنها في كثير من الأمور خاصة منها ما يرتبط بأمور النساء وشؤونهن.

مبدأ المساواة: 

يتضح حرص الإسلام على مبدإ المساواة في نبذ التمييز بين الناس، حيث قال الله تعالى في محكم آياته: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(الحجرات، 13)، ليضع حدا لأشكال التمييز بين الناس عن طريق الجنس أو العرق أو اللون أو غيرها من أشكال التمييز، كما ذم الإسلام التفاخر بالأنساب أو بالعرق أو ما شابه، ومن ذلك موقف الرسول عليه السلام من أبي ذر الذي عيّر بلالا بلون أمه، حيث نهره الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: “أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية”(صحيح البخاري) .

مكانة المرأة أما وزوجة

إذا عدنا إلى السنة النبوية سنجد تفصيلاً وتعزيزًا لحقوق المرأة وتكريمها، حيث تم تكريمها أما، بقوله صلى الله عليه وسلم:”الجنة تحت أقدام الأمهات” (الجامع الصغير، السيوطي)، وقد روى معاوية بن جاهمة: أنه جَاءَ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ، وَقَدْ جِئْتُكَ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ»؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: “فَالْزَمْهَا؛ فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلِهَا”(مسند أحمد)، كما يتجلى هذا التكريم للأم حين اعتبر أن الأم أحق الناس بحسن صحبتنا في قوله عليه السلام حين سأله رجل “من أحق الناس بحسن صحابتي” فرد عليه الرسول عليه السلام “أمك” (متفق عليه) ثلاث مرات قبل الأب. وأخيرا فقد تم تكريمها زوجة حين حث الرسول على حسن معاشرة النساء وقال: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”(سنن الترمذي).

من مغالطات الغرب حول المرأة المسلمة

1-  مسألة القوامة:

يستند بعض المغالطين من أهل الكتاب إلى قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء)(النساء، 34) لإثارة الصراع بين الرجل والمرأة، غير أن النظر إلى السياق القرآني يجعلنا ننفي أن يقصد القرآن بذلك التفضيل في القيمة بحسب الجنس، وذلك ما ذهب إليه القرطبي في تفسيره للآية بقوله “أي يقومون بالنفقة عليهن والذب عنهن”، حيث إن القوامة معناها الرعاية والخدمة، وذلك ما توضحه تتمة الآية: “بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا”.

مسألة الميراث:

إذا استوعبنا القضية الثانية سهل علينا فهم هذه المسألة، فالرجل مكلف بإعالة الأسرة في سنة الله كما كلفت المرأة مثلا بتربية أبنائها والسهر عليهم من رضاعة وغير ذلك، فضلا عن أن الحمل وحده والإنجاب يعتبر من أكبر المسؤوليات التي يجب أن تكون المرأة بفضلها منار تقدير واحترام ورعاية، ولعل تكليف الرجل بالإنفاق يجعل من الطبيعي وفقا لهذا العرف الاجتماعي الذي نجده حتى في المجتمعات غير المسلمة، نجد الرجل يرث ضعف ما ترثه، حيث قال تعالى: “للذكر مثل حظ الأنثيين” (النساء، 11)، والمرأة طبعا حرة في هذا الميراث الذي ترثه وحرة في التصرف فيه وتبقى النفقة على الرجل، ولا يحق لزوجها أن يتصرف فيه بغير إذنها.

كما أن الاجتهاد في باب المواريث وغيرها من تدابير الحياة لم يمنعه الإسلام، ولذلك فإن الجدة مثلا قد جعل لها عمر بن الخطاب نصيبا من الميراث، وبذلك فإن اتهام الإسلام بالتقصير في حق المساواة من هذا الباب مردود تماما.

 وإذا عدنا إلى الديانة اليهودية مثلا سنجد بشكل صريح أن هناك تضييعا لحق المرأة حيث نجد في النصوص اليهودية وخاصة في العهد القدين نصوصا صريحة توضح أن الميراث ينتقل إلى الأبناء الذكور حيث نجد نصا من قيبل (وَتَسْتَمْلِكُونَهُمْ لأَبْنَائِكُمْ مِنْ بَعْدِكُمْ مِيرَاثَ مُلْكٍ. تَسْتَعْبِدُونَهُمْ إِلَى الدَّهْرِ. وَأَمَّا إِخْوَتُكُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَلاَ يَتَسَلَّطْ إِنْسَانٌ عَلَى أَخِيهِ بِعُنْفٍ)(اللاويين، 27: 8)، ولا ينتقل الإرث إلى البنات إلا في حال عدم وجود الذكور، كما يتأكد ذلك في العهد القديم أيضا، حيث نجد: “وَتُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً”: أَيُّمَا رَجُل مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ، تَنْقُلُونَ مُلْكَهُ إِلَى ابْنَتِه.” (العدد، 27: 8).

 وقد صار النصارى على النهج نفسه في مسألة الميراث، أما اليوم فإن القانون يعطي الحق للرجل في أن يوصي بميراثه لمن يشاء من أبنائه وبناته، وله أن يهبه لمن يشاء من أصدقائه، ولعل ما يبعث على السخرية أن البعض يوصون بتركتهم أحيانا لقطة أو كلب، ويوافق القضاء والقانون على ذلك، مع ما في ذلك من تضييع للأبناء ولذوي الحقوق.

مسألة العمل:

الواقع أن عمل المرأة يرتبط بالمرأة نفسها وقد ترك لها الإسلام الحق في ذلك، فلا يوجد في القرآن والسنة ما يمنع المرأة من العمل، بل نجد أن الإسلام مجّد العمل، فكما لم يميز بين الرجل والمرأة في الأحكام حين قال الرسول عليه السلام: “النساء شقائق الرجال” (مسند أحمد)، فقد ساوى بينهما في مسائل الحياة، ولعل في السيرة ما يؤكد على أن الصحابيات مارسن العمل بمختلف أشكاله من تجارة وغيرها، ومنهن خديجة رضي الله عنها التي كانت تاجرة، وعائشة أم المؤمنين التي كانت مفتية أو معلمة بلغة العصر، والتي رافقت الرسول صلى الله عليه وسلم في جل غزواته.

 أما إلزام المرأة بالبيت وتربية الأطفال فذلك مرده إلى المجتمع والتقاليد التي ورثتها المرأة جيلا عن جيل وغالبا ما تختار المرأة ذلك لصعوبة جمعها بين العمل خارج المنزل وداخله من تربية وتنشئة للأطفال، بل إن تربية الأطفال لا يرى فيها من لديه عقل سليم أي إهانة للمرأة، بل هي أرقى وظيفة لها، لهذا قال شاعرنا حافظ إبراهيم:

الأم مدرسة إذا أعددتها *** أعددت شعبا طيب الأعراق

الأم أستاذ الأساتذة الألى *** بلغت شهرتهم مدى الآفاق

 إن ما يورده الغرب من مغالطات حول علاقة الإسلام بمنع المرأة المسلمة من تولي المناصب العليا والخروج للعمل، إنما كل ذلك مغالطات وأكاذيب يراد بها أولا تشويه صورة المرأة المسلمة، وثانيا الرغبة في صرف المرأة عن دورها الرئيس في بناء الأسرة وبناء الأجيال بناء سليما كمربية وهو ما عجزت عنه الحضارة الغربية التي شيئت الإنسان وجعلت منه جسدا بدون روح، وإن نظرة بسيطة إلى المرأة العربية المسلمة اليوم تجعلنا نرى كيف أن النساء في الدول العربية الإسلامية يشاركن الرجال في مختلف الأعمال وفي مختلف المهام والمناصب العليا، دون تمييز، وأن كل مشاريع الإصلاح في هذه الدول تشارك فيها المرأة في مختلف القطاعات في السياسة والاجتماع والاقتصاد، بل لقد تفوقت النساء على الرجال في مختلف المجالات خاصة في التعليم وفي الأعمال التي تقوم على الذكاء والدقة في الأداء. 

  وأخيرا فإن مشكل المرأة العربية ليس في الإسلام وإنما في الإنسان  العربي الذي لا يحترم تاريخه ولا يقدر حضارته، وما زال يغط في نوم عميق منتظرا الغرب أن يملي عليه أفكاره ويعيره عقله. فإنصاف المرأة المسلمة لن يتم إلا بفهمها لذاتها ولدينها، وتشبثها بقيمها العليا وتحررها، من ربقة الجهل والأمية وتحررها من الإملاءات السخيفة التي تسعى إلى النيل من كرامتها. إن المرأة نصف المجتمع ولا يمكن للمجتمع العربي والإسلامي أن ينهض وأن يحقق التنمية إلا بمساهمة المرأة في بنائه، طالما أنه وراء كل مجتمع عظيم امرأة.