قد تكون يا من تقرأ هذا المقال باحثًا مثلي ولست بعالِم أو متخصص. أو قد تكون كذلك، وقد تكون طالب علم. أو ربما ربة منزل. أو حتى متصفح. لهذا أحاول أن اطرح عليكم سؤلاً ملحًا دار بعقلي وربما بحثتم يومًا عن إجابة له وهو: كيف نحقق خلافة الله في الأرض عمليا؟ فحياتنا الآن تحيطها التكنولوجيا والتقدم العلمي في كل مكان في زمن تنتشر فيه المعاصي، فيه يلهث فيه أكثر الناس واراء المادة وينسى غذاء روحه. لهذا تساءلت كيف يصير الإنسان خليفة لله في أرضه في هذا العصر؟

أنت خليفة الله في أرضه عندما:

– توقن أنك تعيش في هذا الكون الفسيح سيدًا وعبدًا. سيدًا على هذا الكوكب، عبدًا لله. فليس لك مطلق التصرف في هذا الكون تفعل به ما تشاء، فأنت مستخلف من خالق هذا الكون موكل بأن تعمّره وتتصرف فيه وفق أمر الله.

– تتبع منهج الله في هذه الأرض، سواء في المعاملات أو العبادات، هذا المنهج الذي يضمن لك السعادة في الدارين.

– تتسلح بالعلم فبدون العلم لن يستطيع الإنسان أن يكون مسيطرًا على الكون من حوله ولا التمكن منه، ووظيفة العلم في الإسلام هي خدمة الإنسان؛ لذا يجب أن يكون هدف البحث العلمي نفع الإنسانية. فلا يعترف الإسلام بمقولة (العلم للعلم ذاته) فعندما يكون العلم ضارًا للإنسانية ولوجود الحياة يكون العلم مرفوضًا شرعا. فالعلم الذي يتسبب من ورائه الخراب وسلب حقوق الناس ليس من الإسلام.

– تؤدي الأمانة بمفهومها الشامل، فالإنسان الذي لا يقوم بحق هذه الخلافة ولا يرعى أمانتها، لا يستحق أن يحظى بشرف اسمها، وحمل عنوانها، ووجب أن يسحب منه لقب ” خليفة الله ” فخلفاء الله هم المؤمنون الصادقون.

– تتخلص من كبريائك. يقول الإمام النورسي: “إن الإنسان الذي يسير في الدنيا معتمدًا على أنانيته، ومصغيًا لغروره، فمثله هنا كمثل الذي يمشي في الظلمات وبيده مصباح خافت، لا يريه إلا أشباحا ووحوشا مخيفة. وأما إذا تخلص هذا الإنسان من المصباح السيئ واستعاض به نور الشمس الإيمانية، وأصغى إلى كتاب الله، فعندئذ “تصطبغ الكائنات بالنهار وتمتلئ بالنور الإلهي وينطق العالم برمته الله نور السماوات والأرض”. وعلى الإنسان أن يتذكر أنه مهما بلغ من القوة والعلم والثراء فقد تنهي حياته بعوضه .فلا تغتر.

– تستخدم البيئة المحيطة من حولك في تعريفك بالله، فمن خلال التدبر في آيات الله الملموسة بالعقل (سواء في الظواهر الكونية أو المخلوقات أو غيرها) يصل الإنسان إلى استشعار عظمة الخالق. فيصل من (الملموس) إلى عالم الغيب (المحسوس).

– تقود نفسك لا أن تقودك هي، فكل شهوات الإنسان لها (تصريف حلال) في هذه الدنيا. وذلك للتغلب عليها. فأكبر جهاد للإنسان هو جهاد نفسه، فقد يكون عند الإنسان شهوة جمع المال لكن يخالف هواه ويصرفه في أوجه الخير وبذلك يصبح صرفه للمال عبادة ومجاهدة، أو يصرفه فيما يغضب الله .وللأكل أيضا شهوة، لكن الصوم مجاهدة وارتقاء.

– تتأكد أن محور تكليف الإنسان (هو العمل الصالح) وليس الشكل أو الجنس أو اللون فكلنا أخوة.

– تحقق العدل في الأرض.

– أنت خليفة الله في أرضه بعملك النافع المتقن وأخلاقك الطيبة وضميرك اليقظ.

– أنت خليفة الله في أرضه عندما تبحث عن الله بقلبك وعقلك معا.

– أنت خليفة الله في أرضه بضعفك إلى الله والتذلل ودعائك إليه سبحانه وتعالى فهو السيد ونحن عباده.

– أنت خليفة الله في أرضه عندما تطمع في مستقبل أفضل .لا تشيخ فيه ولا تمرض ولا تقلق (عالم الآخرة).

– أنت خليفة الله في أرضه عندما تتأكد من أننا لم نُؤت من العلم إلا القليل مهما بلغت بنا المراتب العلمية فكلها قشور من علم الله الواسع.

– أنت خليفة الله في الأرض عندما تدرك أنك إنسان تصيب وتخطئ .فتزداد إيمانيتك أحيانا وتقل أحيانا، فتتوب إلى الله عند ارتكاب المعاصي، لترتقي بنفسك وتزكيها.

– أنت خليفة الله في الأرض عندما يكون لك دور في الحياة وكدّ وتعب وتفكير وسعي وبحث وسؤال، فلولا السؤال ما كانت الإجابة.

– أنت خليفة الله في الأرض عندما تستخدم التكنولوجيا والتطور العلمي فيما يعرفك بالله لا أن يبعدك عنه سبحانه وتعالى. فكثير من يستخدم التكنولوجيا استخداما سيئا لا يفيد بل ويبعدنا حتى عن عبادتنا.

– أنت خليفة الله في الأرض عندما تقدّر قيمة الوقت. هذا الوقت الذي ستسأل عنه يوم القيامة. وليس المقصود ألا نستمتع ونفرح في يومنا فنظل نعمل ونعمل. ألم أقل لك أننا بشر.

وأخيرًا أنت خليفة الله في أرضه عندما تهتم بجوهرك بقدر ما تهتم بمظهرك. فلعلك تلاحظ معي أن كثيرا من الناس يهتمون بالشكل الخارجي كوسيلة للتقرب إلى الله-ولا أقلل من أهمية أن يكون لك سمتا إسلاميا هذا جيد لكن ماذا عن جوهرك؟

إن غذاء الروح بالتقرب إلى الله ليس فقط بكثرة الصلوات، إنما في البحث عن الله في كل أمور حياتنا، ولعل هذا ما جعل أحد التجار الكبار في الصين يتعجب ويقول: يطلب مني بعض التجار المسلمون تزوير بضاعتي بوضع أسماء ماركات عالمية عليها ثم يرفضون الطعام الذي أقدمه لهم لأنه “غير حلال”.