عرف العرب آثار الفراعنة فذكروها في كتبهم التاريخية، ودونوها في رحلاتهم، وسجلوا كل ما وعوه من تاريخ عتيق، كما أطلقوا على الأهرامات؛ الطلسمات والبرابي والهياكل والأصنام، وأما اللغة المدونة عليها فأسموها “قلم الطير”. وحظيت أهرامات الجيزة بنصيب موفور من الوصف والتعجب والبحث في ماضيها وسبب بنائها.. ومن ثم اختلطت بعض الكتابات بالأساطير والحكايات الشعبية.
قال القضاعي: ذكر الجاحظ أن عجائب الدنيا ثلاثون أعجوبة، عشر منها في سائر الدنيا والباقي في مصر؛ فمن ذلك الهرمان بالجيزة، وطولهما أربعمائة ذراع وكأنهما جبلان قائمان في الهواء.
وزار ابن جبير مصر سنة 578هـ-1183م، فكتب عن الأهرام قائلاً: قد أقيمت من الصخور العظام المنحوتة، وركبت تركيبًا هائلاً بديع الإلصاق دون أن يتخللها ما يعين على إلصاقها، أما سبب بنائها ففيه اختلاف؛ فمنهم من يجعلها قبورًا لعاد وبنيه، ومنهم من يزعم غير ذلك.
الأهرام في الأساطير
وفي رحلته الشهيرة إلى مصر سنة 1325م، ذكر ابن بطوطة الأهرام قائلاً: وهي من العجائب المذكورة على مر الدهور، وللناس فيها كلام كثير وخوض في شأنها وأولية بنائها.. حيث يُزعم أن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان، أخذت عن هرمس الأول الساكن بصعيد مصر الأعلى، ويسمى أخنوخ أي إدريس ؛ وهو أول من تكلم في الحركات الفلكية والجواهر العلوية، وأول من بنى الهياكل ووحد الله تعالى فيها، وأنذر الناس بالطوفان، وخاف ذهاب العلم ودروس الصناعات، فبنى الأهرام والبرابي وصور فيها جميع الصناعات والآلات، ورسم العلوم فيها لتبقى مخلدة.
ولعل أقدم ما وصل إلينا من كتابات قدامى المؤرخين عن الأهرام، ما أورده أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي الذي أقام في مصر سنة 849 إلى 506هـ، حيث كتب “الرسالة المصرية” في وصف رحلته إلى مصر وإقامته فيها، وكان مما قاله عن الهرم: إنه جسم جسيم من أعظم الحجارة، مربع القاعدة مخروط الشكل، ارتفاع عاموده ثلاثمائة ذراع ونحو سبعة عشر ذراعًا، يحيط به أربعة سطوح مثلثات متساوية الأضلاع طول كل منها أربعمائة ذراع وستون ذراعًا.. ورأينا سطوح كل واحد من هذين الهرمين مخطوطة من أعلاها إلى أسفلها بسطور متضايقة (متوازية) من كتابة بانيها، لا تعرف اليوم أحرفها ولا تفهم معانيها.
وفي رواية أبي الصلت ما يؤيد الرأي القائل بأن أهرام الجيزة كانت في الأصل مغطاة بطبقة من الجص الأملس، عليها كتابات هيروغليفية. وقد أتت الأيام على هذه الطبقة الخارجية التي يدل على وجودها كذلك قول أحد الشعراء:
حسرت عقول أولي النهى الأهرام
واستصغرت لعظيمها الأجرام
مــلـــس مــوثقـــة الـبــنـــــاء شــــواهـــق
قـصــرت لعـال دونـهــن سـهـــام
ويلخص المؤرخ المصري ابن إياس (1448-1523م) أقوال معاصريه ومن سبقوه، فيعطينا صورة للأقوال الشعبية عن بناء الأهرام، وهو في ذلك ينقل عن ابن وصيف شاه؛ أن سورنيد بن شهلوق هو الذي بنى الهرمين العظيمين بمصر قبل الطوفان بثلاثمائة سنة، وكانت الكهنة تنذر الناس بأمر الطوفان، فبنى سورنيد هذه الأهرام وأودع فيها أمواله وتحفه وكتبه النفيسة في العلوم الجليلة وقال: “إن مضى الطوفان ونحن في الدنيا فترجع إلينا أموالنا وذخائرنا، وإن نحن متنا في هذا الطوفان فتكون هذه الأهرام قبورًا لأجسادنا”. وقال ابن الحكم: “لم أجد عند أحد من أهل المعرفة عن الأهرام خبرًا يثبت بانيها وفي أي وقت بنيت وما السبب في ذلك”.
على أن المؤرخين القدماء لم يَفُتْهم أن يتحدثوا عن حقيقة المقصود ببناء الأهرام، فنجد السيوطي يقول: “والظاهر أنها قبور ملوك الأوائل، وعليها أسماؤهم وأسرار الفلك والسحر”.
ويعتبر جمال أبو جعفر الإدريسي المتوفى 676هـ، هو الوحيد الذي ألف عن الأهرام مؤلفًا خاصًّا هو رسالة صغيرة الحجم جمة الفائدة، عنوانها “أنوار علو الأجرام في الكشف عن أسرار الأهرام”؛ ألفها للملك الكامل محمد الأيوبي.
الخليفة المأمون أول من دخل الأهرام
لفتت الأهرام أنظار القوم بعجائبها واستهوتهم بأسرارها، فكان من الطبيعي أن يحاول الرجل منهم الولوج إلى داخلها، ولعل من أوائل من فعل ذلك الخليفة العباسي “المأمون”؛ في زيارته لمصر سنة 217هـ، إذ نجد ذلك في “الرسالة المصرية” وفي “حسن المحاضرة” وفي “أنوار علو الأجرام”، وفي رحلة ابن بطوطة، وكذلك عند ابن إياس وغيرهم.
يقول ابن إياس نقلاً عن الكندي المؤرخ: “لما دخل المأمون مصر رأى الأهرام، فأمر بفتح الهرم الأكبر، فلما انتهى فيه إلى عشرين ذراعًا، وجد فيه مظهرة خضراء فيها ذهب مضروب، زنة كل دينار أوقية من الذهب، وكان عددها ألف دينار، فتعجب المأمون من جودة ذلك وقال: “ارفعوا حساب ما قد صرفناه على فتح هذه الثلمة”، فوجد الذهب الذي أصابه في المظهرة بقدر ما أنفقه على الثلمة لا يزيد ولا ينقص، فتعجب من ذلك العجب وقال: “كأن هؤلاء القوم بمنزلة لا ندركها نحن ولا أمثالنا”.
ويشرح لنا ابن بطوطة طريقة فتح الثلمة قائلاً: “كانوا يوقدون عليها النار، ثم يرشونها بالخل ويرمونها بالمنجنيق، حتى فتحت الثلمة التي بها إلى اليوم”.
ومن طريف ما نجده في كتاب الإدريسي، أن المأمون عندما زار الأهرام ورأى ما بها من نقوش وكتابات رغب في ترجمتها، فلم يجد مترجمًا يترجم عنها ويعرب عن معجم ما استعجم منها، غير أيوب بن سلمة، وهو شيخ من شيوخ المصريين، دل المأمونَ الحكماءُ عليه، وأشاروا بأجمعهم إليه في معرفة حل أشكال حروف الأقلام البرباوية (الهيروغليفية)، فترجم للمأمون ما كان على الهرمين وعمودي عين شمس (المسلتين)، وما كان ذلك في الكتاب المعروف بكتاب “الطلسمات الكاهنية”.
ولئن صحت رواية الإدريسي، فإن معناها أن الحروف الهيروغليفية كانت مقروءة ولو لواحد من العلماء إلى عصر المأمون، وأنها لم تستعجم على جميع الناس إلا بعد ذلك، إلى أن حل رموزها من جديد شامبليون الفرنسي سنة 1822م.
ومثل هذا الموضوع ليس بغريب على المأمون الذي عرف بحبه للأدب والعلوم، وفي عصره ازدهرت الترجمة عن اليونانية والسريانية وغير ذلك، حتى عده الغربيون “أوغسطين العرب”.
وقيل إن الطوفان أغرق مصر في زمن الملك قرعان بن ميسور، وبلغ ارتفاعه ربع الهرم، وما زال أثر الماء يرى عليه إلى اليوم، أما أهرام دهشور فينسب بناؤها إلى قفطاريم.
وحكي أن أحمد بن طولون، بلغه في سنة نيف وستين ومائتين، أن رجلاً بأعالي صعيد مصر له ثلاثون ومائة سنة من الأقباط يشار إليه بالعلم، فسأله ابن طولون عن بناة الأهرام فقال: إنها قبور الملوك، وكان الملك منهم إذا مات وُضع في حوض حجارة يسمى في مصر والشام “الجرن” وأُطبق عليه، ثم يبنى من الهرم على قدر ما يريدون من الارتفاع الأساسي، ثم يحمل الحوض وسط الهرم، ثم يقنطر عليه البنيان والأقباء، ثم يرفعون البناء على هذا المقدار الذي ترونه، ويجعل باب الهرم تحت الهرم، ثم يحفر له طريق في الأرض بعقد أزج، فيكون طول الأزج تحت الأرض مائة ذراع وأكثر، ولكل هرم من هذه الأهرام باب يدخل منه على ما وصفت. فقيل له: فكيف بنيت هذه الأهرام الملموسة، وعلى أي شيء كانوا يصعدون ويبنون؟ وعلى أي شيء كانوا يحملون هذه الحجارة العظيمة التي لا يقدر أهل زماننا هذا على أن يحركوا الحجر الواحد إلا بجهد إن قدروا؟ فقال: كان القوم يبنون الهرم مدرجًا ذا مراقٍ كالدرج، فإذا فرغوا منه نحتوه من فوق إلى أسفل، فهذه كانت حيلتهم، وكانوا مع هذا لهم صبر وقوة وطاعة لملوكهم وديانة. فقيل له: ما بال هذه الكتابة التي على الأهرام والبرابي لا تقرأ؟ فقال: دَثَر الحكماء وأهل العصر الذين كان هذا قلمهم، وتداول أرض مصر الأمم، فغلب على أهلها القلم الرومي كأشكال الأحرف للروم، على حسب ما ولدوا من الكتابة بين الرومي والقبطي الأول، فذهبت عنهم كتابة آبائهم.
وما ذكرناه هو قليل من كثير مما تذخر به كتب التراث العربي عن الأهرام، كلغز مبهم يخفي في أعماقه الكنوز والذهب، وغير ذلك من قصص وأساطير ذلك العهد. عمومًا فقد قدمت كتب التراث صورة حقيقية للأهرام خاصة الكساء الذي يكسوها. وما نقش عليه من كتابات فرعونية، سقط كله بفعل الزلازل والعوامل الجوية، وما إلى ذلك.
لكن لغز الأهرام لم ينته، فلا يزال اللغز قائمًا وإن تحول من الكنوز والذهب وسر البناء، إلى أبحاث ودراسات معاصرة تتناول الأهرام وسر قوتها الخارقة، ولما لها فعل السحر في شحذ شفرات الحلاقة وحفظ الأجساد الميتة، وكأنها محنطة وأن بها قوة مغناطيسية، أو كهرومغناطيسية تؤثر على المادة وبلورتها. وقد تأسست هيئة لتجميع بحوث الهرم في واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1973م، لتقديم ورعاية البحوث التي تنسب إلى هرم خوفو الأكبر بالذات.

(*) كاتب وأكاديمي / مصر.