لقد تراءى لي هذا الكونُ الهائل والكرةُ الأرضية الممتدة معملا عظيما دائب الحركة، أو فندقا واسعا، أو دارِ ضيافة تُملأ وتُخلى بلا انقطاع؛ علماً أن دار ضيافةٍ بهذه السعة وبهذه الكثرة الكاثرة من الغادين والرائحين، تمتلئ بالنفايات والأنقاض لا محالة، ويصاب كل شيء بالتلوث، وتضيق فيها أسبابُ الحياة. فإن لم تعمل يدُ التنظيف والتنسيق فيها عملاً دائماً أدّت تلك الأوساخ إلى اختناق الإنسان واستحالة عيشه.

لا نكاد نرى في معمل الكون العظيم وفي دار ضيافة الكرة الأرضية هذه أثراً للنفايات. فمن الذي ينظفها يا ترى؟

بيد أننا لا نكاد نرى في معمل الكون العظيم هذا، وفي دار ضيافة الكرة الأرضية هذه أثراً للنفايات؛ كما أنه لا توجد في أية زاوية من زواياهما مادة غير نافعة، أو غير ضرورية، أو أُلقِيَتْ عبثاً؛ حتى إنْ ظهرت مادةٌ كهذه فسرعان ما تُرمى في مكائنِ تحويل بمجرد ظهورها، تُحيلها إلى مادة نظيفة.

فهذا الأمرُ الدائب يدلنا على أن الذي يراقب هذا المعمل إنما يراقبه بكل عناية وإتقان، وأن مالكه يأمر بتنظيفه وتنسيقه وتزيينه على الدوام حتى لا يُرى فيه -رغم ضخامته- أثرٌ للقاذورات والنفايات التي تكون متناسِبةً مع كبر المعمل وضخامته.

فالمراعاةُ بالتطهير مستمرة، والعناية بالتنظيف دائمة ومتناسبة مع ضخامة المعمل وسعته. تصور أنَّ الإنسان الفرد إن لم يستَحمّ ولم يقم بتنظيف غرفته خلال شهر، ألا تضيق عليه الحياة؟! فكيف بنظافة قصر العالم العظيم؟!

إذن فالطُهر والنقاء والصفاء والبهاء البادي للعيان في قصر العالم البديع هذا ما هو إلاّ نابعٌ من تنظيف حكيمٍ مستمر، ومن تطهير دقيق دائم.

إن لم يستحم الإنسان الفرد أو يقم بتنظيف غرفته خلال شهر، تضيق به الحياة. فكيف بنظافة قصر العالم العظيم؟!

فلولا هذه المراقبةُ المستديمة للنظافة، والعنايةُ المستمرة بالطهر، لكانت تختنق على سطح الأرض -بأجوائها الموبوءة- مئاتُ الآلاف من الأحياء خلال سنة…

ولولا تلك المراقبةُ الدقيقة والعناية الفائقة في أرجاء الفضاء الزاخرة بالكواكب والنجوم والتوابع المعرَّضة للموت والاندثار، لكانت أنقاضُها المتطايرة في الفضاء تحطّم رؤوسَنا ورؤوس الأحياء الأخرى، بل رأسَ الدنيا، ولكانت تُمطِر علينا كتلاً هائلة بحجم الجبال، وتُرغمُنا على الفرار من وطننا الدنيوي؛ بينما لم تسقط منذ دهور سحيقة من الفضاء الخارجي -نتيجة الاندثار- سوى بضعةِ نيازك، ولم تُصب أحداً من الناس، بل كانت عبرةً لمن يعتبر..

ولولا التنظيفُ الدائب والتطهير الدائم في سطح الأرض، لكانت الأنقاضُ والأوساخ والأشلاء الناتجة من تعاقب الموت والحياة اللذين يصيبان مئات الألوف من أمم الأحياء، تملأ البر والبحر معاً، ولكانت القذارةُ تصل إلى حد ينفر كلُّ من له شعور أن ينظر إلى وجه الأرض الدميم، بل كان يسوقه إلى الفرار منها إلى الموت والعدم ناهيك عن حبِّه وعشقه.

المصدر: اللمعات، بديع الزمان سعيد النورسي، دار النيل للطباعة والنشر

Leave a Reply

Your email address will not be published.