مرحبا عزيزي الإنسان .. قبل البدء بالحديث معك أريد أن أشكو المشرفَ على هذه السلسلة من المقالات؛ لقد نَبَت الشَّعْرُ على لساني وأنا أحاول إقناعه بأني لست كيسًا شفافًا أو قرصًا، إنما حيوان كباقي الحيواناتوُهبتُ روحًاوكُلّفتُ بمهام عديدة في هذه الحياة، وبالتالي أستطيع أيضًا التحدّث عن نفسي .. أرجوك قلْ له أنْ لا يؤخرني مرة أخرى، ولا يزيد شوقي إليك أكثر من اللازم . ولكن لا بأس، عفا الله عمّا مضى، إني سامحته . والآن، دون مضيعة للوقت ما رأيك أن أبدأ بقصتي في هذه الحياة، وأكشف لك عن عجائب خلْقي مثلما فعلمَن سبقني من أشقائي الحيوانات؟

تتوزع عيون قنديل البحر كبُقَع صغيرة على أطراف جسمه، مما يمنحنه زاوية رؤية تبلغ 180 درجة مئوية. هذه العيون المستقبِلة للضوء والمصفوفة على شكل دائرة بانتظام، موصولة ببعضها البعض بشبكة عصبية مشتركة، الأمر الذي يتيح لقنديل البحر معرفة كل التغيرات الضوئية.

تصميم متميز وهندسة غريبة

لأن تصميم جسمي وهندسته يختلف كثيرًا عن باقي الحيوانات ما عدا Jellyfish يسمّيني الناس قنديل البحر الاسفنجيات والمشطيات . يتكون جسمي من طبقتين بدل الثلاث طبقات الموجودة عند الحيوانات الأخرى؛ بمعنى أنه عندما تبدأ البويضة المخصِبة وحيدة الخلية بالتطور إلى جنين لدى جميع الحيوانات الفقارية ومعظم اللافقاريات، سرعان ما تنشأ لها -قبل كل شيء – ثلاث طبقات خلوية، كلُّواحدة منها تختص بإنشاء عضو من الأعضاء وتعدُّه للمهمة التي سيقوم بها مستقبلاً. ) التي تكسو سطح الجسم، بإنشاء البشرة والجهاز العصبي، وتقوم خلايا Ectoderm(مثلاً، تقوم خلايا الإكتوديرم ) ، بتبطين Endoderm() التي تقع بين الطبقتين، بإنشاء عظام الجسم، وخلايا الإندوديرم Mesoderm(الميزوديرم الأنبوب الهضمي.

ما أريد قوله هو أن جسميخُلق من طبقتين خلويتين بدلاً من ثلاث طبقات، أي لم يضع لي خالقي الطبقة الوسطى (الميزوديرم) التي تنمِّي معظم الأعضاء، وهذا يعني أني لا أملك الأنسجة والأعضاء التي تشكِّلها هذه الطبقة، ولكن عُوِّضتُ بدلاً من ذلك بمادة شبيهة بالجيلاتين بين بشرتي الخارجية والداخلية . %، وهذا بطبيعة الحاليُكسبني صورةشِبْه شفافة تتيح للناظر أن يرى أعضائي 97 نسبة الماء في جسمي يصل إلى الداخلية وقنواتي الشعاعية بكل سهولة، أو أن يرى حتى الأسماك التي تناولتُها كغذاء . لقدخُلقتُ للعيش في البحار، وإذا قمتم -أنتم البشر- بإخراجي من بيئتي البحرية، أتحول إلى هلاموأموت مباشرة، والسبب عدم احتواء جسمي على هيكل عظمي أو غلاف خارجي مثل الجلد لديكم ولدى الكائنات الأخرى. ولكن هل يُعتبر هذا نقصًا فيّ؟! بالطبع لا .. فأنا سعيد جدًّا من بساطة هذه الحياة وخفّتها، وراضٍ بما قسم ليربي منقِسمة .. يكفي أنْ وهبني حياة زاخرة بالجمال، وأراني كنوزًا في البحار لم يرها كثير من المخلوقات . ثم هل نسيتم أن خالق هذا الكون منزَّه عن النقصان؟ أو هل نسيتم أنه هو الخبير الذي زيّن كل نوع من الحيوانات بأعضاء تتناسب مع ظروف البيئة التي يعيش فيها؟ إذا نسيتم أنتم أيها البشر، فنحن الحيوانات لم ننس .. ورضينا كل الرضى بقسمة ربنا لنا .. ثم ليس من الضروري أن تكون لنا – نحن القناديل- عيون مثل عيونكم، إنما يكفينا عضو واحد يستقطب ما نحتاجه من الضوء والنور .
رؤية بلا عيون ربما العين بالنسبة لكم ضرورية لا غنى عنها، ولكن هذا لا يعني أن تقللوا من شأني وقيمتي، لقد عوَّضني ربي بعضوٍكَوَّنه من خلايا جاذبة وأصباغ جامعة للضوء يقوم مقام العين . ثم ليس كلنا بلا عيون؛ بل هناك نوع اسمه “قنديل البحر ) وُهب عيونًا داخل حفرات صغيرة مزوَّدة بعدسة وقرنيّة -مثل الكاميرا تمامًا – يرى بدقة Cubomedusae” (المكعب فائقة . نعم، أتمتع بمواد صبغية تم توزيعها بين الخلايا . والمستقبِلات الضوئية بالنسبة لي هي خلايا عصبية خاصة تتكوَّن من قطبين؛ القطب الأمامي لهذه الخلية حساس للضوء، وأما القطب الخلفي فهو صلة الوصل بين الخلايا العصبية الأخرى وهو ما يمكّنني من التفاعل مع المؤثر الضوئي .

ثم إن كل محور عصبي يخرج من المستقبلات الضوئية، يلتقي بالمحاور العصبية الأخرى ليشكِّل العصب البصري . عيوني الصغيرة الشبيهة بالبقع الصغيرة، تتوزَّع بانتظام على أطراف جسمي الشبيه بالمظلّة أو الجرس، وهذا يمنحني زاوية درجة مئوية . وبالتالي إن عيوني المستقبِلة للضوء والمصفوفة على شكل دائرة، موصولة ببعضها البعض بشبكة 180 رؤيةٍ تبلغ عصبية مشتركة، الأمر الذي يتيح لي معرفة كل التغيرات الضوئية؛ لأن الضوء مهم بالنسبة لي، ولأن مراحل الإنجاب كلها لديّ متعلقة بمدة الضوء الزمنية وشدته . هذا وتبعًا لانخفاض الضوء تدريجيًّا، ينبع فرط استقطاب) ، وعبرهما يتولد التيار الكهربائي Depolarization() ، وتبعًا لارتفاعه ينبع إزالة استقطاب Hyperpolarization( لديّ. ولكن عند اللافقاريات يحدث فرط الاستقطاب فقط، وعند الفقاريات إزالة الاستقطاب فقط، بينما نحن قناديل البحر نتمتع بالاثنين معًا . بعضنا يملك عيونًا غريبة للغاية فيتركيب عدستها؛ وبما أن معامل الانكسار يتدرج من جهة إلى أخرى، وأن الصورة تتشكّل خلف الشبكية، فإن الصورة تكون أمامي ضبابية، وهذا – بطبيعة الحال – يسبب لي رؤية الأجسام الكبيرة والهادئة، وتجاهل الكائنات الصغيرة الجارية مع التيارات المائية . 10 آلاف نوع، وبعض المصادر الأخرى تشير إلى أن أنواعنا تصل إلى نحو 7 – 6 تَذكر بعض المصادر أننا نتنوع إلى ملم، وحجم الجسم لأكبر أنواعنا إلى مترين . ولا بد أن تعلم أن الفتحة 12 آلاف نوع . حجم الجسم لأصغر أنواعنا يبلغ الواسعة الموجودة في أسفل جسمي الشبيه بالقبة، تقوم بدور الفم والشرج في آن واحد.

آلة صيد بديعة الصنع لا بد من الإشارة إلى أن الأيدي لديّ واللامسات، مكسوّة بمئات الكبسولات المتفجرة، وقد أستخدمها كسلاحٍ أدافع، وهي Cnidocyte” به عن نفسي وأحميها من المخاطر.

جسم بسيط ومعقّد إذا كان الجهاز الهضمي لديك عزيزي الإنسان على شكل أنبوب، فإنه لديّ على شكل كيس ذي فتحة واحدة يسمّى ” التجويف الهضمي”. تتزيّن هذه الفتحة الواسعة بقنواتٍ شعاعية تمتد نحو الأطراف بتناسق عجيب مثل أسلاك المظلة تمامًا . لميُخلق ليكُلْية، الأمر الذي يدفعني إلى استخدام طريقة النشر عند طرْح غاز الأمونيا عن سطح جسمي . إن الكثافة داخل جسمي متساوية مع كثافة ماء البحر، وهذا بدوره يسهّل عليّ التوازن عند السباحة والحركة . ثم إني لا أحتاج إلى الأكسجين كثيرًا؛ وذلك لعدم وجود أي نشاط أيضي في الهلام المتوسط لديّ. لذلك فإن عملية النشر التي تتم عبر خلايا البشرة من الخارج، وخلايا الأديم الباطن التي تكسو التجويف الهضمي من الداخل، تلبي حاجتي إلى الأكسجين بالقدر الكافي. هذا وإن التجويف الهضمي لديّ يعمل كخزّان؛ إذ يحتفظ بالأغذية التي تدخل إليه، ثمتُحطَّم هذه الأغذية عبر الأنزيمات، ثمتُمتَصّ منقِبل الخلايا الموجودة في جدار التجويف الهضمي .

ثم يتم توزيع الأغذية الذائبة والأكسجين، إلى كل أطراف جسمي من خلال القنوات المتصلة بالتجويف الهضمي . ) ،وكلها متموضعة على حافّات التجويف الذي يعمل كفمٍ 16 – 8( 8 أو الرقم 4 عدد الأيدي لديّ هي أضعاف الرقم وشرجٍ في عين الوقت . أستخدم هذه الأيادي من أجل القبض على الفريسة . وكذلك أملك عددًا كبيرًا من اللامسات التي 50 ) إلى Physalia” (تتدلى من أطراف جمسي الشبيه بالقبة، كما يصل طول هذه اللامسات عند نوعنا “الحَوصلاء
مترًا .
آلة صيد بديعة الصنع لا بد من الإشارة إلى أن الأيدي لديّ واللامسات، مكسوّة بمئات الكبسولات المتفجرة، وقد أستخدمها كسلاحٍ أدافع ) ، وهي Cnidocyte” (به عن نفسي وأحميها من المخاطر . تسمى هذه الخلايا المصنوعة بدقة فائقة بـ” اللاسعة كالقوس المشدود جاهزةٌ للانفجار في أي لحظة، إذ يوجد داخل كل كبسولة من هذه الكبسولات خيوط طويلة أنبوبية الشكل، وبمجرد لمْس الأيدي، تتوتر مباشرة النتوءاتُ الشبيهة بالشعيرات والموجودة على أطراف الكبسولات وتتصلّب، ثم تنفجر الكبسولات مثل القنبلة المسحوب دبوسها، لتنغرس مئات الخيوط الشائكة في جلدمَن قام بلمْسي . وأنصحك عزيزي الإنسان – لأنك غال عليّ- ألاّتلمسني وألا تقترب مني كثيرًا، لأن هذه الخيوط الشائكة، مسمومةٌ،وأخشى أن
تودي بحياتك لا سمح الله . لكن اطمئن، ليست كل أنواعنا خطيرة إلى هذه الدرجة، بل هناكمَن يكون سمّه خفيفًا يؤدي إلى الحكّ وبعض الجروح البسيطة فقط .
وزن خفيف وتوازن دقيق لعلي لمأُوهَب أنسجة عضلية مثلكَ أيها الإنسان، ولكن عوضًا عن ذلك،كُسِي جسمي ببعض الخلايا القادرة على .) مثل الحزام المطاط تمامًا، وعن طريق ذلك أتمكّن من الحركة Myoepitel(الانكماش لتوفير الطاقة وعدم هدرها، أقوم بطريقتين مختلفتين خلال السباحة والحركة العمودية؛ أما الطريقة الأولى فهي تحريك أطراف جسمي المظلّي، وأما الطريقة الثانية فهي دفْع المياه الذيأُدخله التجويفَ الهضمي إلى الخارج بقوة من فتحة الفم، ليدفعني بالاتجاه المعاكسويمكّنني من السباحة وقطع المسافات بسهولة . وهذه العملية تتحقق بواسطة أجهزة التوازن الموضوعة بشكل دقيق على حافّات جسمي، وهي التي تمكّنني من التوازن الذي لا أعرفه كيف يكون، لأني بصراحة- لا أعرف الحساب ولا أفهم فيه أبدًا، إنما في تنقّلي من مكان إلى آخر، أعتمد فقط وبسوق إلهي، على المد والجذر والتيارات المائية .
عملية التلقيح والإخصاب من السهل جدًّا أن ترى غددي التناسلية الأربعة من الخارج . وأما التلقيح والإخصاب لديّ فيتم على شكل مراحل؛ إذ يخرج البيض -البالغ حجمه النصف ملليمترًا – والحيوانات المنوية من فتحة فمي إلى الماء، ثم يبدأ هذا البيض بالنمو ) بفمٍولامسات Polyps(لتظهر اليرقة المهدبة بعد الإخصاب فوق بعضها البعض، بعدها تتحول هذه اليرقات إلى سليلة متموضعة على حافة السطح العلوي لفتحة الفم، وبعد فترة معينة من الزمن يتم التحوّل إلى قنديل يسبح ويتحرك في الماء
كيف يشاء . يتغذى كبارنا على السمك واللافقاريات؛ حيث تقوم بلدغ الفريسة عن طريق الكبسولات المتفجرة،وهذا اللدغ يسبب التخدير والشلل في جسم الفريسة، لتكون طعامًا سائغًا شهيًّا تتغذى عليه وتواصل حياتها في هذه الدنيا . يحذِّرني السيد المشرف بانتهاء الوقت المخصص لي، واكتمال الصفحات المحددة لقصتي . أسرار كثيرة كان عليّ أن أحكيها، ولكن لا بأس، لعل ربي يجمعني بك في يوم من الأيام لتكملة البقية .. حتى ذلك الحين، أرجو أن تتأمل جيدًا فيما حكيتُه السلامة .
(*) جامعة 9 أيلول / تركيا. الترجمة عن التركية : نور الدين صواش

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.