يقول العالم الفيزيائي “سكينر”: “إن الفيزياء والبيولوجيا الحديثة، تعالج بنجاح موضوعات ليست -بالتأكيد- أبسط من نواح كثيرة من السلوك البشري، ولكن الفرق أن الأدوات والمناهج التي تستخدمها الفيزياء والبيولوجيا، هي ذات تعقيد متكافئ مع تعقيد الموضوع. ولكن قولنا إن الأدوات والمناهج ذات القوة المتكافئة غير متوافرة في ميدان السلوك البشري، لا تعد تفسيرًا، بل إنها فقط جزء من اللغز المحير، فهل وضع إنسان على سطح القمر أسهل من تحسين التربية في مدارسنا؟”.

ويبدو أن التراكمات الكمية من المعرفة هي التي حققت هذه القفزة النوعية من الإنجاز، وهو ما لم يحدث حتى الآن في علوم فهم الإنسان، يقول سكينر: “كان الشيء المثير في الوصول إلى القمر يكمن في كونه أمرًا قابلاً للتحقيق؛ فقد وصل العلم والتكنولوجيا إلى النقطة التي يمكن عندها أن يتحقق هذا الأمر بدفعة عظيمة واحدة، وليس هناك من إثارة مشابهة في المشكلات التي يطرحها السلوك البشري”. ومع هذا، فإن ضفيرة سميكة من العلوم تتشابك لسبر غور الإنسان.

منذ ظهوره أول مرة عام ١٩٩٢، أحدث التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي (fMRI) ثورة في قدرتنا على رؤية المخ البشري أثناء عمله، وعلى فهم العمليات التي تقف وراء الوظائف العقلية، مثل صناعة القرار، ومع نمو تقنيات تصوير الدماغ لتصبح أكثر قوة، امتد تأثيرها من المعمل إلى العالم الحقيقي.

إن وقفَة مع بعض الطرق التي بدأ التصوير العصبي يؤثر بها على رؤيتنا للسلوك البشري وللمجتمع، توازِن بين حماس مستحق لتقنية الرنين المغناطيسي الوظيفي وتقدير واع لحدودها ومخاطرها. فتقنية الرنين المغناطيسي الوظيفي، تعتمد على قياس أكسجة الدم الوارد إلى المخ لتصوير النشاط بالرنين العصبي. وهنا نطرح سؤالاً مركزيًّا في مجال التصوير العصبي، هو “هل تستطيع هذه التقنية قراءة الأفكار؟”

لقد جرى في السنوات الأخيرة استخدام المعلومات المأخوذة بواسطة الرنين المغناطيسي الوظيفي في فك شفرة محتوى الأفكار والحالات العقلية أثناء النوم. ولكن لم تكف هذه الطرق لتمكين الباحثين من فك شفرة “لغة الأفكار” أثناء اليقظة -وهي المقصودة ضمنيًّا بقراءة الأفكار- عند الكثيرين. ولكن في ظل الاستخدام المتنامي للطرق المتقدمة لتعَلم الآلة -مثل الشبكات العصبية العميقة- في تحليل البيانات الخاصة بالتصوير العصبي، أصبح الأمر مسألة وقت فقط.

إن عيوب التقنية -المتمثلة تحديدًا في غياب درجة يعتد بها من الدقة- أبقتها حتى الآن خارج المحاكم الجنائية، إذ إن شبكة المخ المستخدمة في الأحكام الأخلاقية، لا يمكن لها أن تتعرض للتشوش في حالات مثل حالة المرض العقلي. ونظرًا لأنه ليس كل الأفراد المصابين بهذه الأمراض يرتكبون أفعالاً إجرامية، فإن التصوير العصبي يحتمل أن يكون وسيلة غير صالحة للتنبؤ الدقيق بالسلوك الإجرامي.

أما مجال بحوث “التسويق العصبي” الآخذ في الظهور، فيثير بعض المخاوف أيضًا. واستنادًا إلى بحوث مثل دراسة “الكولا مقابل البيبسي”، التي تبَين أن نشاط المخ يكشف عن تفضيلات المستهلكين من البضائع، يطالب الباحثون بقوانين تنظيمية أقوى، للحيلولةِ دون إساءة استخدام هذه التكنولوجيا.

ومن المشكلات الأساسية في تفكير العامة بشأن علم الأعصاب -تلك التي غالبًا ما أسميها “الثنائية الشعبية”؛ وهي الفكرة القائلة بأن هناك اختلافًا على نحوٍ ما، وهو الأمر الحاسم في التطبيق القانوني للتصوير العصبي، بين المخ والعقل، وهو اختلاف وثيق الصلة بفهم أفعال البشر. “إن قولك مخِّي جعلني أفعل ذلك” ليس له معنى، وهو شبيه بقولك إن “جي كي رولينغ” أقنعت مؤلفةَ سلسلة روايات “هاري بوتر” بكتابة سبعة كتب عن الصبي الساحر”.

إن التحديات المستمرة التي تواجه إعادة إنتاج بعض التأثيرات السيكولوجية -على سبيل المثال- أحدثت مناقشة عميقة ومحايدة إلى حد كبير لما يسمى “نضوب الأنا”، الذي يفترض أن ممارسة ضبط النفس في أحد المجالات -مثل حل مسألة إدراكية صعبة- تنتقص من قدرة المرء على ممارسة ضبط النفس إزاء مشكلة أخرى، مثل تفضيل الأطعمة الصحية على غير الصحية.

المعنى الضمني هنا، هو أن ضبط النفس يشبه العضلة التي يمكن أن تتعب، ولقد كشفت كثير من الدراسات والتحليلات اللاحقة لها، عن وجود أدلة على نضوب الأنا، لكن تجربة واسعةَ النطاق التي قادها عالِما النفس “مارتن هاجر” و”نيكوس شاتزيسارنتِس” فشلت في الحصول على النتيجة نفسها.

بصمة الأفكار والعضلات الأخلاقية

تحظى محدوديات طرق تطبيق تقنية التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي للأعصاب بتغطيات متباينة، لكن التقنية لا تكشف إلا عن علاقات الارتباط، ما يعني أن نشاط منطقة ما من الدماغ عندما يشعر المرء بالخوف، لا يعني أن هذه المنطقة لها بالضرورة دور في الشعور بالخوف. ويمكن الكشف عن الحتمية السببية فقط عن طريق التلاعب بوظيفة منطقة معينة من الدماغ، إما من خلال تحفيز الدماغ، وإما من خلال دراسة حالات إصابة الدماغ بالعطب، مثلما يحدث نتيجة للجلطات الدماغية.

وتظهِر كثير من الدراسات -على سبيل المثال- أن القشرة أمام الجبهية البطنية الإنسية -وهي ذات أهمية في اتخاذ القرارات المبنية على القيَم- تنشط عندما يفكر المشاركون في التجارب حول مدى استعدادهم لدفع المال مقابل سلع استهلاكية. لكن دراسات حديثة وجدت أن بعض المصابين بعطب في هذه المنطقة، لا يبدون أي قصور في مثل هذه القدرات.

وهناك مشكلة “الاستدلال العكسي” كما في مرحلة نفسية ما -ولتكن الخوف- بنشاط يحدث في منطقة محددة بالدماغ -مثل اللوزة الدماغية- هو أمر مثير للجدل، لأنه من النادر أن تكون هناك استجابة مباشرة بين منطقة واحدة ووظيفة واحدة، فمعظم مناطق الدماغ تنشط في سياقات مختلفة كثيرة، غير أن هناك بعض الاستدلال، لتفسير نتائج التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي.

ورغم كل ذلك فإن التصوير العصبي عمومًا لا يقل أهمية عن البحوث السلوكية التي تدعمه، لذا نجح باحثون ألمان في معرفة قرارات الإنسان بشكل مسبق، من خلال مراقبة نشاط الدماغ خلال نشاط العمل أو اليقظة. العلماء وجدوا أن النموذج العصبي الذي ينبئ بتصرف محدد للإنسان، يظهر قبل عشر ثوان تقريبًا من صدور هذا التصرف.

كان السؤال الأكبر الذي واجههم هو ماذا يحدث للدماغ عندما يكون في حالة تفكير أثناء اليقظة أو العمل من خلال استخدام آخر التقنيات؟ وقد استطاعوا عبر أبحاثهم المكثفة معرفة أنشطة الخلايا العصبية، بل وقراءة بعض أفكار الإنسان دون اللجوء للشعوذة والسحر.

عن ذلك يقول البروفيسور “جون دايلان هاينيس” من مركز “بيرنشتاين لأبحاث المخ والأعصاب” خلال مؤتمر عُقد بهذا الخصوص في شتوتجارت جنوب ألمانيا: “عثورنا على نماذج خاصة لانطباع الأفكار في الدماغ، يجعلنا نعرف ما يفكر فيه الشخص المعنيّ”.

طرحت نتائج البحث الكثير من الأسئلة، سواء على المستوى الأخلاقي أو الجنائي أو الديني.. فقد اكتشف البروفيسور هاينيس -خلال إحدى التجارب- مركز اتخاذ القرارات في المخ وكيفية اتخاذها.

يقول هاينيس: “كان على المتطوعين المشاركين في التجربة، أن يقرروا ما إذا كانوا سيقومون بعملية الطرح الحسابي أو عملية الجمع دون إبداء ذلك للقائمين على التجربة، واستطعنا استقراء قرارهم بنسبة نجاح لا تقل عن ٧٠ بالمائة”.

وأشار إلى أن العلماء قاموا خلال التجربة، بمد أجهزة الكمبيوتر بـ”بصمة الأفكار”، أي بحركة الخلايا العصبية وتفاعلاتها ونشاطها بشكل عام عندما يقوم الجسم بعملية الطرح أو بعملية الجمع، ثم مقارنة هذه “البصمة” أو الانطباع أو الصورة، بصورة أدمغة المتطوعين أثناء قيامهم بإحدى هاتين العمليتين.

كما وجد الباحثون أن التصويرأظهر النموذج العصبي الذي ينبئ بتصرف محدد للإنسان قبل عشر ثوان تقريبًا من صدور هذا القرار، مما دفع البروفيسور هاينيس لإعادة طرح السؤال القديم الجديد: “هل الإنسان حر أم أن تصرفاته محددة من خلال أنشطة عصبية في الدماغ؟ ألا يستطيع الإنسان مخالفة طبيعته؟”.

ويعمل البروفيسور “ماركوفيتش” أيضًا، في إعداد التقارير الصحية لبعض الجهات القضائية، كما أنه أثبت ما سماه “بصمة الكذب”، حيث وجد أثناء إحدى التجارب مع الطلاب، أن الخلايا العصبية نشطت بشدة في منطقة الجبهة عندما بدأوا يقصّون حكايات حقيقية بناء على طلب القائمين على التجربة، ثم نشطت الخلايا العصبية بغزارة في مؤخرة الرأس عندما بدأوا يقصون حكايات مختلقة.

ربما تكون المعضلات الأخلاقية هي قمة جبل الجليد؛ لأن التطورات العلمية تعزز قدرتنا على “قراءة الأفكار”. والسؤال هو: بمجرد أن يوفر التصوير العصبي إمكانية التنبؤ الدقيق بالسلوك المستقبلي، هل سنشهد عندها واقعًا مريرًا كالذي جسده فيلم “ستيفن سبيلبرج” الذي أُنتِج عام ٢٠٠٢ باسم “تقرير الأقلية” (Minority Report)، الذي كان يُلقى القبض فيه على الناس بسبب جرائم لم يرتكبوها بعد؟ أم سنصبح قادرين على الموازنة بين حقوق الإنسان والقوة التي تمنحنا إياها التكنولوجيا؟ إن مثل هذه القضايا تقدم أرضية جيدة ننطلق منها للتفكير في هذا العالم الجديد الشجاع والمميز.

(*) أستاذ جراحة التجميل المتفرغ والعميد الأسبق لكلية طب الإسكندرية / مصر.

المراجع

(1) Russell Boldrak، Brain reading Nature (28/02/2020) English article.

(2) Barbara J.Sahain and Julia Gothwald: Sex Lies and Brain Scans (M.S. Hagger and N.L. Chatzisarantis Perspect Psychol، 2019.

(3) C.L. Harensiet al Abnorm Psychol 119، 2019.

(4) S.M. Mcclure et Neuron 44، 2018.

(5) A.R. Vaidya and l.k. Fellows Nature Commun، 9/2017.