قبة مسجد الاصفهان في إيران

مسجد حسن الثاني في المغرب

تعد القباب التاريخية، من أهم روائع العمارة الإسلامية، حيث إن القبة في المسجد تعد أكثر من ظاهرة معمارية، وقد استخدمت لأهداف عدة، وقد ظهرت القباب في المباني على وجه العموم أول الأمر في آسيا، ثم انتقلت فيما بعد إلى بلاد الفرس واليونان فالرومان، قبل أن يتلقاها المسلمون، ولا يخلو طراز من طرز الفنون الإنسانية الكبرى من القباب إلا الطراز المصري القديم علمًا بأن أول قبة عرفت في الإسلام “قبة الصخرة” المشرفة التي بناها الخليفة “عبد الملك بن مروان” في بيت المقدس في فلسطين ما بين عامي 69هـ 72 هـ، ثم بعد قبة الصخرة بني “الوليد بن عبد الملك” المسجد الأموي بدمشق وفيه “قبة النسر” الشهيرة وذلك بين عامي 132 ـ 133هـ، ثم توالت القباب في المساجد، إلى أن وصل الأمر بأن أصبحت القبة في المسجد، بمثابة الظل الدائم للمئذنة فيه .

صورة جمالية وتوازن الشكل

لقد جاءت تعابير القباب في المساجد، عن صور جمالية تضفي على المسجد نوعًا من التوازن في الشكل الذي يستحبه النظر، وفي حالة ما إذا كانت القبة خارج المسجد وكأنها متجهة إلى أسفل فيه رمز لتواضع المؤمن بين يدي ربه، فإنها من الداخل تعطي انطباعًا عكسيًّا، يعبر عن التصاعد والحركة الرأسية لأعلى، حتى يكون المؤمن وهو يعيش جو العبادة عمليًّا داخل المسجد محاطًا بالإيحاء والارتقاء والسمو، كما زادت القباب على المآذن، من حيث استخدامها في غير المساجد، مثل القصور والأضرحة وغيرها .
وتوصف نقطة البداية، في عمل القبة بابتكار العقد أو القوس، وأصل ذلك من ابتكار آسيوي، ولكنه تطور على أيدي الفرس والرومان تطورًا واسعًا، ثم جاء المسلمين فصاروا بالعقود مدى أبعد وأكثر تنوعًا، ففي العقود ظهر أن قوة الدافع الحادثة من ضغط الأحجار بعضها على بعض، وكذلك من وزن البناء الذي سيحمل على العقد، وتتوزع في العقود على قطع العقد وأرجله، بصورة كاملة التوازن تنتهي باتجاه عمودي نحو الأرض، ويتضح بذلك أن القبة تنشأ من عقود متقاطعة في مركز واحد، ألا وهو المفتاح الرئيسي الأعلى للقبة كلها، وقد لجأ المعماريون المسلمون لإقامة القباب إلى العقود فقط، لأن سقف المسجد لا يحمل في العادة إلا القبة فقط .

من أساس العمارة “العثمانية”

قبة مسجد السليمانية بإسطنبول

مسجد السلطان حسن ومسجد الرفاعي في القاهرة

 

 

 

في بداية الأمر كانت وظيفة القبة تغطية جزء من رواق القبلة، وغالبًا تعلو البلاطة أو المساحة التي يوجد بها المحراب، ثم بدا في العصر الفاطمي استخدام القبة لتغطية بداية المجاز القاطع ونهايته أمام المحراب، أما في العصرين الأيوبي والمملوكي فقد اختفى المجاز القاطع، واقتصرت التغطية على بلاطة المحراب فقط، واشتهر العصر العثماني بتعدد القباب في المنشأة الواحدة، بحيث أصبحت القبة هي العنصر الرئيسي في العمارة العثمانية، أما عن استخدام القباب في غير المساجد فقد اشتهرت قباب الأضرحة، واقتصر هذا المصطلح على قباب أولياء الله الصالحين، وأيضًا قباب الدفن والتي أطلقت على مدافن السلاطين والأمراء .
كما اختلفت مواقع القباب ما بين الملاصق لمدرسة أو مبنى أو منفصلة، كما وجد أغلبها في جبانة المماليك وبشكل ملحوظ، كما تنوعت زخارف تلك القباب، حيث زخرفت القباب بالأشرطة وبالزخارف الهندسية والنباتية والكتابية بعناية كبيرة وغاية في الإتقان، ونفذت بأكثر من أسلوب، فظهر منها أسلوب الحفر في الحجرعلى أن يتم حفر البدن الحقيقي للقبة، على هيئة الزخارف المراد تنفيذها، وهناك أيضاً طريقة الحفر في الجص “الجبس”، والتي تتمثل في طلاء بدن القبة بطبقة من الجص، حيث تنفذ عليه الزخارف، ثم يتم حفرها إما حفراً بارزاً وإما حفراً غائراً .

حل المعضلة الهندسية

جامع بتراجايا ماليزيا

جري تقسيم القباب على حسب العديد من الاعتبارات، فهناك القباب الخشبية والتي وجدت في بداية الأمر مثل قبة الصخرة في القدس، وكذلك كانت قبة الإمام الشافعي الأولى خشبية، وقبة جامع بيبرس، وقبة مدرسة السلطان حسن في “القاهرة” وغيرها من القباب، ليظهر أن استخدام الخشب هو أسهل عند بناء القبة من استخدام الحجر إلا أنه أضعف منه، ومن الطبيعي أن القباب الخشبية تُكسى عادة من الخارج بطبقة من صفائح الرصاص، للحماية من العوامل الجوية، بينما تُكسى من الداخل بطبقة من الجص، كبياض داخلي عليه زخارف تنوعت من حيث الشكل .
كما توجد هناك الكثير من القباب الحجرية، أو المصنوعة من الطوب، ومنها قبة مسجد الغوري بالمنشية، وقبة خانقاه فرج بن برقوق، وقبة أروقة الجامع الأقمر، وقبة مسجد السلطان سليمان بمدينة “إستانبول”، إذ أن معظم القباب القديمة إما حجرية أو خشبية، وبالنظر إلي ثقل الحجر، فقد كانت قبابه على وجه العموم أصغر من القباب الخشبية، وقد لجأ المعماري المسلم لحل المعضلة الهندسية، المتمثلة في الانتقال من المربع إلى المدور، إلى استعمال العقود المتقاطعة لإقامة القباب .
ومن هنا كانت الحلول المستعملة، لتحويل المبني المربع الشكل أو المستطيل، إلى دائرة عن طريق ما يسمى بـ “المثلثات الكروية”، وهي في الأساس طريقة رومانية أو منحنية الأركان وهي طريقة فارسية، أو تحويل الحافة المربعة للجدران إلى هيئة مثمنة، ثم إقامة أعمدة يكون اعتمادها على الأكتاف الثمانية، علي أن تتلاقى في نقطة واحدة، وهي طريقة إسلامية مبتكرة .
ولكن القباب الحديثة بالوقت الحالي، فهي تقوم على هيكل مكون من أسياخ معدنية متشابكة، ثم يُصب فوقه الإسمنت المخلوط بمادة الجص، فإذا جف بلغ الغاية في المتانة والتماسك، وبواسطة تلك القوالب التي يصب فيها الإسمنت لصنع القبة، أمكن التحكم في حجم القبة وشكلها ومتانتها إلى حد بعيد، وهناك قباب حديثة بدأت تظهر منافسة لقباب الحديد والإسمنت، وهي القباب المصنوعة من الألياف والخيوط الزجاجية، وتتميز بأنها تسمح بنفاذ الضوء، إلى باطن القبة دون أن تسمح لحرارة الجو أو برودته بالنفاذ، إضافة إلى خفة الوزن، مع متانة الصنع والقدرة على اختيار الشكل المختار بمنتهي الحرية .

قيشاني وذهب خالص

ظهر إبداع المعماريين المسلمين في إبراز جمال القبة، إضافة إلى شكلها المميز عن البناء، وذلك باستخدام عناصر التجميل الأخرى، سواءً داخل القبة أو خارجها، وعن تزيين القبة من الخارج، فقد تم استعمال زخارف دائرية القطاع أي “الفصوص”، بينها نُفذت ذلك في القباب المتخذة من الطوب، أما بالنسبة للقباب الحجرية فقد استعملت دالات، ألا وهي الزخرفة المتتابعة على شكل حرف “دال”، كما استخدمت أشكال هندسية أو زخارف بنائية مجتمعة أو كل على حدة، مثل التي توجد في قبة المدرسة الجوهرية بالأزهر، ووجدت كتابات بالقيشاني على العديد من القباب .
بل إن قباب المساجد في الشرق، وبالأخص التي في إيران، لم تترك مجالاً للمنافسة في تزيين القباب بالقيشاني الأزرق التقليدي، مثلما هي في مسجد “شاه عباس” في مدينة أصفهان، وهناك بعض القباب التي تم تزيينها من الخارج بألواح من الذهب الخالص، مثلما وجد في قبة الصخرة وبعض المساجد الأخرى، التي توجد حاليًا في العراق، كما اشتهرت بعض القباب بلون خاص بها، مثل القبة الخضراء فوق الروضة الشريفة في “الحرم المدني”، وتزيين القبة من الداخل وأما تزيين القبة من الداخل، فقد تم تزيين بعض القباب بالرخام الملون، الذي ينتهي من أعلى بطراز، كما تحدد المنطقة السفلى أو ما تعرف بالعنق من القبة أغلب الأحيان بكورنيش .

ملساء ومضلعة وبصلية

جرى تسمية رقبة القبة بالطنبور، وفيه تجد في كثير من الأحوال نوافذ تجهز بقمريات من الزجاج الملون، وقد يفصل بين كل نافذة وأخرى “قوصرة” وفي نهاية الطنبور فوق النوافذ في الخارج، يوجد أحيانًا نص “قرآني” على سطح يرتد عن سطح الحائط يعمل بالجص على القباب القرميدية أو ينحت نحتًا في القباب الحجرية أو يكتب بالقيشاني أو غير ذلك، وبعض القباب تمتاز برقابها الطويلة، التي تشبه عنق الزجاجة .
وعن جسم القبة فهو يكون مدور وأملس أو مدور مضلع أو مخروطي منتفخ البطن منقبض ما فوق الرقبة تحته، كما تنوعت الأشكال العامة للقبة، من ملساء أو مضلعة أو قبة بصلية أو مخروطية الشكل، والقباب البصلية تُرى واضحة في المساجد الهندية، والقباب الطويلة العنق ترى في المساجد السلجوقية، والقباب الدائرية ترى في عموم المساجد، وخاصة الأيوبية منها والمملوكية والفاطمية .

إنارة ووضوح وتهوية

أعطت القباب أكثر من فائدة للمساجد، فبجانب دورها الجمالي في كسر جمود المبني الكبير في بيت الصلاة وتخفيف حدة الكتل الضخمة الصامتة، بات للقبة فوق ذلك دور هام في إيصال الإنارة إلى قلب بيت الصلاة، وذلك عن طريق الشمس المتغلغلة من النوافذ الكثيرة المحيطة برقبة القبة، ليُقال أن نوافذ قباب بعض المساجد قد صُممت، لكي تدخل الشمس كل يوم من طاقة في القبة، حسب مطالع شروقها أو غروبها على مدار السنة، وبذلك كان قلب المساجد مضاءً دوماً ومتسم بالوضوح، عكس معابد الأديان الأخرى، ومع الإنارة يأتي دور التهوية .
فما أن تغطي القبة بيت الصلاة في المسجد، يتم سحب الهواء الساخن الذي يرتفع إلى أعلى، ثم يخرج من النوافذ المطلة على الناحية المشمسة، أما النوافذ التي في الناحية الظليلة، فيدخل منها الهواء الرطب البارد، مما يفسح المجال أمام التيارات الهوائية الصحية الصافية للتردد على أجناب المسجد، طاردة الهواء الفاسد إلى الخارج، لأن التحكم بالتهوية والاستفادة من حركة الهواء، من خلال نوافذ القباب أوجد الحلول لبعض المشاكل الناتجة عن دخان “قناديل” الإنارة الليلية في المساجد قديمًا، فقد استحدث المعماري التركي “الشهر سنان” في مسجد السليمانية في إستانبول فتحات صغيرة تحت القبة، في اتجاهات متنوعة ليضمن تيار صاعد يجذب وراءه الدخان المتصاعد، من مواقد الإنارة بالزيت المستخدمة بكثرة للإضاءة، وبذلك حلت مشكلة تراكم الأبخرة السوداء “السخم” على النقوش العليا .

ثبات وحركة وتظليل

في حالة الحديث عن الثبات والحركة فإن الأصل في القباب مثل المآذن، أن تكون ثابتة فوق سطح المسجد، إلا أن التقنيات الحديثة مكنت المعماريين من ابتكار القباب المتحركة التي تتجول على سكة، ويتحكم بها بواسطة آلات يحركها مفتاح آلي، ومثل هذه القباب المتحركة عرفت في المساجد الحديثة الضخمة، مثل مسجد الملك الحسن الثاني في الرباط، والمسجد “النبوي الشريف” في المدينة المنورة، وذلك في واحد من أخر التوسعات، علمًا بأن وزن القبة يبلغ نحو ثمانون طنا !! .
وبذلك أجرى الاستفادة من تحريك القبة، في تجديد هواء المسجد وأيضاً في إنارته، وكذلك في التمتع بالجو الطبيعي المناسب، بل استخدمت القباب المتحركة على سكة عالية، وهي مرفوعة على جدران تحتها فوق السطح استخدمت في تظليل جزء لا يمكن الاستهانة به، فمن السطح يكون موائمًا للصلاة فيه، وهذا ما يراه الحاج في أسطح المسجد النبوي الشريف .


المصادر
= قبة – ويكيبيديا، الموسوعة الحرة .
= قباب المسجد النبوي تحفة معمارية تشد الزوار/ خميس الزهراني/ الجزيرة نت 29/7/2012م .= القباب من روائع العمارة الإسلامية/ عبد الله نجيب سالم/ موقع قصة الإسلام 12/2/2014م .
= قباب المسجد الأقصى.. شواهد صبر وطهر وتحد.. تشرف بالمكارم الهاشمية/ محمود كريشان/
جريدة الدستور 22/6/205م .
= قبة المساجد في البلقان تحفة فنية في عرض الطبيعة/ عبد الباقي خليفة/ جريدة الشرق الأوسط
= العدد “10920” 21/10/2008م .
= قبب مساجد الموحدين/ وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية “المغرب” 6/12/2012م .
= قباب المسجد النبوي الظل والنور/ سامي المغامسي/ صحيفة عكاظ العدد “4071” 9/8/2012م .

Leave a Reply

Your email address will not be published.