لقد استنبط فقهاء المسلمين المقاصد العامة للقصص القرآني، ومن هذه المقاصد البيان والاتعاظ والاعتبار والكشف عن سنن الله تعالى في كونه.

إن المقاصد العامة من الأمثال القرآنية ليست لمجرد الامتاع والترويح ولا حتى بيان الإعجاز البلاغي أو الاتعاظ وتهذيب السلوك (وكلها مقاصد هامة)، وإنما هي سند حجاجي منطقي؛ به يصلُ المتحاجون إلى كلمة سواء من خلال ما يكشف عنه استعمالهم (الميزان) من قواسم مشتركة بينهم، وبذلك نتجه نحو عالمية الإسلام بالكشف عن ميزان الفطرة الذي يتقاسمه البشرُ كلُّهم.

والقصص تعتبر ضمن الأمثال القرآنية، واعتبرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من أدلة مشروعية القياس. ومن أمثلة القرآن الكريم ما جاء في قصة يوسف عليه السلام؛ وبالقياس نجد أنها تضمنت مراحل التمكين في الأرض وشروطه؛ والقيادة ومقومات اختيار القائد، وغيرها من السلوكيات التنظيمية.

وتعتبر وظيفة القيادة من أهم الوظائف في العملية الإدارية، فإن الله تعالى خلق الناس على فطرة الحاجة إلى الاجتماع. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “‏إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ”(رواه أبو داود). وليس هذا في الإنسان فحسب بل في كل المخلوقات، يقول الله تبارك وتعالى: (ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) (الأنعام: 38)، والقائد الإداري من المنظور الإسلامي هو القدوة التي يستمد منها أعضاء المنظمة من العاملين النموذج الذي يتبعونه في ممارسة واجباتهم وتوجيه علاقاتهم بالآخرين.

إن أكثر النصوص التي وردت في مؤلفات الإدارة والقيادة في الإسلام ركزت على شئون الأفراد، وبذلك ينفذ الإسلام إلى لب المشكلة الإدارية، حيث يقضي المنطق وتوجب الضرورة الاهتمام بما ينفع الإنسان. وكل وظائف الإدارة من تخطيط وتنظيم وقيادة وتوجيه ومتابعة ورقابة تقوم أساسًا على الأفراد الصالحين، وتتجه لتحقيق مصالح الإنسان فردًا أو جماعة. فهي بالإنسان وللإنسان. وبذلك تكون عبادة لله وطاعة وامتثالاً لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والقيادة عمومًا هي طريقة للتأثير، موجهة مباشرة إلى تغيير وتشكيل سلوك العاملين. ويعتبر نموذج القيادة في قصة يوسف عليه السلام نمط من أنماط القيادات التي تضطلع بمهام ووظائف تتعلق بإدارة شئون البلاد في المجالات الاقتصادية والمالية والموازنات والتجارة والتموين وغيرها من الفروع ذات الصلة بأحوال ومعايش الناس. وكان هذا النموذج القيادي لإخراج البلاد من أزمة اقتصادية طاحنة متوقعة أو شبه مؤكدة

ولم تتناول المؤلفات في مجال الإدارة والسلوك التنظيمي في الإسلام النماذج الإدارية الواردة في القصص القرآني بشكل متكامل، ومعظمها كتابات جزئية، أو تتناول أفكار واجتهادات متفرقة. ويستثنى من ذلك بعض المؤلفات؛ ومنها كتاب الدكتور محمد المحمدي الماضي، (استراتيجية التغيير التنظيمي: مدخل إسلامي مقارن، دار النشر للجامعات، 2000م). تناول المؤلف في هذا الكتاب بعض نماذج القيادة، منها نموذج يوسف – عليه السلام. وقصة يوسف – عليه السلام هي القصة الوحيدة التي وردت كاملة في القرآن الكريم، وهي سورة مكية؛ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل هجرته المباركة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. ومن مقاصد القصة بيان نمط من أنماط القيادة، وهو نموذج يوسف عليه السلام.

تناول الدكتور الماضي نموذج يوسف – عليه السلام؛ كمقياس لاختيار القائد، بالتركيز على ثلاثة عناصر رئيسية، كالآتي:

– مقومات الاختيار لابد أن تتناسب مع الموقف

– الدلائل العملية على توافر تلك المقومات في يوسف – عليه السلام

– المقابلة لتدعيم الاختيار

بالنسبة للعنصر الأول، أوضح د. الماضي إن مهمة إدارة شئون البلاد الاقتصادية تحتاج إلى قائد يتوافر فيه أمران بصورة رئيسية هما: الأمانة الشديدة، والعلم الراسخ بطبيعة المهمة. يقول الله تبارك وتعالى على لسان يوسف -عليه السلام (قَالَ اجْعَلْنِي على خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)(يوسف: 55). وقد طلب يوسف عليه السلام هذا الطلب لأنه يعلم كيفية الخروج من الأزمة، وبعد أن صرح له الملك وقال له (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ)( يوسف: 54).

ويتضح من ذلك أن أولويات الاختيار تركز على الأمانة والعلم، ولم يتقدم في هذا الموقف عنصر القوة؛ مثل قصص أخرى في القرآن الكريم (موسى وطالوت وعفريت سليمان..) رغم أن يوسف كان يمتلك هذه الصفة وهي القوة، ولكنه لم يقدمها للظرف الطارئ وللمهمة التي سيضطلع بها، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيم) (يوسف: 31) يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية لأنهن لم يرين بشر شبيهاً له عليه السلام فقد أعطي شطر الحسن كما ورد في الحديث الصحيح. ويتضح من ذلك أن الأمانة والعلم قُدما على القوة، وأن العلم لابد أن يقترن بالأمانة، لأن العلم بدون أمانة قد يكون نقمة.

والجدير بالذكر في هذا المقام، أن يوسف – عليه السلام لم يطلب القيادة إلا عندما توفرت فيه عناصر العلم والخبرة التي تحتاجها المهمة؛ فلم يطلب الإمارة لنفسه أو لحرص عليها. وفي باب النهي عن طلب الإمارة قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: “يا عَبدَالرَّحمن، لا تَسْأَل الإمارَةَ؛ فَإنَّكَ إن أُعْطِيتَها عَن غَيْرِ مسأَلَةٍ أُعِنْتَ علَيها، وَإنْ أُعْطِيتَها عَن مسأَلةٍ وُكِلْتَ إلَيْها” (متفق عليه).

أما العنصر الثاني؛ فقد أضاف د. الماضي، أنه لابد من توافر دلائل على الأمانة والحفظ والعلم. من هذه الدلائل؛ أن امرأة العزيز راودته فأبى (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (يوسف: 23) وفضل السجن على فعل الفاحشة: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) (يوسف: 34). وقد برأته النسوة بعد ذلك (قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ) (يوسف: 51). وهذه دلائل عملية على أمانة يوسف عليه السلام.

أما الدلائل العملية على العلم، قال الله تعالى على لسان يوسف – عليه السلام (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُون، َثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (يوسف: 47-49)  فقد تنبأ يوسف – عليه السلام بأن العام الخامس عشر سيكون عام رخاء؛ وذلك بناءً على العلم الذي يملكه؛ كما وضع خطة اقتصادية واضحة وموجزة تضمنت أهم العناصر (تحديد الهدف – حصر الموارد – الفعالية في تحقيق الهدف – الكفاءة في الاستخدام الأمثل للموارد…إلخ).

أما العنصر الأخير فهو أهمية عمل مقابلة مع المرشح لتوليه منصب قيادي. ويستشهد د. الماضي بقول الله تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) (يوسف: 54) ويقول ابن كثير إن الملك حين تحقق من براءة يوسف عليه السلام ونزاهة عرضه مما نسب إليه؛ قال استخلصه لنفسي؛ أي يكون من حاشيتي، وتمت المقابلة على هذا الأساس.

لذا يمكن حصر أهم عناصر اختيار القيادات؛ كالآتي:

– إن الإنسان هو محور وظائف العملية الإدارية فهي بالإنسان وللإنسان. ولابد من اعتبار العلم والتدريب والخبرة ورجاحة العقل والتجارب والمعرفة والحكمة.. في اختيار القيادات.

– إن القيادة سواء للحاكم أو لمن يختاره للإمارة هي مسئولية كبرى.

– الإمارة لا تطلب ولكنها تكليف لمن يثبت صلاحيته. وعدم تولية المناصب لمن يسعى إليها.

– دقة الاختيار وتوافر أركان الأمانة والعلم والقوة.

– كل مهمة لها صفات يجب توافرها في القائد، ولا يعني ذلك إهمال الصفات الأخرى، فالأمانة والعلم تُقدم في مجال إدارة شئون البلاد اقتصاديًّا وماليًّا.

– المقابلة الشخصية ضرورية في الاختيار؛ للتأكد من توافر المؤهلات العلمية والعملية اللازمة.

– أن يتم تعيين المرشحين البعيدين عن الشبهات ويكون ذلك من خلال المسار الوظيفي لكل مرشح.

– يجب وجود أدلة عملية مؤكدة على توافر الأركان المطلوبة لشغل الوظيفة وأداء المهمة.

– التوصيف الدقيق لكل وظيفة.

– عالمية الإسلام فهو دين الفطرة، والقيادة من ضرورات حاجة البشر الفطرية إلى الاجتماع.

– إن كل ما وصل إليه الفكر الإداري الغربي من توصيف للوظائف والترشيح والاختيار والتعيين والتدريب والتطوير.. كلها محل اعتبار.