إن عالمنا المعاصر بما حققه من تقدم معلوماتي وتقني، يدخلنا في ضرورة التواصل مع العالم أجمع -شرقيه وغربيه- وعلى مختلف الأصعدة؛ لأن تلاقي الثقافات واحتضان بعضها لبعض وصراع بعضها مع بعض، مظهر طبيعي في الثقافة الإنسانية. والذي يهمنا هو الحديث عن الجانب الأدبي، والإشارة إلى حركتي التأثير والتأثر بين الثقافتين الشرقية والغربية. وداخل هاتين الثقافتين أيضًا، كانت هناك على الدوام تيارات أدبية منتقلة من بلد إلى آخر على الرغم من خصوصية كل بلد.

إن الانفتاح على الآخر، صار في عصرنا أمرًا ضروريًّا بسبب تسارع وتيرة التطور في الميادين المختلفة وتشابك العلاقات بين مختلف الأقطار. وفي خضم ذلك كله، يصبح تحديد موقعنا بين “الذات/الآخر”، في حاجة إلى كثير من الوعي بهذه الذات وذلك الآخر.

إن القضية المحورية التي ركز عليها النقد الإسلامي الحديث، هي الحد من فكرة الاستقلالية، لأن فيه مساحات مشتركة بإمكان الجميع الإفادة منها وتوظيفها في ممارساته. ويمكن للناقد أن يفيد -إلى حد ما- من النظريات المختلفة، ولكن يتوجب عليه أن يظل متمسكًا بنظرته الشمولية وموقعه الوسطي. وقد تعاملت الكتابات النقدية الإسلامية مع هذه الإشكالية وفق اتجاهين:

اتجاه الرفض واتجاه الانفتاح والتمثل. ويعد الاتجاه الأول مرفوضًا، لأنه يؤدي إلى الطريق المسدود، ويشكل علامة ضعف وإنذار بالسقوط في السطحية، وقد يخفت هذا الرفض ليأخذ مبدأ الحذر الواسع.

أما الاتجاه الثاني فهو الأجدر بالقبول، لأنه يتكفل بازدهار وتفتح الأدب الإسلامي.. وهنا نجد الأدب يستقي من البلاغة العربية أولاً، والنقد الغربي ثانيًا، لأن الانغلاق في النقد والأدب يعد مرادفًا للتلاشي. وقد استوعب الأدب القديم هذه المسألة استيعابًا منفتحًا، فلم يجد غضاضة من توظيف المعطيات النقدية المنتمية إلى الفكر اليوناني والإغريقي.

ويؤكد د. محمد إقبال عروي قائلاً: “إن نقدنا الإسلامي يتوجب عليه أن يرتاد عوالم متعددة وآفاقًا متنوعة، ليخرج سالمًا من مرحلة العموميات، ويدخل مراحل التفصيل والتبويب والتحليل”. والذي يخلص إليه، أن النقد المعاصر يجب أن يعمل في اتجاهين اثنين: الأول يستثمر العطاء البلاغي القديم. والثاني يتحقق بالانفتاح على الدراسات الحديثة في النقد الغربي.

فالانفتاح على النقد الغربي، لا يعني الانصهار فيه أو الانكفاء به، بل يعني سلوك معادلة متوازنة بين النقد العربي والغربي. وقد شكل الانفتاح همَّ نقاد الأدب الإسلامي الأول. وسنفصل القول في بيان علاقة النقد الإسلامي الحديث بالتراث والحداثة:

علاقة النقد الإسلامي الحديث بالتراث

لا ينظر النقد الإسلامي إلى التراث نظرة تقديسية، ولا يعده مصدر المعرفة الوحيد، ولا يفرضه على الواقع دون نقد، وعلى الرغم من ذلك نجده متهمًا بها. ولعل سبب الاتهام، هو علاقة المسلم بالكتاب والسنة، هذه العلاقة  التي تنطلق من أغوار النفس، لتنعكس على السلوك الفردي والاجتماعي. وهذا ما يوهم البعض بارتباط المسلم بالماضي وتقديسه على الرغم من وجود فرق جوهري بينهما. ويعزز هذا التوجه كلام محمد بنعمارة الذي يؤكد فيه على عدم عدّ القرآن والسنة تراثًا، وذلك لأن التراث هو كل نتاج أنتجته الذهنية الإسلامية، أما القرآن والسنة فيمثلان الوحي الذي لا يحدّه زمان ولا مكان.

ويلحظ أن هذا الاتهام يتزايد كلما عمق الأدباء توظيفهم للتراث، وإن الاتهام ليس مشروطًا عندهم بتوظيف التراث، وإنما هو مشروط بالرؤية الإسلامية. فقد وظّف آخرون تراثهم، ومع هذا لم يوسم إبداعهم بميسم التراثية أو الماضوية.

فكثيرًا ما تطرح إشكالية الأصالة والمعاصرة على أنها اختيار بين الأنموذج الغربي والتراث، بوصفه أنموذجًا أصيلاً يقصي جميع ميادين الحياة المعاصرة، وهذا ما لا يمكن قبوله. ونجد الناقد محمد إقبال عروي، يواصل دفاعه عن التراث عند التزامه بالمعاصرة، ويناقش الأدباء الذين يتبرمون من تقليد الشعر القديم في الوقت الذي يقعون في تقليد المعطيات الإبداعية الوافدة من الغرب، دون مراعاة لخصوصيات تلك المعطيات من جهة، وخصوصية ذاتنا النابعة من عقيدتنا من جهة ثانية. فهؤلاء وقفوا موقف النفي والإيجاب لثنائية “التراث/المعاصرة”، فرفضوا الأول وقبلوا المعاصرة على الإطلاق رغم توافر مساحات واسعة في التراث مفيدة وذات غنى معرفي. وحضور أشياء مضرة في المعاصرة تختلف عن خصوصيتنا، وعليه يجب التمييز بين النجدين في تلك المناهج، وقبول المفيد دون الآخر.

علاقة النقد الإسلامي الحديث بالحداثة

يطلق مصطلح الحداثة -بوجه عام- على مسيرة المجتمعات منذ عصر النهضة إلى اليوم، ويغطي مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية. ولقد أدخل التقدم المستمر للعلوم والتقنيات وثورة التكنولوجيا إلى الحياة الاجتماعية، عامل التغيير المستمر والصيرورة الدائمة التي أدت إلى انهيار المعايير والقيم الثقافية التقليدية. وفي ظل هذه الصيرورة الاجتماعية -بمختلف اتجاهاتها- تحدد السياق العام لمفهوم الحداثة، بوصفه ممارسة اجتماعية، ونمطًا من الحياة يقوم على أساسي التغيير والابتكار.ويرتكز المفكرون في تعريف الحداثة إلى فكرتين أساسيتين، هما رفض التقليد، ومركزية العقل.

فالحداثة مفهوم متعدد المعاني والصور ويمثل رؤية جديدة للعالم، ترفض الجمود والانغلاق والقبول بمبادئ الانفتاح والتفاعل مع الثقافات الإنسانية. وقد تعني “الحداثة” عند بعض الباحثين؛ مجرد النقل الأفقي الساذج لما أنجزه الغرب خصوصًا، والتخلي المطلق عن التراث العربي بعد أن استنفد أغراضه بزعمهم.

يتساءل د.حسن الأمراني: هل الحداثة شيء نسبي أم مطلق؟ وهل تحمل دلالة زمنية أم لا؟ ليخلص إلى القول بأن المفهوم الزماني للحداثة لا يكفي، وهناك عناصر وقيم غير مرتبطة بالزمن، ينبغي توافرها في العمل الأدبي ليكتسب صفة الحداثة. فالحداثة هي الاستجابة الحضارية للتحدي بالتعبير الصادق الجميل، وإن كل بحث عن مدلول الحداثة خارج الانتماء الحضاري يعدّ ضربًا من العبث. فالحداثة لا تتحقق بقطع الصلة مع الجذور، بل من شروطها الانغراس في التربة التي ننتمي إليها حضاريًّا.

ومن جهة أخرى فإن الانفتاح على النقد الغربي لا يعني الانصهار فيه أو الانكفاء به، بل يعني سلوك معادلة متوازنة بين النقد العربي والغربي. وقد شكل الانفتاح همّ النقاد، وذلك لأن الأخذ عن الآخر “ليس خطأ بحد ذاته على الإطلاق، بل العكس هو الصحيح، إذ “الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها” كما يحدثنا رسولنا عليه الصلاة والسلام”.

ومن الممكن للنقد الإسلامي الحديث، أن يفرد دراسات تعالج نظريات البنيوية والسميائية، ونظرية التلقي ومصطلحاتها كأفق الانتظار، الذخيرة، مواقع اللاتحديد، الخطاطات ووجهة النظر الجوالة، معتمدًا أسلوب التركيز وقصد الإبانة، بما يتلاءم مع السياق العام الهادف إلى إنجاز قراءة عربية في إنتاج نقدي غربي، مع التأكيد على الانفتاح الحذر الذي ينتقي بتروٍّ بعيدًا عن التأثر المبالغ فيه أو التقليد.

أما عن عالمية الفن، فمن الواجب الإفادة من التجارب والأشكال في صياغة تجاربه الإبداعية ورؤاه. وسيعاني النقد -دون انفتاحه- من طغيان التكرار والسطحية التي تجد طريقها في الانعزال وعدم التحاور والتفاعل، فالانغلاق يضر بالنقد والإبداع معا، فبينهما أكثر من همزة وصل، ويعد أولاهما مؤثرًا في الآخر.

ينتقد د. عماد الدين خليل الأخذ المطلق من الغرب، دون مراعاة لخصوصيات تلك المعطيات من جهة وخصوصية ذاتنا النابعة من عقيدتنا من جهة ثانية؛ ليؤكد أن النقد الإسلامي يعرف كيف يفيد من الآخر، ليصنّف تعاملنا مع معطيات الآخر بثلاثة مواقف هي:

1-  الرفض: فالأدب اليوناني القائم على الميثولوجيا الوثنية، ظل معزولاً إلى حد كبير عن ذاكرة المسلمين.

2-  القبول: للعلوم الصرفة -كالرياضيات والطب- واعتماد قانون تراكم الخبرات، والإضافة إلى ما قدّمه الآخرون.

3-  التعديل الجوهري: بتعديل ما لا يتفق مع معطياتنا بإخضاع عناصره لرؤيتنا، كترجمة الفلسفة اليونانية كأداة للجدل وليس هدفًا معرفيًّا.

فالنقد الإسلامي الحديث، يميز بين نجدي تلك المناهج المتنوعة، ويفيد من المقبول منها دون المرفوض؛ لأن قبول الآخر على الإطلاق على الرغم من توافر مساحات واسعة فيه، شيء مضر بذاتنا الإسلامية.

فللتراث سمات أصيلة يتميز بها عن غيره، وليس من الضروري أن يصطبغ بألوان الحداثة ليكون فاعلاً، فلكل منهما مكانته الخاصة، وإن تشبيه التراث بالمعاصرة لا يسهم في الرفع من شأنه أبدًا، وليس هناك ضرورة لإظهار وجه الشبه بينهما، فقد ترسّخ لدى البعض ذلك التشبيه الذي ليس له من ضرورة.

فإستراتيجية النقد الإسلامي الحديث، تكمن في قبول المفيد والممتع والجميل في التراث أو الحداثة، ورفض المعارض لذاتنا وعقيدتنا الإسلامية، ولذا يجب التمييز بين النجدين، وليس من الصواب القبول المطلق، أو الرفض المطلق للتراث أو الحداثة أبدًا.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.