منذ حقب كثيرة ترسخت العلاقة بين الهند والبلاد العربية عن طريق التجارة وغيرها، وكان التجار العرب يختلفون إلى سواحل الهند كي يبيعوا سلعهم ويصدّروا المواد العطرية مثل المسك ..، فبإمكاننا أن نعتقد أن هذه الرحلات التجارية هي التي ربطت بين هاتين الحضارتين الزاهرتين منذ قديم الزمان، وتركت تلك العلاقة آثارًا كثيرة في الهند ومن ضمنها أن اللغة العربية لاقت رواجًا مدهشًا في مدنها وقراها، فحرص الناس حرصًا شديدًا على تأسيس المساجد والمعاهد الدينية لتطوير اللغة العربية ونشر المبادئ الإسلامية في أنحاء الهند، ثم ظلت هذه المساجد والمعاهد الدينية منارة للعلم والمعرفة على مر العصور، فتخرج منها كثير من العلماء والأدباء الذين طبقت شهرتهم الآفاق، ومن أبرزهم السيد إسماعيل شهاب الدين البخاري المشهور ببانور تنغل الذي قلّ نظيره في الديار المليبارية، ولا أبالغ إذا قلت إن كيرالا لم تشهد عالماً اجتمعت فيه صفات هذا الرجل الألمعي بعد العصور المخدومية.

كان للشيخ حظ وافر من الذكاء والفطنة، حقًا كان السيد أعجوبة منقطعة النظير في الحفظ، بحيث لا يقرأ صفحة واحدة حتى يحفظها بسهولة، ويشهد على هذا ما نقل عن أستاذه الموقر عبد الرحمن الفضفري بقوله الرائع: “ما رأيت طالباً يحفظ صفحة الكتاب بإلقاء النظرة العابرة فيها إلا تلميذي إسماعيل شهاب الدين، وقد سهرت ليالي طويلة نتيجة للبحث عن الجواب الفاصل لأسئلة وجهها إلي هذا الطالب الماهر”

وتميز الشيخ عن أقرانه بنبوغه في اللغة العربية وآدابها وقواعدها، وتنطق بهذه الحقيقة كتبه المبعثرة في الفنون المنوَّعة، حيث أعرب كثير من علماء العرب عن إعجابهم بلغته الأنيقة التي ألف بها مؤلفاته، ومع ذلك كانت لغته يسيرة، غير معقدة وواضحة.

حياته وتكوينه العلمي

ولد السيد إسماعيل شهاب الدين المليباري في قرية منجيشرم بولاية كرنادك بالهند، في شهر يناير عام 1936م، لأبوين كريمين، فنشأ وترعرع في كنف هذين الوالدين الحنونين، ثم تتلمذ على العباقرة من العلماء الذين عدّهم مواطنو كيرالا أيقونة للعلم والحكمة في ذلك العصر، مثل شمس العلماء أبي بكر مسليار وعبد الرحمن مسليار، لكن شوقه لتحصيل الجديد من العلوم أشعل في قلبه حب السفر إلى خارج كيرالا، فاتجه إلى دار العلوم في ديوبند للدراسة العالية سنة 1957، فحظي بعدة فرص لمقابلة طلاب العلم من العرب ومناقشته مع كبار العلماء حتى بلغ أوج المعارف الإسلامية والآداب العربية، وبعدما أتم دراسته في دار العلوم عاد إلى مسقط رأسه عازمًا على التضحية بنفسه في سبيل الدعوة الإسلامية في الديار المليبارية، فبعد خدماته المتواصلة الشاقة في مواطن كيرالا المتعددة وضع حجر الأساس لجامعة الزهراء الإسلامية في بانور بمقاطعة كنور بكيرالا، وكانت هذه الجامعة أنموذجًا قيمًا لجمع العلوم الدينية والتطبيقية في مكان واحد، فتبع من جاء بعده خطواته الرزينة حتى تحولت كيرالا إلى بقاع رفع فيها العديد من المبانى الشاهقة التي يُدرس فيها هذان النوعان من العلوم.

قد خلّف السيد إسماعيل البخاري اللمليباري ثروة كبيرة من الكتب التي لم تكن محصورة على فن واحد بل انضمت إلى مجموعتها الضخمة فنون منوعة من الفقه والتفسير والمنطق وعلم الكلام والتاريخ وغيرها.

الوفاة

انتقل السيد إسماعيل شهاب الدين إلى رحمة الله عن عمر ناهز أربعة وسبعين عامًا يوم الإثنين من شهر مايو في سنة 2010م .

مؤلفاته

قد خلّف السيد ثروة كبيرة من الكتب التي لم تكن محصورة على فن واحد بل انضمت إلى مجموعتها الضخمة فنون منوعة من الفقه والتفسير والمنطق وعلم الكلام والتاريخ وغيرها، ومن مؤلفاته (على هامش التفاسير تعليقات على تفسير الجلالين)، و(أدب المسلم في منهج الإسلام)، و(صفوة الكلام في عقيدة الإسلام)، و(الكلام في شرح العقائد النسفية)، و(المنطق في شرح التهذيب)، و(المدارج في تقرير الغايةوالتقريب)، و(نقاط من تاريخ الإسلام مع شذرات الذهب)، و(المرقاة في فقه الإسلام)، و(النبراس في مسلك الفقه الشافعي)، و(الدروس في حروف الهجاء)، و(الدروس في تركيب الألفاظ).

وسنسلط الضوء على أهمها قيمة ورواجًا وهو كتاب (على هامش التفاسير تعليقات على تفسير الجلالين)، حيث يعتبر هذا الكتاب من أبرز الكتب التي قدمها السيد إسماعيل شهاب الدين إلى عموم القراء، وهو خير شاهد على قبوله لدى العلماء والمفكرين والنقاد على مستوى العالم، فقد عجب العلماء العرب من لغته الفصيحة والجواهر العلمية التي يحملها هذا الكتاب في طياته، ولذا من المستطاع أن نقول إن أول سمة تميز هذا التفسير عن غيره أنه تم تأليفه على يدي عالم أعجمي بعيد عن الدول العربية وثقافتها.

ومؤلفنا أنفق تسع سنوات لإتمام هذا العمل الجليل بصورة رائعة ابتداء من 1998 انتهاء إلى 2007م، والكتاب يحتوي على سبعة مجلدات ضخمة، واعتمد الشيخ خلال تأليفه لهذا الكتاب على التفاسير القديمة والجديدة بما فيها “جامع البيان” للطبري، وإلى “تفسير الجواهر” للشيخ الطنطاوي، ولم يكتف المؤلف بالنصوص المأثورة لتفسير الآيات بل وظف عقله أيضاً في إيضاح معانيها بكل جلاء وصفاء، ولم يكن مُقِرّاً بجميع ما جاء في الكتب القديمة، بل انتقد عدة نصوص للمفسرين القدماء على ضوء البراهين القاطعة والدلائل المقنعة.

ووشّح المصنف كتابه بمقدمة جليلة لخص فيها كلَّ شيء له أدنى ارتباط بفن التفسير، ولم ينس أيضاً أن يحذر الأمة من الوقوع في الإسرائيليات والأكاذيب المختلطة في التفاسير القديمة بقوله: “ومن الأسف تدخل مقالات واهية بل إسرائيلية يشوّه وجه الإسلام السمح ويهيئ الفرصة لهجوم أعداء الإسلام على صاحب الشريعة”.

وقد ربط المفسر تعليقاته الجليلة بتفسير الجلالين كما هو واضح في اسمه لأنه من أَجَلِّ التفاسير المختصرة المؤلفة في تفسير القرآن الكريم، ويرجع إليه أغلب العلماء في العالم ليفهموا آيات الله، والذي يجدر بالذكر أن المفسر فَصَّل الآيات القرآنية تحت تراجم خاصة، وفي بداية كل سورة ألقى الضوء على جميع مناحي الأمور المذكورة فيها باختصار، مع بيان العلاقة الوثيقة بينها وبين السورة التي قبلها وبعدها، ثم يفسر الآيات تفسيراً واضحاً، وهذه العلاقة التي لم يتنبه لها العديد من المفسرين القدماء هى معجزة باهرة للقرآن الكريم.

لقد عمل الشيخ في تفسيره  على الإلمام بالعلوم الحديثة، وبحث عن الظواهر الكونية التي ألمح بها إلى وجود الله ووحدانيته ونقض بها أقاويل الملحدين والزنادقة، إلى غير ذلك الكثير.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.