على مدار التاريخ لم تتوقف دعاوى المبطلين في اتهام الأنبياء والمرسلين ومن جاء بعدهم من العلماء المصلحين.. فالنبوة في شرعهم كذب وكهانة، والتوحيد ضلال وردّة، ووحي الله وهمٌ وشِعر، والصادق الأمين كذاب خائن وصاحب أغراض سياسية، وله “أجندات” خفيّة يجب الحذر منها. ويصل المشهد ذروته لكثرة الترويض والتدجين أن يُصبح “الطهر” و”العدل”، و”الصدق” و”الأمانة” في عُرفهم تهمة موجبة للحبس والقتل والطرد. قال تعالى على لسان قوم لوط بعد أن أفحمهم نبيّ الله وردّ شبههم: (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)(الأعراف:82). نعم، لقد كانت تلك هي التهمة بكل وضوح، وصدّقها القطيع بكل غباء.

“الملأ” يتوعّدون ويهدّدون

اقترن اسم “الملأ” في القرآن الكريم بعِلية القوم الذين يتصدرون مشهد تزييف الحقائق دائمًا، ويمارسون مهمة التعمية على الجماهير، ويحشدونهم في صفوف المواجهة، ويدفعون بهم صوب ديمقراطيتهم القديمة، لك الحرية أن تقول ما نريد وتفعل ما نشاء!
و”الملأ” -كما هو ظاهر- ليسوا من العامة الأغمار ولا شك، بل هم جماعة لهم قَدْرهم وسمعتهم ومكانتهم الرفيعة، ولذا يحترمهم قومهم، ويتّبعونهم، ويستجيبون لأمرهم.. وقد اختصر النص القرآني التعريف بهؤلاء “الملأ”، ومهمتهم، وبيان عاقبتهم، والحكم عليهم في آية واحدة، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)(الأنعام:123).

لا تتخاذل في طريقك، ولا تُخافت بدعوتك ما دمت على الحق تسير.. انثر جواهر الحق بالحكمة، واكشف زيف الباطل بالعلم، وابذل النصيحة بصدق..

وقد عُرف “الملأ” بالتصدّي لدعوة الأنبياء الكرام، والتسلط عليهم وعلى المؤمنين معهم؛ فتارة يمكرون بالصالحين ليسجنوهم أو يقتلوهم، قال تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) ويتصدّى الله سبحانه للرد: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)(الأنفال:30)، وتارة يخيرونهم بين العودة عن دينهم، أو النفي من أرضهم على قاعدة: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا)(إبراهيم:13). وتأمّل أسلوب التشكيك في الانتماء وسحب الهوية بقولهم (أَرْضِنَا) لا أرضكم، لتُدرك حجم الإقصاء والتخوين لأهل الأرض الحقيقيين! فماذا كان الرّد؟ (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)(إبراهيم:13-14).
ويكاد التهديد بالإقصاء وسحب الانتماء يتكرر في أساليب “الملأ” دائمًا، قال تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا*، فماذا كان الرّد؟ *وَإِذًا لاَ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ إِلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً)(الإسراء:76-77).
ولا يزعج الأفّاكين بعد فشل تهديدهم إلا ثبات المؤمنين، رغم الظلم والقهر والبطش والأذى.. ولا يغيظهم أكثر من روح الثبات والتحدي عند هؤلاء، وحرصهم المستميت على مواصلة الطريق، ورفضهم كل الإغراءات، وردّهم الإساءة بالإحسان رغم تظافر العدوان.. ولسان حالهم ومقالهم: (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ)(الأعراف:89).
وشتان بين السحاب الأبيض السائر، والبئر المظلم الغائر. فهذا الرد الكريم لا يزيد “الملأ” إلا تمردًا وغرورًا، وتهديدًا وبطشًا.. سنّة باقية تظهر في قول موسى عليه السلام ومن معه لفرعون: (وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)(الأعراف:126)؛ جواب كريم ومنطق سليم. لكن هل يُفهم منه شيء يوغر الصدر؟ وهل تُراه يهدد الأمن القومي، ويحمل في طياته إرهابًا بوجه من الوجوه؟ إن الجواب يظهر في الجواب: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ)(الأعراف:127). نعم، لقد كان كلام أولئك النفر من المؤمنين يحتمل ذلك كله في منطق “الملأ” الرامي لإسكات صوت الحق بأي وسيلة. ألا ما أبعد المشرق عن المغرب!

يجتمعون ويخططون

على الرغم من اختلاف “الملأ” الأفّاكين وتعدّد مشاربهم، إلا أنهم سريعًا ما يجتمعون حين يكون العدو نبيًّا، أو رسولاً، أو عالمًا مُصلحًا، أو دعوة قائمة، قد يختلفون في أحكامهم أول الأمر؛ فهذا يقول: ساحر، وذاك: كذاب، والآخر: كاهن.. لكنهم سريعًا ما يدركون بأن اختلاف كلمتهم يُضعف من حُجّتهم، ولذا يعملون بقول السحرة الأولين قبل أن يُبصروا الحق المبين: (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى)(طه:64)؛ فيجتمعون، وتزول خلافاتهم، ثم يصلون إلى كلمة إفك واحدة. هكذا كان، وهكذا يكون إلى قيام الساعة. عن ابن عباس رضي الله عنه قال: اجتمع إلى الوليد بن المغيرة نفر من قريش، وكان ذا شرف فيهم، وقد حضر الموسم -أي موسم الحج- وقدوم القبائل، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضُكم بعضًا، ويرُدَّ قولُكم بعضَه بعضًا، فقالوا: وأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيًا نقول به، قال: بل أنتم قولوا لأسمع، قالوا: نقول كاهن. قال: ما هو بكاهن، قالوا: فنقول مجنون، قال: ما هو بمجنون، قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، قالوا: فماذا نقول؟! قال: والله إن لقوله حلاوة، فما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا: هو ساحر. فتفَرّقوا عنه بذلك، فأنزل الله جلّ شأنه: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(الحجر:92-93).

ويعلو صوت إعلامهم

ليس في عُرف العامة أحد أصدق من هؤلاء “الملأ”، ولا أقدر على إيقاف أولئك “الأطهار” “الأمناء” “الصادقين”، وردعهم عن غيّهم، والتحذير من الوقوع في فخاخهم. ولذا سلّموا لهم مقاليد عقولهم بكل سهولة، واتبعوهم دون اعتراض. يؤكد ذلك تصريح الشيطان في الخصومة التي ستدور بينه وبين أتباعه وهم في طريقهم إلى النار، قال تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ)(إبراهيم:22)؛ هكذا اعتدلت الموازين عند “الشيطان”. إذن السحر، والكذب، والادعاء وَعْدَ الحق، واستحالة التهم والتصريحات الرّنانة، خُلفًا وخيانة!
إلا أن “الملأ” -رغم منعتهم وقوتهم- يشعرون بالضعف، وكلما أمعنوا في الظلم والبطش والقهر ازدادوا خوفًا. إنهم يدركون ذلك في قرارة أنفسهم، يدركون أنهم كذابون مراوغون، ويعلمون صدق ما جاء به الأنبياء والمرسلون. وكلما تربّعوا عرش القيادة بلا منازع، وتسنّموا صنع القرار بلا معارض، وأصبحوا في مواجهة مباشرة مع الحق؛ ازداد خوفهم ولم يقدروا على مواجهته بمفردهم، ولذا تراهم يحسبون لردود الأفعال حسابًا، ويستوثقوا من غفلة الجماهير وولائها في الوقت نفسه: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ)(غافر:26)؛ مشهد قرآني عجيب لرجل “عاجز” يقال له “فرعون”، يشعر بالخوف في قرارة نفسه، ويستأذن شعبه “القوي” في القضاء على موسى، ثم يُبرر لهم دافعه لذلك القرار. ولأنه يؤمن “بالديمقراطية” في هذا الظرف الحرج أكثر من أي ظرف آخر، فهو يستشيرهم لأنه “يخاف”.. لا من موسى بطبيعة الحال، بل عليهم؛ فهو -كما يعلمون- حريص عليهم، ويسعى للحفاظ على دينهم وأمنهم، واستقرارهم، وحاشاه أن يقطع أمرًا يسيرًا دون الرجوع إليهم، فكيف بقتل موسى؟!

ألا رجل رشيد؟!

وتبقى في الأرض مسكة عقل تردع عن الظلم والجهل ما وُجد بها رجل رشيد، وتظل مساحة التغيير مرهونة بوجود العقلاء، وأهل الرشد بمصطلح لوط الذي جاءه قومه (يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ)(هود:78).
و”الرجل الرشيد” ليس من العامة الأغمار ولا شك، بل له قَدْره وسمعته، وهو ذو مكانة دينية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية مرموقة، ولذا تحترمه الجماهير، تمامًا كما تحترم أولئك “الملأ”، ويعلو قدر الرجل الرشيد وتُسمع كلمته كلما اقترب من صنع القرار، ومهمّته لا تعدو دور الكاشف للمصطلحات الزائفة التي يُطلقها “الملأ” ومن سار في فلكهم، ويتحصّنون خلفها لتغييب الجماهير والتلاعب بهم، ويخطئ من يظن أن على الرجل الرشيد مهمة أسمى من هذه.

على مدار التاريخ لم تتوقف دعاوى المبطلين في اتهام الأنبياء والمرسلين ومن جاء بعدهم من العلماء المصلحين.. فالنبوة في شرعهم كذب وكهانة، والتوحيد ضلال وردّة، ووحي الله وهمٌ وشِعر، والصادق الأمين كذاب خائن وصاحب أغراض سياسية، وله “أجندات” خفيّة يجب الحذر منها.

لقد سمع الجميع تصريح فرعون بأنه “يخاف” على قومه من موسى، لكن لم يجرؤ على التعليق سوى رجل رشيد واحد ولَّى ظهره لفرعون وتوجه لقومه ناصحًا، قال: (وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)(غافر:32-33). فلما رآهم سادرين في غيِّهم، مغرورين بالصلاحيات التي كفلها لهم “القانون” وفوَّضهم فيه الشعب؛ لم يعدُ عن تنبيههم قائلاً: (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جَاءَنَا)(غافر:29).
والحق أن موقفًا كهذا -أمام موجة الطغيان الجارف- موقف بطولي يستحق الإعجاب، ولا يقدر عليه إلا “رجال الموقف”، بحكمة وحزم وثبات. نعم، بهذه الثلاث جميعًا؛ لأن اختلال واحدة منها يعني الضياع. وكم كان توقيت ظهور هذا “الرجل الرشيد” ومنطقه رائعًا وسديدًا في الوقت نفسه؛ فقد كان يكتم إيمانه من قبل ورأى المصلحة في ذلك، حتى سمع استفتاء فرعون للجماهير في هذه القضية الخطرة التي لا يسع السكوت عليها “قتل موسى”، عندها أظهر نفسه، وسريعًا ما ظهر الحق على لسانه، بمنطق حكيم لا يسع العاقل ردّه، قال: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)(غافر:28).

الإيواء إلى “الرّكن الشديد”

إذا فُقد “الرجل الرشيد” فلن يُفقد “الركن الشديد”، والفارق بينهما كبير فـ”الرجل الرشيد” الحازم إنما يُستعان به لضبط الموازين المغلوطة، وإعادة تعريف المصطلحات المسمومة، وإيقاظ العقول التي أصابتها سكرة الغفلة لكثرة ما ترى وتسمع من التزييف، أما “الركن الشديد”، فهو السند الناصر الذي يُعتصم به على الدوام، ويُتوكل عليه في كل وقت، ويُلجأ إليه في الرخاء والشدة.
وإذا غاب الرجل الرشيد عن ساحة المشهد -رغبة أو رهبة- فإن السند الناصر لا يغيب طرفة عين، بل هو حاضر في كل لحظة يسمع ويرى. قال صلى الله عليه وسلم بلسان المحبة والتقدير: “يرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد” (متفق عليه). نعم، ما أقرب الركن الشديد من نبي الله الصابر لوط عليه السلام في ذلك الموقف العصيب. فما هو إلا أن تنهّد أسفًا على قومه، وعجبًا من غفلتهم وسكرتهم، وسطوتهم عليه وعلى ضيفه، ثم قال وهو يعالج الباب في وجه اندفاعهم الهمجي: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)(هود:80)، حتى أذهلته المفاجأة وأدهشته القُدرة.. إذ لم يكن ضيفه الذين يدافع الباب عنهم سوى ثلاثة من أشد الملائكة بأسًا وقدرًا: (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُود ٍ* مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ)(هود:81-83). فما أعظمه من ركن شديد لمن استجار به، وحصن منيع لمن لجأ إليه.
ومن قبل وقف نبي الله نوح عليه السلام الموقف ذاته مع رعاع آخرين، انطمست عقولهم، وغارت حميّتهم، وانتكست فِطرهم، حتى لم يعُد يخرج من أصلابهم إلا أمثالهم. وبعد حكمة امتدت ألف سنة إلا خمسين عامًا، وصبرٍ، ودعوة، ولين خطاب، دار هذا الحوار الأخير: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(هود:32-34)، لكنَّ المستعلين الحمقى يغيظهم هذا المنطق الإيماني جدًّا، لذا أصدروا في وجهه التحذير الأخير: (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ * قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)(الشعراء:116-118).
لحظة ضعف وافتقار امتدت على إثرها الأيدي الكريمة الطاهرة إلى العزيز القهار: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِر)(القمر:10)، صوت عبد مقهور يتهدّج في طبقات السماء، تطوّقه وتشوّش عليه أصوات قهقهة نشاز واستهزاء.. لم يتأخر معها الردّ طويلاً، بل جاء حاسمًا ومهولاً: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)(القمر:11-15).
فيا لها من قدرة! ويا له من جواب! تفجّرت له في لحظة من لحظات الغضب ينابيع الأرض، وتقاطرت عيون السماء لتطفو معها جثث الأفاكين في أقل من نصف ساعة، ولتجري بعين الله تعالى ألواح الخشب المتواضعة، المسنودة بالمسامير القليلة، حاملة نوحًا ومن معه في موج كالجبال، ويتواصل الفيض انهمارًا لتغرق معظم الكرة الأرضية في الطوفان الجارف الذي غطّى قُلل الجبال؛ غضبًا على هؤلاء المسخ من أشباه الرجال.

فلا تَحزنْ

كلمة حانية تحمل في طياتها الأنس بمعيّة الله تعالى، وتبصّر بزيف الظلم وعاقبة أهله، ويزول بها الكرب كلما عظُم، ويأتي الفرج بعدما ضاقت الحيل وتقطعت السُبل لشدة المكر: (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)(النمل:70). إن حُزنه “عليهم” لا منهم، ولا من قولهم وكيدهم.. وهذا دفق شفقة فياض، ومنبع رحمة غامرة لا يُدركها إلا الصادق في دعوته، المحب لقومه وإن ناصبوه العداء.
لا تحزن.. يسمعها النبي الكريم، ويلمس بردها العبد الصابر، وهو يرى فجور الخصم، وصمت القريب، وقلّة الناصر، ويتواصى بها الصفوة في لحظات الحرج.. حتى وهم محصورون في مساحة ضيقة من الأرض، يطوّقهم فيها الأفّاكون الحاقدون بأسلحتهم وحقدهم الدفين: (إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(التوبة:40).

واصْبِرْ

كلمة حانية أخرى أكثر تفاؤلاً، بما تحمل في طياتها من البشارة بالتمكين والفرج: (وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(الأعراف:128). وإذا اقترن زوال الحزن مع تحقق الصبر؛ عظُم الرجاء، وخفّ المُصاب، واقترب الفرج جدًّا: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)(النحل:127).
اِصبرْ فـ(لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ)، الدين دين الله، والأمر أمر الله، والخلق عبيد الله.. وكما لم تكن يومًا كما يقولون، فلست مسؤولاً عما يفترون، إن مرجعهم ليس إليك، وحسابهم ليس عليك، فلا تكن يومًا مثلهم، ولا تنزل من عليائك إلى دمنتهم.. قد يؤذيك بهتانهم، وتجرحك افتراءاتهم.. لكنها لا تهتك سترك بل أستارهم، فلا تُنعمهم بكلمة نابية وإن كالوا لك الكلمات، ولا تُفرحهم بمذمة وإن أغرقوك بالمذمات.
وكيف لا تصبر.. وصبرك لله، وبالله، ومع الله، وأجرك على الله.. (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)(الأنفال:46). الله يعلم حُزنك وما خفي من أمرك، ويبصر خلجات وجهك، واضطراب فؤادك حين تسمع تلفيقهم، وبهتانهم، والتهم الباطلة التي يكيلونها في حقّك وحق دعوتك. إنه يعلم سرك وسرهم؛ فهم لا يكذبونك بل يحسدونك، يعلمون صدقك ونقاء سريرتك كما يعلمون كذبهم وزيف باطلهم.. فاصبر على ما يقولون، وكن خيرًا مما يظنون.. وكيف لا تصبر وقد تعرّض قبلك للأذى أنبياء الله ورسله فصبروا؟! وكما كانت العاقبة لهم فستكون لك ما بقيت في إثرهم، واحذر مع الصبر أن تتكلف لهم المعاذير لإعراضهم عنك.. وإياك أن تظن بهم الجهل فتطلب من الآيات ما تظن به بلوغ الحجة لهم، وإقامتها عليهم؛ فهم أموات لا يسمعون، وعُمي لا يُبصرون: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)(الأنعام:33-35).

واصْدَعْ

لا تتخاذل في طريقك، ولا تُخافت بدعوتك ما دمت على الحق تسير.. انثر جواهر الحق بالحكمة، واكشف زيف الباطل بالعلم، وابذل النصيحة بصدق.. فإن جاءك غاشّ في ثوب ناصح، أو مفتون في ثوب واعظ (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)(الحجر:94). وهكذا فليكن مسيرك صدعًا وإعراضًا.. صدعًا بالحق، وإعراضًا عن الباطل.. صدع بالعدل وإعراض عن الظلم.. صدع بالفضائل وإعراض عن الرذائل.

وكُنْ من الساجدين

إذا وجدت شقاءك ونصبك في مضمار الحياة فالجأ إلى محراب الصلاة، وكلما ازداد الطريد في غيّه فازدد أنت في رُشدك، وإن استطال غروره فأمَرك ونهاك بخلاف ما أراد ربك؛ فلا تُطعه (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)(العلق:19). هذه وصية الله لنبيك صلى الله عليه وسلم، وهي وصيته إليك ما دمت على نهجه تسير وهديه تترسّم: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ*وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)(الحجر:97-99).
إذا ضاق الصدر فبادر إلى الصلاة، وإذا تبدلت النفوس وتغيرت المفاهيم فلا أحلى من السجود. لن تجد لك مؤنسًا أرحم بك من الله، فاقطع الرجاء فيمن سواه، فهو أعلم بك وأرحم، وتذكر وصيته الأخرى كلما ضاقت بك الأمور: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا * وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)(الإسراء:78-81). نعم، هذا شأن الباطل إذا ظهر الحق زهوق لا بقاء له. فلا تُشغِل نفسك بأمره إذا انتفش، ولا يُقلقك ردّه إذا انتشر.. فبزوغه عنوان أفوله، وصعوده دليل نزوله.

إذا غاب الرجل الرشيد عن ساحة المشهد -رغبة أو رهبة- فإن السند الناصر لا يغيب طرفة عين، بل هو حاضر في كل لحظة يسمع ويرى.

فارْتقِبْهُم واصْطَبِر

لا عبرة بالحُكم على الحقائق في دار لا يأبه أهلها بالقسط، ولا يتكلف العاقل إنصافًا بأرض لا تُقام فيها الموازين. فكم فاضح في ثوب ناصح، وكاذب في ثوب صادق، وخائن يتبختر زهوًا، وأمين يتوارى سرًّا: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ)(المطففين:29-32).
سُنة ماضية تقول: “إن العبد الضعيف لا يملك تصريف قلبه، فكيف بقلوب غيره؟” (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)(البقرة:272)، (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(القصص:56). وسنة باقية لا تقلّ عنها ثباتًا ومُضيًّا. لا تعجل، فميزان الله تعالى في المعاملة ليس كميزانك: (فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا)(مريم:84). إنه يُملي للظالم ويُغدق عليه: (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)(الأنعام:110). إن الظالم كلما نسي ازداد عتوًّا، وتفتحت أمامه الأبواب، وتعالت أصوات الجماهير بالتصفيق: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)(الأنعام:44).
ذلكم هو الاستدراج -عياذًا بالله- إغواء يعقبه إملاء، يفقد معها المجرم صوابه، ويُخطئ حسابه: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)(آل عمران:178).

إن إلَيْنا إيابَهُم

في غمرة الذهول ينسى المحزون، ومع شدة الكرب تطيش العقول، وفي طيّات الألم لن تجد مؤنسًا في غير التسليم والرضى.. ربك ربك، لا ملجأ إلا إليه، ولا مُعتمد إلا عليه، منه المبتدأ: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى)(النجم:42). فاعرف قدرك في لزوم أمره، ولا تصرف همّتك في غير رضاه. إذا وجدته فماذا فقدت؟! وإذا فقدته فماذا وجدت؟! (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(القصص:88). إن ذهب كل عَرَض، وزال كل سبب، ولا يزال قلبُك قلبَك فلماذا الأسف؟! ما هي إلا أيام وتلبّي النداء كما يلبيه غيرك: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ)(الأنعام:62).
هنالك ستُنصب موازين الحق التي لا تُحابي، وسيقف الظالم ظالمًا، والمظلوم مظلومًا.. هنالك ستتجلى الحقائق في دار القسط، سيتجرد الفاضح من ثوب زيفه، والكذاب عن رداء حيفه.. ستُبصر الخائنَ خائنًا، والأمينَ أمينًا.. كلّ شيء سيوضع في ميزانه، كل صغيرة وكبيرة على حقيقتها.. ما عملت لله وما عملت لسواه.. ما شيّدت لأجله، وما شيّدت لغيره.. ولن تُخطئ المنظر العجيب في ذلك اليوم الرهيب: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)(غافر:16-17). سوف يستقيم الميزان تمامًا في ذلك اليوم: (الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)(المطففين:34-36)، قُضي الأمر، وقُطع (دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(الأنعام:45). (كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا)، (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ)، (إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ)، (لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر)، (وَلَسَوْفَ يَرضَى).. حقائق تعلمها في هذه الدار يقينًا، وسوف تبصرها هناك يقينًا.
ويصل المشهد ذروته مع القطيع الذي فقد عقله، وفقد دينه.. يتبادلون النظرات، ويتلفتون يمينًا وشمالاً، ثم يتساءلون باستغراب: (وَقَالُوا مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَار * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ)(ص:62-63). يا لها من غفلة تورث حسرة. لقد كانوا يعتقدون -لكثرة ما يسمعون- بأن هؤلاء الأغمار على شقاوة وضلالة.. فلما دخلوا النار افتقدوهم، ولم يجدوهم.. ولسابق الغفلة يتساءلون: ما لنا لا نرى أولئك “الأشرار” معنا في النار؟ أم لعلهم في جهنم، ولكن لم يقع بصرنا عليهم؟! وما هو إلا قليل حتى تزول الغفلة وتدوم الحسرة، ويسمعون صوت أولئك ينادونهم من الدرجات العاليات: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)(الأعراف:44).
هنالك تنجلي الغفلة، وهنالك تزيد الحسرة، وتستبين الحقيقة، ويعلمون: (مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِر).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) المشرف العام لمركز رؤية الثقافي بـ”مكة المكرمة”/ المملكة العربية السعودية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.