إن إنسان كل عصر يفسر الكون والحياة في ضوء ما هو متراكم من المعلومات في عصره وما ورثه ممن سبقوه. وبالنسبة لمفهوم العلم في القرن الواحد والعشرين فإن النظرة العلمية ستكون على أساس العلاقات المتداخلة والمتقابلة بين الإنسان والكون بحيث يشكلان شبكة من المنظومات.
إن المعلومات التي من شأنها أن تمكننا من إقامة رؤية متكاملة متناغمة بين الإنسان والكون والحياة في ضوء رسالة القرآن والوحي السماوي وتعيننا على استحضار الصورة الكلية التي تجمع بين هذه الحقائق الثلاث… تلك المعلومات موجودة ومتوفرة بصورة متفرقة. والأمر الوحيد الذي نحتاج إليه هو أن نتعلم كيفية التفكير الشمولي المنهجي ونركز عزمنا وإرادتنا وجهودنا باتجاه تحقيق تركيب متمكامل من هذا النوع. وإذا حاولنا أن نفهم ثلاثية الإنسان والكون والحياة من المنظور القرآني فسنرى أنه يحتوي على بذور هذه الحقائق الثلاث بشكل شمولي، وسنلاحظ أن هذه الثلاثية قد رسمت مفصلة بقلم القدرة الإلهية على صفحات كتاب الكون.

أنماط الماهية الإنسانية

وعندما نحلل الماهية الإنسانية من منظور التفكير المنهجي نلاحظ أن كل إنسان ينطوي في ماهيته -على الأقل- على أربعة أنماط من الإنسان:
الإنسان المادي (البيولوجي)، والإنسان العاطفي (النفسي)، والإنسان الفكري (المثقف)، والإنسان الروحي. فهذه الأنماط الثلاثة من الأنا تشكل شخصية الإنسان.
وتبرز هذه الأشكال من الأنا وتتطور في كيان الإنسان تدريجيا وعلى مراحل؛ فقبل كل شيء يتمتع الإنسان بروح ذي حياة وشعور خلقه الباري لينمو به الجسم ويصير إنسانا. وعندما يُنفخ الروح في الجسم الحيواني يتشكل البدن في الرحم، ويتجهز بالشكل الذي يناسب الروح. وتنمو الماهية الإنسانية لكل طفل والطبقات التحتانية من “أنا”ه بأنماطه الثلاثة مطابقة وملائمة لاستعدادته الروحية وموروثاته الجينية.
إن الجنين ينمو ويتطور من طبقاتِ “أكتودرم” و”أندودرم” و”مذودرم” من مراحل الخلية ليأخذ طريقه إلى أن يصبح طفلا إنسانيا بالاعتماد على تلك المقومات التي سبق وأن ذكرناها آنفا ولاسيما الروح منها.

مراحل النمو الجسمي والعاطفي للإنسان

فالطفل الذي ينمو من الناحية البيولوجية والجسمانية، من السن الواحدة إلى السابعة يدرك ويتعرف على ما حوله من خلال حواسه الخمس. وفيما بين السن 7-11 يتنبه إلى أحاسيسه العاطفية، ويبدأ بتفسير ما حوله من إطار عاطفي، ويدرك العلاقات المبنية على هذا الأساس، وبذلك تترسخ الأسس النفسية الإنسانية فيه.
وفي كلتا المرحلين السابقتين يترسخ لدى الطفل ويغلب عليه الشعور بالانتماء والإحساس بالحاجة إلى الآخرين. وفيما بين السن 11-16 يغلب على الطفل (المراهق) الشعور بالاستقلالية والرغبةُ في الإفصاح عن هذا الشعور، ويبدأ بالبحث عن هوية للتعبير بها عن نفسه. وفترة مابين 16-23 هي المرحلة التي ينمو ويتطور فيها التفكير العقلي والمنطقي المجرد، وتبرز فيها القوى والاستعدادات الذهنية لتضرب بثقلها وتعبر عن وجودها. وبهذا يتكامل النمو الجسمي والعاطفي والذهني للإنسان، وتتأسس شخصيته على هذه الدعائم الثلاث.
وتختلف مدة وفترات الانتقال فيما بين هذه المراحل حسب الظروف التعليمية والثقافية والميول التي يتمتع بها الإنسان منذ الولادة. ويمكن رصد انعكاسات المراحل الأولى من نمو شخصية الإنسان من الناحية البيولوجية والنفسية والذهنية، حيث تتطور هذه المراحل وتترسخ بشكل متناغم فيما بينها.

النقوش الثلاثية في عالمي الكون-الإنسان

على الرغم من أن كل إنسان عالَم بذاته فهو يمثل مجموعات من الإنسان كأنها نقوش متناسبة فيما بينها؛ فبينما تُشكِّل الروحُ الإنسانية ماهيةَ الإنسان أو “أنا”ه (ذاته) تنشئ أنظمةَ وظائفِ التفكير والإحساس والعمل (الإنجاز)، حيث إن هذه الوظائف الثلاث من الوظائف الأساسية التي تشكل ذات الإنسان.
وهناك ثلاثة مراكز أساسية تبرز وظائف الروح وتظهرها، نسميها العقل، والنفس، والقلب؛ فيرتبط العقل بمركز الذهن، والقلبُ بالحس (العاطفة)، والنفسُ بالجسم. وينقسم ذكاء الإنسان أيضا إلى ثلاثة أقسام: العقلي (الذكاء الرياضي المجرد)، والقلبي (العاطفي)، والبدني (النفسي).
ويتحدث الأستاذ بديع الزمان في كتابه “إشارات الإعجاز” لدى تفسيره لـمصطلح “الصراط المستقيم” الوارد في سورة الفاتحة فيقول: إن الله عز وجل لما أسكن الروحَ في البدن المتحوِّل، المحتاج، المعروض للمهالك، أودعَ لإدامتها فيه قوىً ثلاثاً.
إحداها، القوةُ الشهوية الجاذبة للمنافع. وثانيتها، القوةُ الغضبية الدافعة للمضرّات. وثالثتها، القوةُ العقلية المميِّزة بين النفع والضر. وهناك مراتبُ ثلاث: التفريط، والإفراط، والوسط وهي العدل الذي هو الصراط المستقيم.
وتشكل القوة الشهوية والغضبية والعقلية في علم النفس الحديث الألوانَ الأساسية الثلاثة للذات الإنسانية (الأنا)؛ فالقوة العقلية مظهر للاستعداد الذهني، والقوة الشهوية مظهر للاستعداد العاطفي والقوة الغضبية مظهر للاستعداد الجسمي والقوة الجسدية.
ويذكر الأستاذ علي أونال في كتابه “المصطلحات الأساسية في القرآن” أن الروح حينما يُشكِّل الإنسانَ ينقسم إلى ثلاثة استعدادات ثانوية: المركز الحسي (العاطفي) الذي هو منبع اللذة والألم والحب والبغض، والمركز الذهني الذي هو منبع التفكير والإدراك والتصور، والمركز الجسمي الذي هو منبع للتوجه لتنفيذ الأعمال وتحقيقها بالفعل.

وحدات الروح والنفس والدماغ

وكما ذكرنا، إن الروح يتشكل من وحدات أساسية هي: النفس والعقل والقلب. فالنفس بمثابة محطة (سنترال) توفر للإنسان البيولوجي (الجسم) مواصلةَ بقائه ووجوده، وتوجَد في النفس أحاسيس تتكون من استعدادات ذهنية وعاطفية وجسمية.
وتنقسم نفس الإنسان إلى ثلاثة أنواع: النفس النباتية (وهي قوى الهضم والتنفس والإفراغ والدوران)، والنفس الحيوانية (وهي النظام العصبي ونظام الحركة بالإضافة إلى النفس النباتية)، والنفس الإنسانية (بالإضافة إلى النفس الحيوانية). وما يستعمله الصوفية من مصطلحات “العقل السليم” (الحكمة)، و”القلب السليم” (العفة)، و”الذوق السليم” (الشجاعة) هي تعبير عن توافر هذه الأنواع الثلاثة من الاستعدادت.
ويوجد في دماغ الإنسان أيضا ثلاث وحدات ثانوية. وهذه الوحدات مناطق مادية لابد من وجودها وتوافرها في جسم الإنسان لتعكس الروح إلى عالم الأسباب على مستوى الشرط العادي. ولتقريب هذه الظاهرة إلى الأفهام إلى حد ما حاول العلماء إيضاحها بنظرية المخ الثلاثي المناطق على ما وصل إليه علم الطب الحديث. وهذه المناطق هي:
أ-الدماغ الأمامي: وهي المنطقة التي تنكشف فيها الملكات العقلية والاستعدادات الذهنية.
بـ-الجهاز اللمبي (الدماغ المتوسط): وهو المنطقة التي تتم فيها معالجة العواطف وتظهر فيها الاستعدادات العاطفية.
جـ-الدماغ الخلفي: وهي المنطقة التي تتشكل وتظهر فيها الاستعدادات الجسمية.
وتلاحَظ الفروق بين هذه الأقسام الثلاثة من حيث الكيمياء العصبية أيضا. ويلاحظ أن الإنسان في طريق الحياة يمر بمراحل لها طابعها الخاص كالمرحلة الجنينية فالصبا فالمراهقة… إلخ. وهناك ثلاث مراحل انتقالية وأساسية وخطيرة لها تأثير على نمو الإنسان وعلى صحته بشكل عام. فالأولى هي مرحلة الانتقال من الطفولة إلى المراهقة (الشعور بالذات)، والثانية: هي مرحلة الانتقال من المراهقة إلى النضج (وطابع هذه المرحلة أن يكون الشخص صاحب أسرة ومهنة)، والثالثة: مرحلة الانتقال من النضج إلى مرحلة الكهولة حيث تُولّي حيويةُ الشباب والصحة شيئا فشيئا (أزمة العمر الخمسين). وتنطوي كل هذه المراحل على إيجابيات وسلبيات تخصها، ولذلك من الأهمية بمكان أن يتعرف الإنسان على خصائصها، ويكون على استعداد لها من الناحية النفسية والذهنية والروحية.
ويمكن رصد هذه الاستعدادت الثلاث في نمو الإنسان بشكل صحي؛ فنموه من الناحية البيولوجية (الاستعداد البدني)، وتأسيسه علاقات بمن حوله (الاستعداد العاطفي)، وتعلمه (الاستعداد الذهني) من المجالات الأساسية في تربيته. ولابد من تنمية هذه الاستعدادت الثلاثة فيه بشكل متوازن حتى يواصل حياته على محور الرضا الإلهي.
ويختلف الناس فيما بينهم حسب ما يتمتعون به من المحفزات الداخلية (التي هي البحث عن القوة، والبحث عن تقدير الآخرين، والبحث عن الإلهام) والتي تأخذ شكلها على حسب النقوش الثلاثة التي تنبع من أعماق كيانهم. فالإنسان مفطور بحيث يستطيع أن يحقق هذه المحفزات في عالمه الجسماني وفي علاقاته مع الآخرين وفي عالمه الفكري.

ثلاثية المدرسة والتكية والثكنة

ويعتمد نمو ورثة الأرض ويرتكز أساسا على هذه الدعائم الثلاث التي هي ثلاثية المدرسة والتكية والثكنة؛ فبينما تنمو وتترعرع الاستعدادات الذهنية في المدرسة، تتطور الاستعدادات العاطفية في التكية، وتتربّى القابليات الجسمية وتنضبط في الثكنة. فهذه المؤسسات الاجتماعية الثلاث تنمو فيها الاستعدادت الإنسانية بشكل متوازن ونافع. وإذا اجتمعت هذه المؤسسات التي هي رأسمال المجتمع، ونُسّق فيما بينها، فسيتحقق عند ذلك العديدُ من المشروعات الناجحة.
ولابد للتنمية الصحية من توفر ثلاثة أنواع من الرأسمال:
أ-الرأسمال الفكري (المعرفة) النابع من الاستعدادات والطاقات الذهنية.
بـ-الرأسمال الاجتماعي (العلاقات البشرية والإنسانية) النابع من الاستعدادت العاطفية.
جـ-الرأسمال المادي (العملة والعقارات والبنى التحتية والمعدات) النابع من الاستعدادات والموارد المادية.
ويوجد في المجتمع أشخاص تتناسب وتتطابق استعدادتهم مع نمط من هذه الأنماط من الرأسمال؛ فالذين يُثْرون الرأسمال الفكري هم الذين يغلب على فطرتهم الجانب الذهني، في حين أن الذين يزيدون في الرأسمال الاجتماعي هم العاطفيون (بالمعنى الذي ذكرنا آنفا)، والذين يُمدون الرأسمال المادي هم الذين ترجحت استعداداتهم المادية.
ومن هذا المنظور فإنه من الأهمية بمكان -لدى تقسيم الوظائف- أن تؤخذ بعين الاعتبار المواهبُ والقابليات الفطرية لمن تُوسَّد إليه الأمور، فإن الذين يُستخدَمون في حقول لا تناسب مواهبهم قد ينجحون على مستوى المتدربين أو المحترفين، ولكن يستحيل ترقيهم إلى مستوى الصناع المهرة (الفنانين)، وبتعبير آخر. إن هؤلاء قد يحرزون النجاح في الجملة، ولكنهم لن يحققوا النجاح الباهر. وبالمقابل فالذين يوظفون في أعمال تناسب مواهبهم سيجدون الفرصة ليكونوا صناعا مهرة بارعين. فإذا كنا نطمح إلى تنشئة أفراد ذوي كفاءة عالية، فعلينا أن نستخدمهم في أعمال تناسب استعداداتهم ومواهبهم. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا” ذو مغزى عميق، ويدل على حقيقة عظيمة.
مراتب العلم
والعلم على ثلاث مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. وكذلك الإنسان له ثلاث أعين: عين البدن (البصر) وعين العقل (الفكر) وعين القلب (البصيرة).
هذا، وقد أثبت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن الحياة في بُعد إنساني إنما تكون ممكنة إذا كانت مرتكزة ومبنية على نقوش ثلاثية قوامها الصدق والخير والجمال بشكل متوازن. وهناك في المقابل ثلاثية الخطأ والشر والقبح. وفي عالمنا الذي نعيشه تنقسم الحقائق أيضا في البداية إلى ثلاثة أقسام: الذهنية، والعاطفية، والمادية.
ولكل ما يجري من الأحداث ثلاثة أبعاد: معرفي، وعاطفي، ومادي. والناس حينما يتلقون الأحداث ويوجهون إليها انتباههم، يركزون عليها ويوجهون إليها طاقاتهم من أحد هذه الأبعاد الثلاثة في الأغلب من حيث لايشعرون. فالناس في تلقيهم للأحداث وتوجيه طاقاتهم وانتباههم نحوها على ثلاثة أنواع: فمنهم من ينظر إليها من منظور ذهني (فكري)، ومنهم من ينظر إليها من زاوية عاطفية، ومنهم من ينظر إليها من وجهة نظر مادية.
فعلى سبيل المثال إذا طلبنا تقييما ممن حضروا حفلا، فسنرى أن قسما منهم سيبدأ -من حيث لا يشعر- بإبداء رأيه حول الحفل من حيث لذة الأطعمة المقدَّمة وروعة التنظيم، وقسم آخر منهم سيدلون بدلوهم حول سعادة الحضور وبهجة محياهم وانتهازهم فرصة الالتقاء بالأحباب والأصدقاء، في حين أن بعضا منهم سيتحدث بطريق مباشر عما تطرق له الحاضرون من المواضيع وما إذا كانت هذه المواضيع جديدة أو عميقة، ويقيّمها من هذه الناحية… وبالتالي فالذي ينظم حفلا من هذا النوع إن كان إنسانا تغلب عليه النواحي الذهنية سيهتم -من حيث لايشعر- بالدرجة الأولى بالمواضيع التي ستطرح في الاجتماع على بساط البحث وبمدى عمقها الفكري… بينما إن كان المنظم تغلب عليه النوازع العاطفية، فسيدعو للحفل الأشخاص الذين يعرف بعضهم البعض ويتحابّون ويسهل فيما بينهم تبادل العواطف وإحياء الذكريات السابقة، ويهيئ نظام الجلوس على الموائد على أساس القرابة أو المحبة ويأخذها بعين الاعتبار… والذي تغلب عليه الجوانب المادية سيهتم بتنوع ما يقدَّم من المأكولات والمشروبات وعلى نوعيتها وعلى نظام البرنامج.
والأستاذ بديع الزمان رحمه الله لدى تناوله موضوع البحث عن الحقيقة وتنوع الطرق الموصلة إليها واختلاف الناس فيما بينهم يمثل وضع المدعوين ويضرب المثل لهم بوضع “الزهرة” والقطرة” و”الرشحة” تجاه الشمس والقمر، ويؤسس نظريته على هذه المنظومة الثلاثية. ويؤكد رحمه الله أن “الناس يسلكون نحو الحق والحقيقة إما عن طريق [تزكية] النفس أو العقل أو القلب، وأن الإنسان على الرغم من أن له استعداداً لبلوغ الكمالات كلِّها ونيلِ أنوار الأسماء الحسنى جميعِها فإنه يتحرى الحقيقةَ من خلال ألوفِ الحُجب والبرازخ، إذ اقتدارُه جزئي، واختيارُه جزئي، واستعداداته مختلفة ورغباته متفاوتة”.
غاية ما في الباب أن كل ما ذكرنا دليل باهر على أن الناس خلقوا على سجايا وطبائع مختلفة، وكل شخص منهم يشق طريقه في البحث عن الحق والحقيقة بالتأسيس على ما يتمتع به من نقوش أناه وذاتيته، وهذا مصداق قول الله سبحانه وتعالى في كلامه الأزلي: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً﴾(الإسراء:84).
______________
* الترجمة عن التركية: أجير جمال الدين أشيوق.

About The Author

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.