احرصوا على العمق في العبودية.. أَولوا الإخلاص عناية خاصة.. الإخلاص يمنح العمقَ قيمتَه الحقيقية. ذرة من عمل خالص تَفضُل أطنانًا من عمل بلا إخلاص. تحرّوا مرضاة الله في أعمالكم. إن رضي هو وغضب العالمُ كله فلا يهمّ، إن قَبِل هو ورفض العالمُ كله فلا ضير. إن رضي الله عنكم وقبل بكم واقتضت حكمته ذلك، يوجّه قلوب الناس إليكم بالقبول حتى وإن لم تطلبوا ذلك. لتكن غايتنا الأساس في هذه الخدمة المباركة تحقيق مرضاته سبحانه لا غير.. الأمر مكفول بعناية الله.. فعلينا بالجدّ والإتقان، وعلينا بالإخلاص والتجرد.

لو منحوني وسام “فاتح العالم”

لا تستحق الدنيا البقاء فيها إن لم نعلّق حياتنا فيها بغاية سامية. هذه قناعة القطمير (يقصد نفسه). أجل، إن لم أعرّف العالم بمَلِك الملوك سبحانه وأبذل قصارى جهدي في ذلك، إن لم أغرس محبة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في القلوب، إن لم أعمل على هداية الناس إلى الله، إن لم أكن هائمًا بغاية سامية كهذه -أرجو أن تعذروني سأقول شيئًا أقوله لنفسي دائمًا- فسأعدّ نفسي حمارًا حتى لو منحوني وسام “فاتح العالم”. الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يأمرنا -فداه روحي- بأن “حببوا الله إلى عباده يحببكم الله”. اغرسوا محبته في القلوب يحببكم الله.. هناك مقابلة خاصة.. تَوجّه إلى الله بقطرة يقابلك ببحر، تقدم نحوه بذرّة يقابلك بشمس، تقدم إليه بعالم فانٍ يمنحك عالمًا خالدًا.

إزالة الموانع بين العباد ورب العباد

هناك مفهوم يعبر عن فلسفتنا في “دعوة الخدمة” نكرره دائمًا: “العيش من أجل الآخرين”. أجل، أن تقول إنما أعيش من أجل أن يعيش الناس، إنما أعيش من أجل أن يتواصل الناس مع الله، أن تتصل قلوب العباد بالله، أن تزول الموانع بين العباد ورب العباد، ثم ليحدثْ لي بعد ذلك ما يحدث، لا أبالي؛ يأتي الظالم يركلني لا ضير، يصادر ممتلكاتي لا بأس، يأتي آخرون يعلنونني إرهابيا، يفتري سفيههم بأننا فرقة ضالة.. دعوهم يقولون ما يشاؤون. كل يعمل على شاكلته، كل يعبر عن سجيته. لا تكترثوا، لا تبالوا، أغمضوا أعينكم عنهم، (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)(الفرقان:72). عباد الله الخُلّص عندما تتحرش بهم عبارات تافهة أو تصرفات سمجة يمرون من عندها بوقار. إذا سمعتَ كلاما تافها من هؤلاء الجاهلين قل لهم “سلاما” وواصل في سيرك كما تُعلِّمنا سورة الفرقان.

صادروا ممتلكاته فقال

سمعت مرارًا من غير واحد من الإخوة في حركة الخدمة؛ ممن كانوا أبطالاً في البذل والعطاء والإنفاق وصادرت الحكومة التركية ممتلكاتهم ظلمًا في الآونة الأخيرة، يقول: “أنا بدأت عملي أجيرًا بسيطًا، ثم جئت إلى إسطنبول، اشتريت أرضًا بمكسبي المتواضع، الأرض جاءت بأرض أخرى، الأرض أنجبت مبنى، المبنى أنجب مبنى آخر، ومن ريعه أنشئت مبان أخرى، ومنها أنشئت فيلل، ومنها أنشئت مساجد عملاقة، كذلك الذي أنشئ في جنوب أفريقيا.. كان الله هو المعطي يومها، وهو اليوم يأخذها”، يحكي ذلك مبتسمًا. يقول “قلبي مطمئن، الله أعطى والله أخذ”. ولا يكتفي بهذا، بل يبرر الأخذ فيقول: “لعل شيئًا من حظ النفس خالط هذا الكسب، لعل الحساب عليه سيكون شاقًا في الدار الأخرى، فأخذه الله هنا ليعفيني من الحساب هناك”.. هذا تفكير أبطال الإنفاق عندكم.

في اللحظات الأولى من الصدمة ينبغي الاعتصام بالصبر.. فخر الإنسانية صلى الله عليه وسلم يقول: “إنما الصبر عند الصدمة الأولى” (رواه البخاري). عندما يطعنونك بالإبرة صُرّ على أسنانك ولا تقل “أف”.. سنستمر على هذا النحو، سنصبر عند الصدمة الأولى وبعدها ولا نشكو. رأينا شدة الدهر، على الله توكلنا.

ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. حسبنا الله ونعم الوكيل. نعم المولى ونعم النصير.. هذه أنفاسنا التي نرددها.. حسبنا الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. وبهذه الكلمات سنختم حياتنا.

 

(*) الترجمة عن التركية: نوزاد صواش. هذه النصوص مترجمة من دروس الأستاذ الخاصة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.