لا شك أن كل دولة تتمتع بمقومات أساسية، هي الشعب والرئاسة والأجهزة الإدارية والحدود. ولا تستقيم الدولة إلا إذا قام أفرادها -رئيسًا ومرؤوسين- بواجباتهم. كما أن للدولة أجهزة للدفاع، وأجهزة للصيانة، وأجهزة للنقل والمواصلات، وفِرَق للإنقاذ والإصلاح، ومولدات كهربية، ثم جهاز رئاسي يتلقى الأخبار فيصدر التعليمات. وما رأيك أيها الإنسان إن قلتُ لك إن مقومات الدولة هذه موجودة فيك، وإن جسمك دولة مستقلة بذاتها؟

فمركز رئاستك، يتمثل في المخ والمخيخ والنخاع الشوكي. أما الوزارات والهيئات، فتتمثل في أجهزة الهضم التي تحوِّل الطعام إلى سائل سهْل الامتصاص ليتحول إلى طاقة تمد أجهزة الجسم وخلاياه بما يلزمها.

أما المواصلات السلكية والكهربائية، فتتمثل في الجهاز العصبي؛ حيث يصل المخ بجميع الأجهزة والأفراد التي هي الخلايا، ليُصدر الأوامر والتعليمات. والمواصلات أيضًا، تتمثل في جهاز النقل الذي يوزِّع الغذاء والتموين إلى جميع الأجهزة والخلايا، وذلك من خلال الدم.

تترجم عدسةُ العين و”إنسان العين” الأشعة الضوئية في العصب البصري إلى صورة يستطيع الجسم من خلالها أن يستطلع جيران الجسم من جماد أو حيوان

وأما هيئة النظافة فيمثلها الجهاز البولي، حيث يقوم بتطهير الجسم من المخلفات. أما السمع والبصر واللمس والشم، فتمثل أجهزة الاستطلاع والاستخبار. كما يمثل الجلد، الحدودَ الرسمية لدولة جسمك. وإليك إلمامة بسيطة بوظيفة بعضها.

مركز الرئاسة

يتمثل في المخ والمخيخ والنخاع الشوكي، وهو يتلقى أخبار مرؤوسيه فور حدوثها، فيصدر الأوامر والتعليمات لمواجهة الأحداث، فتتحرك الأجهزة المختصة لتنفيذ الأوامر كلٌّ فيما يخصه.. وتتحصن الرئاسة داخل جمجمة قوية صلبة. ويرتبط مركز الرئاسة بجميع أجهزة الجسم من خلال خيوط دقيقة تنتشر في الجسم على شكل خطين متقابلين، أحدهما يحمل الإشارة إلى المخ والآخر يحملها من المخ -المنسّق عمل الأجهزة- ويديرها، وذلك بواسطة الخيوط التي تسمى الأعصاب.

وتتمثل رعية دولتك، في خلاياك التي يبلغ عددها 300 ألف مليون خلية، ورعاية هذا العدد الضخم من الخلايا وتلبية حاجاتها والدفاع عنها ليس بالأمر الهيّن أبدًا. ولكثرة الرسائل تم تخصيص مجموعات من الخلايا تتولى كل مجموعة نوعًا من الرسائل؛ فمنها مَن يتولى شؤون الحركة وضبطها، ومنها مَن يتولى شؤون الرؤية والسمع واللمس والشم، ومَن يتولى أمرَ الانفعالات، ومجموعة تتكفَّل ربط الخبرة بالخبرة والانطباع بالانطباع وتختزلها في الذاكرة ليُرجَع إليها لاحقًا.

وزارة التموين

هذه الوزارة في دولة جسمك، من اختصاص الجهاز الهضمي الذي يتولى معالجة الطعام وتحويله إلى سائل لتسهيل الامتصاص، ثم يحيله إلى جهة أخرى لتوزيعه على خلايا الجسم وأجهزته؛ حيث تقوم المعدة بإفراز العصارات الهاضمة وشرح الطعام حتى يذوب، ثم تفرغه في الأمعاء، لتفرز الأمعاء عصارات أخرى هاضمة تكمل عملية الهضم وتحوله إلى السائل اللبني السهل الامتصاص، ثم تمتصه شعيرات دقيقة مبطنة للأمعاء وتسلمه بدورها إلى شعيرات الدم لتوزيعه على أجهزة الجسم وخلاياه، إذ تأخذ كل خلية ما تحتاجه وتترك باقيه لغيرها، وفي نفس الوقت تطرد إلى الدم نفاياتها لتحمله إلى أجهزة الإخراج في البول أو العرق أو البراز أو الزفير.

أجهزة الاستطلاع

البصر: توجد في مقدمة العين عدسة بوسطها دائرة ضيقة تسمى “إنسان العين”، يتوليان تنسيق الأشعة الضوئية التي تنفذ من خارج العين، ثم ينقلانها إلى البؤرة وهي مؤخرة العين، كما تترجم الأشعة الضوئية في العصب البصري إلى صورة يستطيع الجسم من خلالها أن يستطلع جيران الجسم من جماد أو حيوان.

السمع: إن الأذن الخارجية تلتقط اهتزازات الموجات الصوتية التي تخترق الهواء وتنقلها إلى الأذن الداخلية، فإذا وصلت الموجات إلى الأذن الداخلية، تحولت إلى حوافز عصبية ترتد إلى الجزء المخصص من المخ فيترجمها إلى أصوات ونبرات.

جهاز النقل: يقوم جهاز النقل (الدم) بنقل المكونات الغذائية إلى خلايا الجسم كلها، ومن أهم المكونات التي سنتحدث عنها:

أ- كرات الدم الحمراء أعداد فلكية: يحتوى الملليمتر المكعب الواحد على خمسة ملايين كرية دم حمراء وسطيًّا، وهي خلايا مجهرية لا تُرى إلا بواسطة الميكروسكوب المجهر، إذ يبلغ قطر الواحدة منها سبعة في الألف من الملليمتر، وسمكها اثنان في الألف من الملليمتر. وقد منح الله تعالى تلك الكرات خاصية المرونة التي تساعدها على دخول أصغر وأدق الأوعية الشعرية، كما يبلغ عدد الدورات التي تدورها تلك الكرية العجيبة 1500 دورة يوميًّا داخل الجسم، وتقطع رحلة يبلغ طولها حوالي 1150 كم خلال عمرها الذي يبلغ 120 يومًا، وهكذا لا تترك جهازًا أو نسيجًا أو خلية إلا مرت به وزودته بما يكفيه من الأكسجين.. وتتغير أيضًا عدد الكريات الحمراء على مر اليوم، ففي أول اليوم يكون منخفضًا نوعًا ما، أما في آخره فإنه يزداد نوعًا ما، كما يزداد أثناء المجهود البدني العنيف. إن وظيفة الخلايا الحمراء، هي حمل الغذاء من الجهاز الهضمي، وحمل الأكسجين من الرئتين إلى جميع خلايا الجسم.

يحتوى الملليمتر المكعب الواحد على خمسة ملاين كرية دم حمراء، ويبلغ قطر كرية الدم الواحدة سبعة من الألف من الملليمتر وسمكها اثنان من الألف من الملليمتر.

بـ- مصنع متعدد المراكز: يعتبر نخاع العظام الأحمر هو المصنع الضخم الذي يزود الجسم بالكرات الحمراء، ويصل عمر الكرية الحمراء إلى 120 يومًا. وعلى ذلك فإن الكريات الحمراء في الدم تتبدل كلها في مدى 120 يومًا، أما عدد الكريات التي تتجدد في اليوم الواحد فيصل إلى 240 مليار كرية حمراء، أي عدد ما يتجدد في فترة 120 يومًا (عمر الكرية) يساوى 240×120= 28800 مليار كرية حمراء في الدم الكامل. وهذه الطاقة الإنتاجية الهائلة لنخاع العظام الأحمر، هي الطاقة العادية في الظروف العادية، ولكن الجسم يتعرض لظروف غير عادية يحتاج معها إلى ضعف هذه الطاقة.

وُهب النخاع طاقة تصل إلى ستة أو سبعة أضعاف طاقته العادية قبل أن يصاب الجسم بالأنيميا (فقر الدم) الذي ينتج عن نقص في عدد كرات الدم الحمراء.

وعلى ذلك تكون طاقة النخاع القصوى في حالة الطوارئ هي 240 مليار×7= 1680 مليار كرية حمراء.

وتختزن الكريات الزائدة في الطحال الذي يقوم بوظيفة الخزان، أو المستودع الذي يطلق الخلايا في تيار الدم حسب الحاجة، كما أنه يتولى أيضًا جمع طعام تلك الخلايا بعد موتها. ولا بد أن نقف أمام هذه الأرقام الفلكية متسائلين: أيعقل أن يكون ذلك الإبداع والتقدير من صنع المصادفة العمياء؟

جهاز الدفاع أو شرطة الدم

ويتمثل في كرات الدم البيضاء التي لا لون لها، وهي تتحرك في الدم بطاقة ذاتية، بمعنى أنها تتحرك بحركة الدم أو بعكس حركته، وهي في حالة تأهب واستعداد. يصل عدد كرات الدم البيضاء في الإنسان البالغ، إلى 4-10 آلاف كرة، ويسميها البعض “شرطة الدم”؛ لأنها تطارد المخالفين بنجاح، ويعتمد عليها الجسم في صد المعتدين أو سد الثغور عند تسيب الدم خارج الجسم. وإذا هاجم الجسمَ ميكروب، فسرعان ما تظهر لمحاصرته وتطويقه حتى الموت، وبالتالي إذا انفتحت ثغرة في الجسم، أسرعت الصفائح العالقة بالدم حول الثغرة تتجمد، أو تتجلط لتكون سدًّا يمنع تسرب الدم إلى خارج الجسم. ولم يستطع العلماء حتى الآن تحديد عمر هذه الكريات.. إنها بمثابة جنود، والجنود عامة لا تعمر كثيرًا، بل تقضي نحبها أثناء القتال في سبيل الإبقاء على أجسامنا سليمة.

ولا تتصارع الكرات البيضاء مع الميكروبات فحسب، فمنوط بها أيضًا وظيفة أخرى هامة جدًًّا، وهي القضاء على جميع الخلايا التالفة والتي استُهلكت؛ فهي تقوم دائمًا داخل أنسجة الجسم بعمل تفكيك وتنظيف المكان، للإفساح لبناء خلايا جديدة للجسم.

الجهاز المناعي وكلمة سر الليل

الجهاز المناعي يملك قدرة عجيبة يستطيع من خلالها التمييز بين العدو والصديق؛ ففي الوقت الذي لا يهاجم أي عضو من أعضاء الجسم، نجده يهاجم الأجسام الغريبة مهما كان حجمها، إذا دخل إلى حصن الجهاز المناعي العتيد.

والسر يكمن في كلمة سرِّ الليل، أو البصمة الجينية الموجودة في تكوين كل خلية من خلايا الجسم، والتي يطلب الجهاز المناعي إبرازها في حالة نشاطه وهجومه، فإذا أفلحت الخلية أو العضو في إبراز بطاقتها أو هويتها الحقيقية، فإن الجهاز المناعي يتركها ويطلق سراحها، أما إذا فشل العضو أو الخلية في إبراز كلمة السر، فإن الجهاز االمناعي يعامله معاملة الأعداء ويهاجمه، مما يؤدي إلى مضاعفات خطيرة في الجسم قد تكون سببًا في موته.

الصفائح الدموية أجسام صغيرة يتراوح عددها من 150 ألف إلى 300 ألف في الملليمتر المكعب من الدم، ولا يزيد طول الواحدة منها على ثلاثة من الألف من الملليمتر.

وعليه، يوجد في جسم الإنسان ثلاثة خطوط للدفاع: أما الخط الأول فيتمثل في الجلد وإفرازاته التي تقاوم الفطريات، ودموع العين التي تحتوي على أملاح مقاومة لبعض الميكروبات، تعبر أيضًا عن قدرة هذا الجهاز. وأما خط الدفاع الثاني فيتمثل في الخلايا الليمفاوية التي تعمل على مدار الساعة بيقظة ونشاط، وكأنها فِرَق من الشرطة الحارسة للجسم عن طريق اختراق الجراثيم لخط الدفاع الأول. وأما خط الدفاع الثالث فيتمثل في نوع من كرات الدم البيضاء (الخلايا المقاتلة) تتم صناعتها بسرعة بعد الحصول على معلومات دقيقة عن نوع العدو الذي عجزت خطوط الدفاع عن مواجهته لتكون قادرة على هزيمته.

ولعل جهاز المناعة في الإنسان، يشبه جيشًا على أعلى مستوى؛ قيادة ومعامل أسلحة، وفِرق مستطلعة، وفِرق مقاتلة، وفِرق مصنعة، وفِرق خدمات.. وإذا دخل جرثوم إلى الجسم، تتجه إليه عناصر استطلاع لتكشف تركيبه الكيميائي وتتجسس عليه، فتأخذ شفرته الكيماوية ولا تقاتله، بل تعود إلى “العقد اللمفاوية” التي تشبه مصنع أسلحة.. هنا تسلم هذه العناصر هذه الشفرة إلى خلايا أخرى مهمتها تصنيع سلاح مضاد لهذا الجرثوم، فيصنع السلاح ثم تأتي فِرقة مقاتله، تحمل هذا السلاح وتتجه نحو الجرثوم وتقاتله إلى أن تصرعه، فيُتَّصل بِفرق الخدمات لتنظيف أرض المعركة من الجثث.. كل ذلك يتم بتنسيق عجيب وبقدرة مذهلة.

رقع الصفائح الدموية

وهي أجسام صغيرة يتراوح عددها من 150 ألف إلى 300 ألف في الملليمتر المكعب من الدم، ولا يزيد طول الواحدة منها على ثلاثة من الألف من الملليمتر.

أما مهمة هذه الصفائح هي الالتحام وقت الخطر؛ فتعمل على تجلط الدم لإيقاف النزيف الناتج عن جرح ونحوه، حيث تسارع إلى الوعاء الدموي الذي يتسرب منه الدم، ثم تتفسخ وتلتصق بجداره لتسده. وأما إذا كانت الثغرة كبيرة، فتُسرع فِرقة أخرى خاصة بالطوارئ تسمى الثرمبوسيتس، إلى تنفيذ المهمة، حيث تلتحم مع بعضها تحت تأثير أنزيم يسمى الثرمبوكينيز مكونة خثرة (Thrombus) يحمل إليها الدم مواد بناء جديدة باستمرار.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا: ماذا يحدث يا ترى لو بدأت الفِرقة -لسبب ما- بالعمل في الوقت غير المناسب؟ مثل هذه الأفعال العشوائية تؤدي إلى وقوع حوادث خطيرة، فقد يتجلط الدم داخل الأوعية الدموية ويسدها. لذا يوجد بالدم فِرقة إنقاذ أخرى أي جهاز مضاد للتجلط، وهذا الجهاز يحافظ على أن لا يكون بالدم “ثرومبين”، إذ بمجرد ظهور “الثرومبين”، يقوم الجهاز المضاد للتجلط بإبطال نشاطه فورًا.

يتبيَّن من كل ما سبق أن هذه الأجهزة العديدة والفِرق المتنوعة، تقوم بخدمات الحراسة والتحكم والإنقاذ من جميع المخاطر المتوقعة على دولة الجسم، وتحقق ضمانًا لحركة أمواجه وعدم تغير تركيبه والإبقاء عليه ثابتًا.

(*) استشاري في طب وجراحة العيون / مصر.

 

About The Author

طبيب وجراح للعيون مصري وعضو الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة. له مجموعة من المقالات والأبحاث والكتب العلمية المنشورة.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.