اتفق المفسرون والبلاغيون وعلماء اللغة على أنه من أخطر الأضرار في فهم خطاب ما، أن يفصل عن سياقه وينتزع من سابق نظمه ولاحقه، إذ القواعد قاضية بأن الخطاب لا يفهم إلا ضمن سياقه وتركيبه، ولا يقتصر هذا السياق على الجملة الواحدة أو مجموع الجمل أو الفقرة، بل يمتد إلى الخطاب كله. فلا بد أن تفهم الأجزاء على ضوء الكل، وأن تحدد دلالة الأعيان منظورًا إليها من زاوية البيان باعتباره بنية متكاملة، يوضح آخره أوله، ويزيل اللاحق لبس السابق.

وإذا نزَّلنا هذه القواعد على خطاب القرآن الكريم، فإنه من الخطأ الفادح أن تجتزأ الآيات وتفهم مفصولة عن سياقها، بل لا بد أن يراعى في ذلك سياق القرآن كله، لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا. فـ” ما أُجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختُصر من مكان فقد بسط في موضع آخر”.

وعي شروط تحقق الخيرية مقدم على عاطفة الانتماء لهذا الدين والاعتزاز بمرجعيته، وإذا لم يتحقق ذلك الوعي في صورة فلسفة تحكم رؤية الناس وغاياتهم، وفي شكل برامج ومناهج ومخططات ومشاريع، فإن العاطفة ليس بمقدورها أن تغير من حقيقة الأمر شيئًا.

وقد صاغ الشاطبي هذا الشرط صياغة محكمة فقال :”فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المتكلف، فإن فرق النظر في أجزائه فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض”.

وإذا كانت نماذج التعامل الخاطئ مع آيات القرآن كثيرة، مما لا يستطيع المقام استيعابها جميعًا، فإننا نكتفي هنا بالإشارة إلى تعامل الوجدان العام للأمة مع الآية الكريمة : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ (آل عمران 110 ).

فقد وقر في وجدان المسلمين أن هذه الآية ترفع من قدرهم وتجعلهم في المقام الأول عند الله، إذ وصفهم بأنهم خير الأمم. وقد تشكلت عاطفة المؤمنين على هذا الشعور، ونما لديهم الإحساس بالامتياز نموًّا فياضًا.

والمتأمل في هذا الشعور يدرك أنه محمود، لأنه تأسس على عاطفة معتبرة بنصوص القرآن، فالله رفع من قدرها إذ جعل خاتم الأنبياء منها، وجعل رسالته رسالة عالمية، وهو المستفاد من قوله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا(البقرة143).

غير أن هذه العاطفة التي تصل حد التعصب في بعض المناسبات، والتي تدل على قوة في الإحساس بالانتماء إلى هذا الدين وإلى أمة هذا الدين، قد تحولت لدى كثير من المسلمين إلى مخدِّر شعوري ذي قوة تخديرية لا تقاوم؛ فقد طغت العاطفة على العقل، واكتفى اللاحق بأن يمتص من السابق هذا الشعور العاطفي الفضفاض بأنه ينتمي إلى خير الأمم، أما أن نعي – حقيقة – معنى خيرية الأمة، أو أن نعيد قراءة جملة ” خير أمة ” في سياقها القرآني، ونفهمها الفهم السليم فنتساءل: ما معنى الخيرية في قوله تعالى:كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)؟ وما معنى أن تكون خيرالأمم؟ وهل الخيرية هنا تعني الأفضلية؟ وما علاقة الخيرية بالتشريف؟ وهل الأمة قد حظيت بالتشريف حين وصفت في القرآن بأنها خير الأمم؟ أم أنه تكليف ومسؤولية وجهد وعناء؟

إن التعامل مع هذه الأسئلة، يكشف عن تناقض صارخ بين عاطفة الانتماء التي هي عاطفة مقبولة على أي حال، وبين الوعي بالشروط التي لأجلها كانت أمة الإسلام خير الأمم التي أخرجها الله للإنسانية.

وسيشعر كثير من أبناء هذه الأمة بأن تأجج عاطفة الانتماء لا يوازيه تحرك نحو تحقيق الشروط التي اشترطها القرآن، مما يدل في نهاية المحصلة – أن هناك تبعيضًا في التعامل مع هذه الآية، إذ اكتفي بجزئها الأول وأهمل جزؤها الثاني، بل أهمل قراءة الخيرية فيها على ضوء آيات القرآن وسوره ومقاصده.

لقد أشار المفسرون – منذ عهد الصحابة والتابعين – إلى أن الخيرية التي وصفت بها الأمة ليست على إطلاقها، وليست تفضيلاً لهذه الأمة على ما سواها تفضيلاً عامًّا دائمًا مجردًا عن أي شرط أو اعتبار، وإنما الخيرية مشروطة بأن تتحلى الأمة بالصفات التي ساقتها الآية تباعًا وهي:(تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ). فقد ذكر الإمام الطبري عن مجاهد قوله : “كنتم خير الناس للناس على هذا الشرط، أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله.

وروي عن قتادة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في حجة حجها ورأى من الناس رعة سيئة، فقرأ هذه الآية “كنتم خير أمة أخرجت للناس” ، فقال : يا أيها الناس، من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها”.

وقال الإمام القرطبي في معرض تفسيره للآية : “هي مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتواطأوا على المنكر، زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم وكان ذلك سببا لهلاكهم”.

إن شرط وجود الأمة وبقائها هو أن تقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل بحسب موقعه، وكل بحسب طاقته، فإن هي ضيعت كان مصيرها الضياع، كما يذكر القرآن عن بني إسرائل.

إن هذا الفهم السليم لآية الخيرية ناتج عن النظر إلى الآية في مجموعها وعدم الاقتصار على جزئها الأول . ويزداد هذا الفهم السليم تأكيدًا عندما نعود إلى سابق تلك الآية قليلاً، فقد ذكر القرآن قبلها قوله تعالى:(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران 104) ،

مما يعني أن الخيرية آيلة إلى التحلي بتلك الأوصاف  : والامتثال إلى تلك الشروط، فكأنه هدية من الله سبحانه إلى أمة الإسلام نتيجة سعيها إلى أن تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

إن هذه القراءة السياقية تبرز أمرين اثنين :

  • العلاقة بين الأمة وصفات الخيرية علاقة كسبية لا فطرية، ومعنى هذا أن الخيرية لا تقوم إلا باجتهاد الأمة وكسبها ونضالها من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، ولا وجود لتلك الخيرية وجودًا قبليًّا فطريًّا.
  • وعي شروط تحقق الخيرية مقدم على عاطفة الانتماء لهذا الدين والاعتزاز بمرجعيته، وإذا لم يتحقق ذلك الوعي في صورة فلسفة تحكم رؤية الناس وغاياتهم، وفي شكل برامج ومناهج ومخططات ومشاريع، فإن العاطفة ليس بمقدورها أن تغير من حقيقة الأمر شيئًا.

ومما يزيد فهم دلالة الخيرية قوة، استحضار الآيات التي تتحدث عن أفضلية بني إسرائيل باعتبارهم أهل كتاب، وكيف زالت عنهم بانسلاخهم عن التحلي بشروطها، مثل قوله تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)(البقرة: 47).

وقد ذكرت مرتين في سورة البقرة، وقوله تعالى على لسان موسى في رده على قومه وقد طلبوا منه أن يجعل لهم إلهًا صنمًا كما لغيرهم من الأقوام: قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (الأعراف: 140).

فلم تعد الأفضلية فيهم ثابتة يتوارثها الأولاد عن الأجداد، لأنهم أخلُّوا بالشروط . ولذلك فقد ذهب المفسرون إلى أن الأفضلية بالنسبة لبني إسرائيل، كانت في أيام أعطوا الملك والرسل والكتب .

وقد أورد الطبري أقوالاً في الموضوع تسير جميعها في اتجاه الأفضلية في زمان مخصوص، يقول ابن وهب : “سألت ابن زيد عن قول الله : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، قال: عالم ذلك الزمان، وقال: هذه لمن أطاعه واتبع أمره، وقد كان فيهم القردة وهم أبغض خلقه إليه”.

وبهذا يتضح أن تفضيل بني إسرائيل على العالمين موقوت بزمان استخلافهم واختيارهم، فأما ” بعد ما عتوا عن أمر ربهم وعصوا أنبياءهم، وجحدوا نعمة الله عليهم، وتخلوا عن التزاماتهم وعهدهم، فقد أعلن الله حكمه عليهم باللعنة والغضب والذلة والمسكنة”.

وقد أنكر الله عليهم تخلِّيهم عن شروط أساسية استحقوا بموجبها أن يحظوا بصفة الأفضلية، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال فيهم : أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَأ َنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (البقرة: 44) ، وهذا السؤال الاستنكاري يكشف تناقضهم وإخلالهم ببنود العهد الذي عاهدوا الله عليه، إذ كيف يلوكون الآيات بأفواههم ويوزعونها على الناس، ويتظاهرون بأنهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، ثم يسلكون نقيض ذلك في حياتهم الواقعية فيأتون المنكر وقد نهوا عنه، وينتهون عن المعروف وقد أمروا به.

وفي مناسبة أخرى يعلل القرآن سبب استحقاقهم اللعنة، وذلك في قوله : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ* كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة:78-79).

ولم ترد قصص بني إسرائيل في القرآن لأجل التسلية، وإنما سيقت لأخذ العبرة والموعظة، واستخلاص الدروس الحضارية الكبرى.

ولم ترد قصص بني إسرائيل في القرآن لأجل التسلية، وإنما سيقت لأخذ العبرة والموعظة، واستخلاص الدروس الحضارية الكبرى، وفي مقدمتها أن الخيرية لأي أمة إنما هي مشروطة باتباع أوامر الله، وبالتالي فإن وعي تلك الشروط المرتبطة بالاصطفاء مقدم على عاطفة الانتماء.

إن المسلمين اليوم، وفي ظل ظواهر الانشقاق والفرقة والتآمر واللعب بمصائر الشعوب والمقدرات، محتاجون إلى معرفة أمرين اثنين على غاية من الأهمية، فأما أولهما فهو معنى الخيرية التي تنتشي بها مشاعرهم ويطرب لها وجدانهم. وأما ثانيهما فهو معرفة الشروط التي يتعين على هذه الأمة أن تتصف بها من أجل أن تحظى بوصف الله لها بالخيربة.

واجب الأمة أن تكون في الطليعة دائمًا، وفي مركز القيادة دائمًا، ولهذا المركز تبعاته، فهو لا يؤخذ ادعاء ولا يسلم لها إلا أن تكون أهلا له.

ولا أهلية لها إلا بالتخلّق بخلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولحكمة ربانية، ذكرت هنا صفات متكاملة يغني بعضها بعضًا وتدعم إحداها الأخرى، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينطلق صوب الخارج، أي صوب المجتمع الصغير والكبير، وذلك انطلاقًا من أن نظرة القرآن إلى الأمة نظرة تقوم على مقولة ” الجسد الواحد” و” المصير المشترك” ، الذي يمتد من زمن الدنيا القصير إلى زمن الآخرة المديد، صلاحًا وفسادًا، إيجابًا وسلبًا. وبالتالي، فإن التراجع عن خلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفض إلى وضع اجتماعي يغضب الله، ويخلُّ بالأمن النفسي والاستقرار العام، فضلاً عن أنه يجعل من الأمة الإسلامية صورة شوهاء، مرقعة الثوب القيمي، مشوهة المسلك الاجتماعي، من يراها يستخف بها ولا يقيم لها وزنًا مثلما هو حال معظم أقطارها اليوم، ذلك الحال الذي حوَّل أحلام الألفية الثالثة إلى أوهام متبخرة.

ومن مظاهر حال الوهن أن تسربت الفلسفات التي ترفع من شأن النزعة الفردية والنسبية وحقوق الفرد، وتستغل رغبة الشباب الجموحة نحو التحرر والاستقلالية، حتى أصبحت الأمة طرائق قددًا، وأصبح البعض يراهن على تعدد المرجعيات والهويات داخل البلاد الإسلامية، وأضحى خلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعنى العام المرتبط بالحياة العامة والسياسة والاقتصاد – نادرًا، وتحول خلق تغيير المنكر إلى تدخل في شؤون الغير، واقتحام للعالم الخاص للأفراد، فضلاً عن أنه مدعاة إلى النفور والاحتقار، واستغل التراث الفقهي في هذه القضية استغلالاًسلبيًّا، فأصبح من المظاهر المألوفة أن تسمع من يحتج ويقول إن تغيير المنكر باللسان خاص بالعلماء، مع أن هذا غير مسلَّم به على إطلاقه، بل يكفي أن يكون المرء الناهي عالمًا بأن السلوك الذي ينهى عنه بالحسنى إنما هو من المنكرات في الدين والقيم، دون أن ننسى بأن جهة تغيير المنكرات اليوم ليس من الضروري أن تكون شخصية مادية ممثلة في الأشخاص والأفراد، فقد تكون – وهذا عين الفهم السليم شخصيات معنوية ممثلة في المؤسسات والهيئات والجمعيات.

ومن الأمور اللافتة في الآية المذكورة، أي قوله تعالى “كنتم خير أمة “؛ أنها أخَّرت شرط الإيمان على شرطي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أن المتبادر إلى الذهن أن يتقدم الإيمان لأنه أصل، وتتأخر الصفتان الأخيرتان لأنهما ثمرة ونتاج.

وقد لاحظ بعض المفسرين هذا التقديم والتأخير، وقدموا له توجيهات دقيقة، نختار منها ما ذهب إليه الطاهر بن عاشور من أن “تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأخير الإيمان بالله، راجع إلى أنهما الأهم في هذا المقام المسوق للتنويه بأفضلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، تطبيقًا للمبدأ البلاغي الذي ينص على أن التقديم مشعر بالأسبقية والأفضلية، وصورة من صور قاعدة “الاهتمام الذي هو سبب التقديم يختلف باختلاف مقامات الكلام”.

لكن هناك توجيه آخر، وهو أن الإيمان ذكر -هنا- عقب الصفتين ليكون بمثابة المعيار الذي توزن به أعمال الأفراد وهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فليس الأمر متروكًا لرغباتهم وأهوائهم، من غلب على ظنه أو هواه أن هذا معروف أمر به، وأن هذا منكر نهى عنه، وإنما الأمر محكوم بثوابت وموازين صحيحة لا تتغير، ولا تتأثر بالأهواء.

أي لا بد من الإيمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم، والتعريف السليم للمعروف والمنكر، فإن اصطلاح الأفراد والجماعات واتفاقهم لا يغني في هذا المجال، فقد يعم الفساد وتضطرب الموازين وتختل فيتنازع الناس، مثل ما هو حال أغلبيتهم اليوم، في حدود المعروف وحدود المنكر، وما يصنف في هذه الخانة وما يؤول إلى الخانة الأخرى. ومن ثم لا بد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والمعروف والمنكر.

وكأن ذكر الإيمان عقب الصفتين تذكير للمسلمين بأن اتصافهم بذلك إنما لكونهم مؤمنين بالله، وهم عندما يلبُّون الدعوة فيقومون بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما يقومون بأمر الله ويستجيبون لندائه لا لأهوائهم ورغباتهم، يقول الأستاذ محمد فتح الله كولن :”يجب أن يكون الخالق العظيم وابتغاء مرضاته هدف صاحب كل دعوة، وإلا دخلت إلى الساحة الكثير من الأصنام، وتلبس الباطل بلباس الحق، وظهرت الأهواء والشهوات في مظهرالفكر، وارتكبت جرائم عدة باسم الجهاد”.

واجب الأمة أن تكون في الطليعة دائمًا، وفي مركز القيادة دائمًا، ولهذا المركز تبعاته، فهو لا يؤخذ ادعاء ولا يسلم لها إلا أن تكون أهلا له.

وفضلاً عن هذا وذاك، فإنه تذكير لهم بأن أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر إنما يراد به وجه الله، ويقصد به الأجر عنده تعالى، وهذا من شأنه أن ينفي عن أعمالهم مظاهر التسلط، ويجنب سلوكهم سمة الاعتداء والظلم والتعصب والإقصاء والملاحقة والاضطهاد، ويخلصهم من الجور في أمرهم ونهيهم، فليس تحليهم من قبل القرآن بصفة إصلاح أحوال الأمة، أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، مدعاة إلى أن يتحولوا إلى متشددين مع الناس، مستبدين في الكلمة والسلوك، موزعين للأوصاف والأحكام على الأبرياء لمجرد أنهم على الحق وغيرهم -بظنهم- على الباطل، بل لا بد أن يعلموا أن من مقتضيات الإيمان الذي وصفوا به، أن يكونوا منصفين عادلين رحماء بالناس والمخالفين، رحماء بأنفسهم، لينين حين يأمرون، ولينين حين ينهون، مبشرين لا منفرين، دعاة لا قضاة، ولهم في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة، فقد رفع شعار “إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه”.

إن جمع الآيات الداعية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقراءتها في ضوء أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في الموضوع وشروحات العلماء، يوصل إلى نتيجة حتمية صاغها الأستاذ فتح الله كولن في قوله : “على المؤمن أن يوفي هذه الوظيفة الملقاة على عاتقه حقها ، ضمانًا لقبوله مؤمنًا لدى الرب الجليل وبقائه على الإيمان به، وذلك للعلاقة القريبة بينهما . فلا يثبت الأفراد وكذا الجماعات وجودهم، ولا يمكن أن يديموه، إلا بإيفاء هذه الوظيفة حقها”. أي إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجسد هوية الأمة، ومقومًا أساسيًّا من مقومات تعريفها، وملمحًا بارزًا من ملامح قدرها الماضي والحاضر والمستقبل.

بل قد يذهب المتأمل إلى أبعد من ذلك، فيقول مقارنًا بنص القرآن بين وضع الأمة ووضع بني إسرائيل : إن شرط وجود الأمة وبقائها هو أن تقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل بحسب موقعه، وكل بحسب طاقته، فإن هي ضيعت كان مصيرها الضياع، كما يذكر القرآن عن بني إسرائل. ولعل العقلاء يأسفون لهذا الضياع الذي يجثم على جسد الأمة في التصورات والمفاهيم والرؤى والمناهج والنظر إلى المستقبل.

وإذا كثرت الدعوات اليوم إلى الإصلاح والتغيير والبحث في مناهج النهوض والارتقاء، فلا بد أن نتذكر أهم الشروط التي اشترطها القرآن على أمة القرآن، ألا وهي أن تظل حامية للخير، مدافعة عن القيم عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المال والسياسة والاقتصاد والقيم.

إن ما انتهى إليه الواقع المعاصر من مظالم ومفاسد وانحرافات في المفاهيم والمناهج والمخططات الاقتصادية والاجتماعية والقوانين الدولية، لم يكن لينتشر هذا الانتشار السام لو كانت الأمة راعية للصفات التي استحقت الخيرية بموجبها، راعية لها في علاقة الإنسان بنفسه، وفي علاقة الأفراد والجماعات الداخلية فيما بينهم، وفي علاقتها بالأمم الأخرى .

وإن التراجع في حفظ تلك الشروط ورعايتها، فسح المجال في وجه الانحراف ذي المستويات المتعددة، وقد أشارت أحاديث الرسول الكريم إلى أن انتشار الرذيلة مشروط بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يدل – بطريق المقابلة والمفهوم- على أن ارتفاع الرذيلة من الواقع وتقليل شرورها ومفاسدها، مشروط كذلك – بالاتصاف بالصفتين اللتين أدرنا عليهما حديثنا في هذا المقال الموجز.

إن السلوكات والوقائع تنتج عن الاقتناعات والتصورات، فلا مجال للعبث أو الفوضى، ولا مكان للصدف أو الحظوظ، فإما وعي بالشروط وهروع إلى تمثلها والانطلاق وفق هداها، وإما إعراض وغفلة يسوقان إلى التخلف والإصر وحضارة الأغلال التي يكتوي بها مشرق الأمة ومغربها، والعالم كله على حد سواء. بذلك وحده نرى -كما يقرر الأستاذ كولن- أن أجمل هدية يقدمها المسلم باسم الإنسانية، هو تحقيقه لوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . نعم، “إن أداء هذه الوظيفة بإحسان ولطف، لهو أعظم هدية وأثمنها”.

(*) المنسق العلمي لأكاديمية ” مدارات ” للاستشارات والتدريب / المغرب .

المراجع

المراجع

  • الفتاوى، لابن تيمية، ج 15 .
  • الموافقات في أصول الشريعة، للإمام الشاطبي، تصحيح: محمد

عبد الله دراز، دار المعرفة، بيروت، ج 3.

  • جامع البيان، للإمام الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت 1992 ،

ط 4، ج 3.

  • الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، تصحيح: أحمد عبد الحليم

البردوني، ج 4.

  • تفسير التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور، دار سحنون، تونس، ج
  • الموازين أو أضواء على الطريق، لمحمد فتح الله كولن، ترجمة:

أورخان محمد علي، دار النيل، مصر، ط 5.

  • طرق الإرشاد في الفكر والحياة، لمحمد فتح الله كولن، ترجمة:

إحسان قاسم الصالحي، دارالنيل، مصر، ط 5.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.