إذا تصفّحنا المصادر التي تتناول عصور التاريخ القديم وقمنا بالاطلاع على نمط الحياة لدى مجتمعاتها، سنرى بوضوح أنها تتخبط في ظلمات الأهواء، بعيدة كل البعد عن القيم الروحية والمبادئ الإنسانية التي تبلور حياة الفرد وترسم له طريق السعادة والفلاح.. كما سنرى أيضًا أن الفلسفة السائدة في تلك العصور، كانت قائمة على إنكار قيمة الإنسان كعقل وروح وجسد له حقوقه، ولا سيما على إنكار قيمة الطفل وإنكار حقوقه.

أجل، ففضلاً عن انكماش قيمة إنسان تلك الفترة المظلمة، شاعت الممارسات التي حطّت من قيمة الطفل أيضًا؛ حيث تعرّض لأشد الممارسات قسوة وأكثرها وحشية، ولم ينلْ أدنى اهتمام من قِبل المجتمع الذي عاش في كنفه. فكانت للآباء في أُسَر تلك الآونة -مثلاً- حاكمية مطلقة وسيادة صارمة على أبنائهم؛ إذ كانوا يبيعون أبناءهم حين يشاؤون، أو يجلدونهم بعنف حين يغضبون، أو يقدّمونهم قرابين للآلهة حين يرغبون، أو يحكمون عليهم بالموت حين يضلّون.

ففي الصين القديمة، كان يُفرض على الأولاد الطاعةُ الكاملة للأبوين، ومن ثم يُرغَمون على الخضوع للآلهة التي يَعبُدانها، ومن يرفض ذلك، يلق أشد أنواع التعذيب. فمثلاً، كان الأولاد الذين يحقرون آباءهم ويهينون كرامتهم يعاقبون بالموت، كما كان الولد الذي يَقتل أباه عمدًا، يُحكم عليه بالموت تعذيبًا.

وأما في الهند القديمة، فكان الطفل الذي يولد نتيجة علاقة غير شرعية بين شخصين ينتميان إلى طبقة اجتماعية مختلفة؛ يُعزَل عن المجتمع ويُجعل في فئة المنبوذين. علمًا بأن فئة المنبوذين هذه، لا تُحسَب على أيّ طبقة في المجتمع، وهي فئة يُحكم عليها بالعيش المنعزل في المناطق النائية عن القرى والمدن، وبالتالي توضع في أدنى هرم المجتمع.

ولم تكن قيمة الطفل مختلفة عن غيرها من الحضارات الأخرى، في الأسرة اليهودية كذلك، إذ كانت الآباء تحتكر السيادة التامة على أفراد أُسَرهم، وإن الأولاد الذين يرفضون طاعة الأبوين يعاقبون بالضرب، والذين يصرّون على عدم الطاعة، أو الذين يهينون كرامة أبويهم فيضربانهما -مثلاً- يُحكم عليهم من قِبَل قاضي محكمة بالموت رجمًا بالحجارة.

هذا وقد عرفت الأنظمة القديمة ممارسات أكثر وحشية، ومنها ما كان يحدث في دولة المدينة اليونانية؛ إذ كانت الدولة تُجيز ذبح أبنائها جراء مصلحة اجتماعية أو دولية.. فمثلاً، كان عندما يولد طفل، تُرسِل الدولة إليه هيئة للمعاينة والفحص، وإذا قرّرت هذه الهيئة أن الطفل صحيح يَقوى على الحياة، يُسمح له بالعيش، أما إذا رأتْ هذه الهيئة أن الطفل مريض أو معاق أو ضعيف، تَحكم عليه بالموت، فيُصعَد بالطفل إلى جبل “تايجيت” ويرمى من صخوره العالية المرتفعة، لأن الحياة -بنظرهم- لا تليق إلا بالأقوياء.

وكذلك الأمر في الإمبراطورية الرومانية، حيث كانت الحاكمية المطلقة للآباء أيضا، مما أعطاهم الحق الكامل أو الحرية التامة في قتل أبنائهم، أو في رميهم في الشارع، أو بيعهم في الأسواق.. كما كان للأب الحق أيضًا، في أن يطلّق زوجة ابنه متى ما شاء.

وقد كانت العادة عند الأتراك قبل الإسلام، أن الأب هو رئيس الأسرة، ولكن لم تُعط له الحاكمية المطلقة؛ بل كان للأم أيضًا بعض الحقوق على أولادها.. وبعد وفاة الأب، كانت الكلمة المسموعة بين أفراد الأسرة للأم لا لغيرها.

قيمة الطفل في الإسلام

لم تكن حياة البنات فقط في خطر في الجزيرة العربية قبل الإسلام، بل كانت حياة الصبيان أيضًا تتعرض لذات الخطورة؛ حيث كان الآباء -قبل مجيء الإسلام- يقومون ببيع أولادهم في الأسواق أو يَقتلونهم. ولكن مع مجيء الإسلام انتهتْ حاكمية الآباء المطلقة على أبنائهم، ومُنحتْ الحقوق للأطفال؛ أي صار القانون يحفظ لهم حقوقهم، فيعاقب من يقتلهم أو يبيعهم أو يستعبدهم بأقسى أنواع العقاب.

لقد منح الإسلام حقوقًا للطفل منذ الولادة، وعندما يبلغ هذا الطفل السنة السابعة من العمر يرتقي إلى سن التمييز، ومع سن المراهقة يعدّ مكلَّفًا أمام الشرع في الإسلام. وقد قررت الشريعة الإسلامية أن من ضمن حقوق الطفل على والديه أن يُحسِنا اختيار اسمه الذي سيُدعى به بين الناس مستقبلاً، ومن الأمور التي أعطاها الإسلام للطفل -أيضًا- عقب ولادته؛ الرعاية الجيدة، وذبح العقيقة، والتربية والتعليم، وحفظ أمواله إنْ وُجد.. يعني أن حقوق الطفل تُحفَظ من قِبل وليّ أمر له حتى بلوغه، بعدها يبدأ المراهِق بمرحلة جديدة هي القيام بممارسة حقوقه بنفسه.

وفي الختام نقول إن حقوق الطفل ظهرت أول ما ظهرت مع الإسلام. بيد أن حقوق الطفل في الغرب، لم تظهر ولم تنم بشكل ملحوظ، إلا في العصرين الأخيرين فقط.

المصدر: مجلة حراء العدد:53

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.