في جنوب الجزيرة العربية تقع “اليمن السعيدة” التي اشتق اسمها من “اليُمن” وهو الرخاء والبركة؛ والتي تحدّها شمالا العربية السعودية، وجنوبا البحر العربي، وشرقا الخليج العربي؛ الذي يسمى أيضا بخليج فارس، وغربا البحر الأحمر؛ عاصمتها الأولى هي صنعاء، وتنطق “صنعا” بدون همز، والتي ترتفع عن سطح البحر بـ(6900) قدما، ومما قاله عنها في العصر الحديث المؤرخ أحمد فخري: “إنه ليس في مدن الشرق مدينة تشبه صنعا لنقارنها بها، فهي فريدة في موقعها، وفريدة في طراز بنائها، وفريدة في أسوارها، وفريدة في مظهرها الشرقي الخاص؛ الذي يجعل السائر في طرقها يحس بأنه انتقل بضع مئات من السنين، فيتصور نفسه في بغداد وفي غيرها من مدن الحضارة الإسلامية”.

وتمتاز هذه المدينة بموقعها الجغرافي؛ فهي وسط وادٍ فسيح تحيط بها الحقول والحدائق التي تمدها بحاجتها من الغذاء والمرعى، وتحيط بها الجبال العالية؛ فيزيد ذلك في منعتها، ويجعل الاستيلاء عليها أمرا غير يسير، وجوّها معتدل طول العام؛ فشتاؤها غير قارس، وصيفها غير حار. وتعرف صنْعا باسم “مدينة سام” نسبة إلى “سام بن نوح”، ويقال إنها أقدم مدينة عمرت بعد الطوفان.

إن رائحة جغرافية الجزيرة العربية نافذة قوية في صنعاء.. فأنت تمشي في ظلال جغرافية جنوب الجزيرة أصل القحطانيين، بَيْدَ أن رائحة التاريخ، والعروبة والإسلام أقوى وأنفذ من كل روائح الجغرافيا والجيولوجيا، والأركيولوجيا، ولم لا؟! أليس سكان اليمن عربا أُصلاء يتكلمون اللغة العربية.. وأيضا أليست اليمن أصل الأنصار، هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾(الحشر:9) بلى، إن اليمن أصل الأنصار أوسهم وخزرجهم، والأنصار شطر المسلمين، وبدونهم ما كان يمكن أن تصنع في يثرب التي أصبحت مدينة رسول الله دولة الإسلام الأولى. فبحق إن الإيمان “يمانِ”، وإن الحكمة “يمانية”… وقد تجلى الإيمان وتجلت الحكمة في دولة الرسول الأولى، دولة المؤاخاة بين قحطان وعدنان أو بين الأنصار والمهاجرين الذين قدَّموا معا أروع نموذج للدولة المؤمنة الحكيمة عبر التاريخ. وحسبها أنَّ قائدها وإمامها هو خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، وأن “البشر” المكوِّنين لها هم خيرُ أمة أخرجت للناس، وهم الصفوة الذين حملوا الإسلام إلى العالم ونشروه بالحب والحكمة، والإيمان القولي والعملي.

لم تعرف اليمن حدة الصراع المذهبي، بل كانت دائما قادرة على إقامة كيانها الفكري على أساس المرجعية الإسلامية الأصيلة؛ في جو من التسامح والعفو والحب والتيسير.

دخلها المذهب الحنفي وغلب عليها. وبأدب جم انسحب الأحناف الرائعون، وأفسحوا المجال للمذهب المالكي.

ومع أوائل القرن الثالث الهجري دخل مذهب الإمام الشافعي -بحب ووفاء- فطوى تقريبا صفحة الآراء الفقهية السابقة، وأصبح المذهب الشافعي هو المذهب السائد، ومن ثم استطاع الإمام التقي الهادي يحيى الحسين الزيدي أن يدخل بفقهه إلى اليمن؛ معتمدا على “مجموع الإمام زيد الفقهي والأصولي” والذي اعتمد في حديثه على أبيه “علي زين العابدين”، وأخيه “محمد الباقر” رضي الله عنهما، فلم يك مذهبه شيعيا بالمعنى الشيعي المعروف؛ بل كان مذهبه منسجما مع فقه أبي حنيقة اعتمادا على ما كان بين زيد وأبي حنيفة من علاقة ودود، وقامت العلاقة بالتالي بين الزيدية وإخوانهم الشافعية على أروع ما تكون الأخوة، وعلى أفضل ما يكون التكامل والتسامح.

في أجواء عبق هذا التاريخ، الموصول بالجغرافيا، والملتحم بتاريخ العروبة، وحضارة الإسلام؛ ذهبنا إلى صنعاء ممثلين لأول مجلة عربية تصدر -بلغة القرآن- في تركيا بعد سقوط الخلافة العثمانية سنة (1924).

إنها مجلة “حراء” التي يجاهد ناشروها الأبرار من تلامذة داعية عصره، حامل همّ المسلمين الأكبر “الأستاذ فتح الله كولن” -أطال الله عمره-؛ الذي ينأى بدعوته عن السياسة والساسة؛ هادفا إلى نشر بذور الإيمان، وتعهدها وسقيها، وإنضاجها، وترك ثمراتها لمن عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.

إن مجلة “حراء” ذات رسالة إسلامية ترتفع فوق القواطع والفواصل، فهي تخاطب كل المسلمين ولا تقف كثيرا عند آرائهم أو اتجاهاتهم الفقهية أو الفكرية ما داموا في نطاق الكتاب والسنة. إنها علمية ثقافية تعني بالعلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية وتحاور أسرار النفس وآفاق الكون بالمنظور القرآني، من أجل أن ترتفع بالإنسان المسلم إلى المستوى المعرفي والكوني الذي وضَعَهُ الله فيه منذ أن أمره بأن يحذوا حذو نبيه فيقرأ قراءة معرفية وكونية: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾(العلق:1-5)، فجمع الله بين القراءتين معا لكي يقع التآلف والتناغُم بين العلم والإيمان والعقل والقلب والفكر والواقع. ولهذا كان لابد أن تكون المجلة قرآنية الصبغة، عَصْريَّة الصياغة؛ جامعة بين الأصالة والمعاصرة، بمنهجية وسطية؛ لا تعتمد التلفيق بل التوفيق، ولا تقبل بالتصادم بل تجاهد في سبيل التكامل؛ بعيدا عن السكونية، وعن الإفراط والتفريط.

وهناك في صنعاء، ذات التاريخ الإيماني والحضاري العريق، وفي اليوم الحادي عشر من فبراير عام 2008 صبيحة يوم الاثنين، كان اللقاء في فندق “موفمبيك” في الساعة العاشرة والنصف صباحا، وفي ظل استقبال حار من الجامعات اليمنية بدءاً بجامعة صنعاء إلى جامعة العلوم والتكنولوجيا، إلى مسؤولين رسميين ومفكرين ومثقفين يمنيين.

نعم، كان اللقاء. لكنه لم يكن لقاء عاديا، ولم تكن مجلة “حراء” في هذا اللقاء مجرد مطبوعة تعبر عن الأصالة التركية الإسلامية والحضارة التي لا تنسى الوشائج بين العرب والترك، ولا تنسى أن بيننا الكثير مما يجمعنا، وأننا عشنا قرونا طويلة شركاء في سفينة حضارية واحدة بل كان الأمر أعمق من ذلك؛ فهو دعوة من العالم التركي إلى العالم العربي لعودة التواصل الحضاري انطلاقا من الثقافة والفكر والأمة… انتظارا ليوم تعود فيه أمة الإسلام قائدة للإيمان، حاملة راية الحب والتسامح والأخلاق إلى العالم بعد أن أوشكت سفينة القيم أن تغرق.

كان اللقاء رسالة بين عالَمين، وفتحا جديدا يعمق الحب بين قلوب -هنا وهناك- حاولت صروف الدهر أن تقضي على ما بينها من وشائج وأواصر ممتدة في التاريخ. كان عدد الضيوف من خارج اليمن قليلا يتمثل في الوفد التركي (حامل رسالة “حراء” والحب إلى اليمن) وعلى رأسه الأستاذ الكبير “مصطفى أوزجان”، والأستاذ “نوزاد صواش” رئيس تحرير مجلة “حراء”، بالإضافة إلى عدد من الضيوف الأتراك يقتربون من عشرين ضيفا من بينهم الأستاذ “جمال تُرك” مدير أكاديمية العلوم بإستنبول، والأستاذ “شكري شاهين” مدير النشر بالقاهرة، وغيرهما…

ومن الضيوف غير الأتراك، من كتاب مجلة “حراء” الأستاذ الدكتور “عبد الحليم عويس” المفكر الإسلامي، ورئيس تحرير مجلة التبيان/مصر، والأستاذ الدكتور “عمار جَيْدَل” (الجزائر) والأستاذ بجامعة الجزائر، وحضر اللقاء وزير الثقافة والإعلام اليمني ومستشار الرئيس للشئون الثقافية الشاعر والمفكر المعروف الدكتور عبد العزيز المقالح.

وتوالت الكلمات بإدارة الأستاذ “نوزاد صواش”، رئيس تحرير مجلة “حراء”، وتتابعت من الأساتذة بصنعاء فتكلم أ.د. داود عبد الملك الحدابي، وأ.د. سيد مصطفى سالم، ود. علي بن العجمي العشي، ودكتورة أمة الملك الثور، ود. محمد عبد الله المحجري، ودكتورة. نجاة صائم خليل، والأستاذ حسين صالح علي البهجي…

كان الأستاذ نوزاد صواش ماهرا في إدارة الندوة، جامعا بين اللغة العربية الفصيحة والأصالة التركية، والدعابة العربية. كان يضفي على الجميع من أخلاقه، ويثني عليهم مستمدا خزينة حكمته ومعلوماته لكي يلبس كل واحد منهم الثوب الجميل اللائق به، وقد أدهش الجميع لتمكنه من العربية ودعاباته، وحسن تقديمه.

وكان شيئا بديهيا أن يكون الأستاذ مصطفى أوزجان، كبير الدعاة والمسؤولين في حقل النشاطات الدعوية والفكرية والميدانية في تركيا؛ أول من يتكلم بل ويمثل الجانب التركي ومجموعة قايناق للنشر الثقافي التي تعد من أهم مجموعات النشر في تركيا، والتي تقوم بنشر مختلف الكتب وبمختلف اللغات وفي مقدمتها اللغة التركية والإنجليزية والألمانية والروسية والعربية، وغيرها من اللغات.

وفي كلمته التي ترجمها إلى الجمهور رئيس تحرير “حراء” أعلن الأستاذ “أوزجان” سروره بوجوده بين إخوانه في اليمن بلد الإيمان والحكمة، وأعلن ترحيبه بالجمهور الكبير الذي قبل الدعوة الكريمة، وبجهود أبناء اليمن في تذليل كل العقبات، وفي الإعداد لهذا الحفل الناجح بكل المقاييس. كما أعلن ثقته في مستقبل يقوم على التواصل الحضاري، وثقته في أن “حراء” سيصاحبها النجاح في كل الآفاق التي ترتادها مشيرا إلى أن نجاحات “حراء” تطرد منذ نشأتها في عام 2005 بإصدارها الفصلي، وذلك لما يلمسه من تنامٍ للوعي عند المسلمين، وأن من الضروري الاستمرار في تعميق هذا الوعي وانتشاره، وأن نفكر في هدوء دون أن نقع في ردود الأفعال، والتصرفات العاطفية التي قد تؤثر سلبا على رسالتنا مؤكدا أن “حراء” تسعى دائما إلى تكوين مدرسة فكرية يلتقي فيها العقل والوجدان.

وفي تعليقه على كلمة الأستاذ “أوزجان” وجه “صواش” دعوة إلى أصحاب العقول النيرة والقلوب المستضيئة في اليمن والعالم إلى أن يودعوا صفحاتها كلمات من أقلامهم، وقال: إن “حراء” مجلتكم إنها مجلة العالم الإسلامي، وأبوابها مفتوحة لمن يريد الولوج إليها حتى تكون ملتقى للتقارب والتآلف، وجسرا للمحبة والتعارف؛ تستوحي المعاني العظيمة في رسم الطريق إلى المعرفة الإيمانية التي تريدها لمسلم هذا اليوم، وهو ما تعمل “حراء” على أن تكرس له نفسها، وما تحب من أصحاب الأقلام والقراء أن يعينوها عليه.

وفي كلمته قدم الدكتور “عبد الحليم عويس” مشاعره تجاه “حراء” واليمن، وأعلن سعادته بالتواصل الثقافي التركي اليمني، وذكر أن “حراء” قطعة منه؛ فقد عاش معها منذ ولدت وتألقت آفاقها الفكرية العلمية الإيمانية الوجدانية؛ منذ بدأت “حراء” تخطو خطواتها، وتتوالى أعدادها.. وتمنى على الله أن تصبح “حراء” مجلة شهرية واثقا من أنها ستقوم بدور فكري دعوي رائد حينما تتجاوز هذه العقبة وتصبح شهرية، وعندما تتجاوز شيئا من المبالغة في الشكل والإخراج فتصبح في متناول أكبر عدد من القراء.

وبأسلوب يجمع بين العلم والإحصاء والحب عرض لنسبة المقالات في ضوء اتجاهاتها الفكرية خلال أعدادها السبعة الأولى التي صدرت في نحو عامين، وأشار -بشيء من الدعابة- إلى أن نسبة الأدب -شعرا ونثرا إبداعا ونقدا- هي أكبر نسبة نظرا إلى أن رئيس التحرير أديب وأكاديمي في الدراسات الأدبية، وكان طبيعيا أن يتحيز إلى الأدب، وجاءت الإسلاميات بعد الأدب؛ بينما لم تتجاوز دراسات التاريخ والحضارة وفلسفة التاريخ نسبة 11٪. وأشاد باهتمام المجلة بالعلوم سواء كانت علوما تكنولوجية أم نفسية أم تربوية؛ لاسيما في معالجتها بالمنظور الإسلامي، كما أشار إلى إيجابية طرحها وتنوعه في الموضوعات، وارتفاع مستوى المعالجة، وتألق الروح الإيمانية التربوية في كلمات أستاذنا “فتح الله كولن” التي تتصدر المجلة، وحتى العلم -مع موضوعيته- يعرض بأسلوب أدبي، وبروح إيمانية؛ فـ”حراء” مائدة حافلةٌ متألقة روحا، مشرقةً أسلوبا، رائعةً إخراجا.

وعندما جاء دور الأستاذ “عمار جيدل” الجزائري في الحديث أشار إلى حاجة العقل المسلم إلى مجلة أو مأدبة -كحراء- تخاطب عقله وروحه معا غير متجاهلة لمنهجية العلم، ولأعماق الأصالة ومقتضيات المعاصرة. ولم يقف الحفل عند هذه الكلمات، بل رافق هذه الكلمات تقديم فيلم مختصر عن “حراء” منذ ولدت فكرةً، وغرست بذرةً، واشتد ساعدها، وبدأت تعطي ثمارها الطيبة للإنسان المسلم عقلا وروحا، وقلبا.

ومع نهاية الحفل تبودلت الأحاديث، وطرحت الآمال بين أكثر من مئتي مدعو من المثقفين والمفكرين والدعاة والمسؤولين في اليمن. وكان الحفل تدشينا لموقع جديد تقتحمه “حراء” بالحب والتعاون، والإخاء.. وقد تسابق المدعوون إلى أن يأخذوا هداياهم من “حراء”، ومن بعض المنشورات الأخرى الدائرة في فلك “حراء”، وكلهم يريد أن يستوفي أكبر نصيب ليضع في بيته، وأمام أبنائه في اليمن السعيد إضافةً إيمانية تربوية تضيء له درب الحب الإسلامي، وتصله بالعوالم الإسلامية التي نتمنى أن نقول عنها ذات يوم: إنها عالم إسلامي واحد، وإن قبلة المسلمين الواحدة، قد أصبحت وحدها هي ما يرنون إليه استئنافا لعصر الرسالة، في زمن العولمة؛ عودة إلى المكان الحقيقي الذي اصطفاهم الله له؛ شهداء على الناس، وأيضا، وبإذن الله وعونه ومن جديد خير أمة أخرجت للناس.

رسالة الأستاذ فتح الله كولن

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرات السادة الأفاضل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

إننا نشعر بالغبطة والسرور، إذ نجد أنفسنا بين أحضان أهل اليمن الكرام. تماما كشعور الأخ الذي وجد أخاه بعد ضياع لزمان طويل، فلصلة الرحم الآن لهيب من المحبة الغامرة، والشوق القديم.

ولقد وجدنا اليمن وأهله كما حدّث عنهم التاريخ، أهلَ كرم وجود وحضارة أصيلة ومحتد أثيل، وما يزال اليمن ينتج الرجال والفحول، ولم يزل أهله يزودون العالم بأخلاقهم النبيلة، فيسهمون في نشر الدين الحنيف تبعا لمسلك أخلاق أجدادهم من الصحابة والتابعين. كان الرضا الإلهي هنا ينبض بالكرامات منذ أن أشرق النور في قلب أويس القرني إلى أن نبت جيل هذا العصر الجديد، فكم من شعوب أسلمت بالنظر إلى خطاهم والاستماع إلى منطقهم الحكيم.

أيها الحضور الكريم..

إن حبنا لأهل اليمن أصل أصيل، فمنذ زمان انطلقت قلوب من بلاد الأناضول تسعى إلى الدفاع عن أرض اليمن السعيد يقودهم حب إخوانهم ونصرة أحبتهم وواجب دينهم، جاؤوا من أقصى الأرض يسعون كما جاء رجل من أقصى المدينة يسعى، فارتقى في مراتب الخلود عند رب العالمين. والآن جئنا لنجدد العهد ونصل ما انقطع بالكلمة الطيبة وبالحوار والمناجاة على صفحات مجلة تطلب ضيافتكم وتسعى إلى التزود من حبر أقلامكم والتضلع من مداد أفكاركم، فقد شهد لكم الرسول عليه الصلاة والسلام بالحكمة البالغة حيث قال: “الإيمان يماني، والحكمة يمانية”. فهذه مجلة حراء تمد أيديها لكم بحرارة عسى أن تجد من بينكم من يصافحها بكل ذلك، وقطعا لن يخيب ظنها، فأنتم أنتم كما شهد لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن قلبي -أيها الأحبة- ليختلج طربا من الشوق إلى لقائكم والتملي بالنظر إلى وجوهكم، ولكن إذا عجز الجسد عن حضور مجمعكم، لموانع مما لا طاقة لي بدفعه من قدر الله، منها المرض وغيره مما الله به عليم، فإن الروح قد وصلت مع أول طليعة من إخوانكم من إسطنبول تطرق بابكم. إنني من مكاني هذا أشاهد بقلبي مجلسكم وأسمع حواراتكم وأتلذذ بجمال اللقاء كمن هو حاضر بينكم تماما. وإنني إذ أعلم حفاوتكم الكبيرة بإخوانكم الوافدين كحفاوة الأنصار بالمهاجرين فإنني أضع بين أيديكم وبين جوانحكم أمانة هي سبب من أسباب التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة الذين فرقت بينهم المسافات الزمنية والجغرافية… مجلة حراء… ذلك أن الكلمة المكتوبة لم يزل لها شأنها الذي جعله الله لها ولن يزال أبدا، يجدد التاريخ ويستأنف سير الحضارة، لا ينافسها في ذلك شيء، مهما تطورت وسائل الإعلام الجديدة، إن الكلمة جزء من قدر الله العظيم، تفعل فعلها بأمره سبحانه، فلا يهزمها شيء ألبتة مذ حكم جل جلاله بذلك في قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾(القلم:1)، وما مجلة “حراء” إلا قبس من نور القرآن الكريم، كتاب الله الجامع لهذه الأمة، الرابط لها بأصلها، والضامن لوجودها حاضرا ومستقبلا.

إن العالم الإسلامي -كما تعلمون- قد مزقته الرياح والجراح في كل مكان، فلا قطر منه إلا وهو يعاني من نزيف مستمر، لكننا واثقون بوعد الله العظيم في أن الآلام تلد الآمال، وإن صلة الرحم وتجديد التواصل بين الأحبة والإخوة في كل مكان في هذا العالم لهو السبيل لبذر حبة الحياة في تربة أمتنا، عسى أن نستنبت شجرة لشرايين الحياة فيها.

هذا، وإننا لنقدم مجلة حراء بادرة لبدء السير في هذا المسعى المبارك وفتح ثغرة في الطريق المسدود، وإننا لموقنون بذلك، لأن كلمة الله سبقت بقضائه نصرة لرسله وأتباعهم إلى يوم القيامة، ذلك أنهم أخلصوا في السعي إلى رفع ألوية المحبة والسلام ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾(الصافات:171-172).

بارك الله في مجمعكم.. وزكّى حواراتكم.. وجعل كل كلمة من كلماتكم الطيبة ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾(إبراهيم:24-25).والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.