إن الناظر إلى حال الزمان وأهله، لا يلبث أن يشاهد عيانًا أن التخبط قد بلغ ذروته على كل صعيد من واقعنا المعاصر، وفي كل الساحات. زاد الطين بلة، أن سحر الزمن الجديد- أعني الإعلام بكل تلاوينه- قد دخل على الخط بكل ثقله اختلط الأمر على الناس، وخصوصًا تلك الأوساط العديدة منهم والتي تواطأ أهل الاستعلاء على نعتها بالعامة أو بالعوام صفوف المطحونين المسحوقين، عبيد الخبز الكادحون سحابة يومهم ونجمة ليلهم فقط كي يبقوا على قيد حر، قيد الحياة…خذ أي موضوع وحاول أن تفهم ماذا يعني في عمقه وماذا يجري فيه أو يراد منه وبه، عبثًا ستضيع وقتك هدرًا.. وللأسف الشديد، طال هذا الوباء الفتاك حتى منظومة الدين ورجال الدين، دعاة وعلماء ومربين.. وهنا مربط الفرس! فالدين في مجتمعاتنا هو أس أساس كل شيء، فمنه القيم والأخلاق العامة تستمد، ومنه تشرب شعوبنا نسغ الحياة وماءها. تكاد لا تجد ناديًّا إلا وأهله ينقسمون إلى جماعات وفرق وأحزاب..بين السب والحب، بين السم والدسم..حتى افتتن الناس ولم يعودوا يعرفون أي واد في زمن الفتن يسلكون، وأي مصباح لإضاءة قطع هذا الليل الأليل يوقدون.. أين ننشد السلامة يا قومي!؟.

قبل سنوات وأنا أتابع برنامجًا ثقافيًّا مميزًا كان يبث على قناتنا الوطنية، وردت عبارة في سياق آخر تمامًا عما نحن بصدده. كان الشاعر الضيف يتحدث عن صديق له، صار يكتب ما اسماه الشعر الصافي. وهو ضرب من ضروب الشعر المتحرر من ضغط التاريخ، كانت هذه العبارة كافية كي تشعل مصابيح قلبي تباعًا.. فصحت صدقت يا رسول الله، صلى عليك الله: الحكمة ضالة المؤمن.. مباشرة وقع بقلبي هذا المعنى.. كيف نرتقي إلى نمط التدين المتحرر من ضغط التاريخ!؟ أي كيف نعيش تدينًا صافيًّا خاليًّا من ضغط المحيط الاجتماعي الثقافي البائس، أعرف استحالة الحياد وبأنه لا أحد يكتب على البياض أو يتحرك في مساحة خالية من اشتباكات وتقاطعات. لكن ما قصدته هو تدين يكون مرتبطا فقط بسمائه، بنبعه الصافي العذب..أي بما كان عليه الأمر أول الأمر، وبدأت أبحث عن قوم يكون ذاك حالهم، والرب الغفور ذو الرحمة لم يتخل عني، بل كان دليلي وأنار سبيلي، فبعد مدة قصيرة، غيرت منظاري فتوجهت إليهم أنظاري.. إنهم أهل السلامة في أيامنا! أهل الله، تراهم ثابثين كأنما الزمن واقف ساكن لا يتحرك، قوم وجوههم في تاريخنا كالأقمار، منارات الهدى والخير توازن وتوفيق لفرط إدهاشه لا أرى له مصدرًا إلا الله.

كيف لا وهم تمنطقوا بالعلم وتعمموا بالحزم ولبسوا حلة الحلم..لينون لا يعصرون وفي صلابتهم لا يكسرون، توسطوا في كل لمحة ونفس، على منهج مقدس، فهموا دقائق رقائق معنى: اللهم أنت السلام ومنك السلام.. سلكوا بمن تعلق بهم سبل السلام على مدى الأيام. ديدنهم همة ونظام في سكينة وإقدام..فاعلون لا منفعلون! في الخير مؤسسون، إلى كل فتنة لا ينساقون، وعلى المصالح لا يتهافتون، لربهم ذاكرون وعلى زمنهم شاهدون، شعارهم: ألا من كان بالله حاز رضا مولاه.. عرفوا فلزموا والتزموا، وألزموا من جاء يقصدهم، جاعلين لقاء مولاهم دار الأمل.

Leave a Reply

Your email address will not be published.