إجادة التصوير ترجمان سعة المخيال، ومعيار رحابة أفق المبدع، به تُكتَسب شاعرية الشاعر، وبلاغة المترسل، وخطابة المتكلم…، ولئن اتفق شعراء العرب على ضروب من التصوير، وصنوف من التخيّلات – قصدًا أو طوعًا-؛ تبدّتْ بجلاءٍ في مواضيع تشاركت فيها مخيّلتهم؛ إلا أن لشعراء التصوف فيها ترميزات خاصّة، وإشراقات متميزة، وومضات متوهجة منزاحة عن المعتاد.

إن الصورة الشعرية لدى الشاعر الصوفي ترتقي لتعبر عن رؤيا داخلية من خلال تجربة سلوكية روحية تنطلق من العالم المادي، وتترقى من حال إلى حال سعيًّا وراء الفناء الروحي والانعتاق من سجن المادة. 

إن الصورة الشعرية لدى الشاعر الصوفي ترتقي لتعبر عن رؤيا داخلية من خلال تجربة سلوكية روحية تنطلق من العالم المادي، وتترقى من حال إلى حال سعيًّا وراء الفناء الروحي والانعتاق من سجن المادة. إنها صورة واقعية تكشف عن الأصلي والجوهري، لكنها في الوقت نفسه تنفلت من الواقع الملموس، حيث إنها تشير إلى ما يتجاوزه، وهي في ذلك ليست وصفًا بل هي ضوء يخترق ويكشف”، ويجسد كوامن النفس ولواعجها.

وبهذا المنظور تمسي الصورة في الشعر الصوفي صورة روحية ذوقية لا تدرك بالحواس ولا بالعقل، وإن كانت تتوسل بألفاظ لغوية مألوفة في الكلام البشري، هذه الألفاظ تحيل إلى مدلولات عالم التصوف بأسراره الروحانية ومعارفه الربانية، يتم إدراكها بتأويلها وفق سياقها الصوفي؛ لتتبوأ مكانة جديدة تختلف نسبيًّا عما علق بها من تصوّر في نقدنا القديم.

ولنعطف توًّا على حال الصورة الشعرية على المستوى التطبيقي؛ لنتبين وجوه الاستعمال الفني لدى شعراء التصوّف، منطلقين من ثلاثة نماذج نزعم أنها الأشد شيوعًا لدى شعراء هذا التيار، وهي:

– صورة الحب والحرب.

– والطبيعة.

– ثم الخمر.

صور الحب والحرب

استعان الشاعر الصوفي مقوماتِ الحرب ومخلفاتِها النفسيةَ والجسميةَ الأليمةَ، ليعكس فعل الحب والتعلق بالمعشوق على بدنه وروحه فِعْلَ الحربِ بالمتنازعين.

لقد وجد هذا الشاعر في عُدّة الحرب من سهام ونبال ونِصال وسيوف ونيران ملتهبة، وفي مخلفاتها من جروح وعلل وعاهات، ضالّتَه لتصوير المعاناة الشديدة التي يتكبدها والحرقة التي يحياها؛ لجامع العذاب والألم في طرفيْ الصورة: عذاب الحبّ والتعلق بالمعشوق (الحق)، وألم الحرب وويلات العراك، وذلك بسبب وقوع هذا الشاعر تحت سلطان الحب، وما يثيره الجمال الساحر للمحبوبة في قلبه من أشواق ملتهبة وعواطف حارة وحنين متجدد، ولم يكن عشق الصوفي وتعلّقه شأنَ عشقِ النساء؛ ولكنه حب من نوع آخر. إنه ارتباط روحي ووجداني بالحق، وتمسّك خارق بالذات الإلهية، وليس ما تختزنه أشعار المتصوفة من تغزّل، وما تحتويه من تشبيب بالنساء، ووصف للمفاتن وأوجه الجمال والجلال، إلا ترميز باطن للمحبة بمعناها الصوفي، بحيث تتلاشى أبدان وأرواح المخلوقات لتحلّ الأنوار الإلهية والمعارف الربانية، فتتجلّى كالطود يتواجد معها الصوفي حدَّ التماهي، ويتمازج وإياها درجةَ الحلول.

استعان الشاعر الصوفي مقوماتِ الحرب ومخلفاتِها النفسيةَ والجسميةَ الأليمةَ، ليعكس فعل الحب والتعلق بالمعشوق على بدنه وروحه فِعْلَ الحربِ بالمتنازعين.

لقد أجمع المتصوفة على معشوق واحد، محبوب فرد صمد، لا يشاركه في هذه العاطفة شيء، وهو الله جل جلاله. وهذه الحقيقة وصفها العارف بالله الحلاج في قوله:

أحرفٌ أربعٌ بها هامَ قلبي *** وتلاشت بها همومي وفكري

ألفٌ تألف الخلائق بالصَّفْــ *** ـحِ ولامٌ على الملامة تجري

ثم لامٌ زيادة في المعاني *** ثم هاءٌ بها أهيمُ وأدري؟

والألف واللامان والهاء ملفوظ اسم الجلالة: الله (جل جلاله)، ومن هذا التهيام قول رابعة العدوية متعشقةً:

مَنْ ذاقَ حبَّكَ لايزال متيَّما *** فَرَحُ الفؤاد متيماَ بلبالُ

مَنْ ذاقَ حُبَّكَ لا يُرى متبسِّما *** مِنْ طول حُزنٍ في الحشا إشعالُ

والإشعال والاشتعال من متعلقات الحروب ونيرانها المتلظية التي تأتي على أسباب الحياة.

ومما استند فيه شعراء التصوف إلى معجم الحرب لبناء صورهم الفنية العاشقة قول الكتاني

وكم طرحتنا مقلة الحرب بغتة *** فصرنا أحاديثاً بألسن سوقتي

فتقلبات العين في معرض الحديث عن معجم الشر تقابلها شرور الحرب وويلاتها. فالمشابهة في الاستعارة هنا ملائمة.

ومن ذلك قول ابن الفارض:

يا راميًّا يرمي بسهم لِحاظه *** عن قوس حاجبه الحشا إنفاذا

فبنى صورة قاتلة فاتكة على استعارة السهم للحظ، من جهة، والقوس للحاجب، من جهة أخرى؛ إبانةً عن فعلِ نظرة المحبوب في حشا المحب، فِعْلَ السهم المنطلق من قوسه في جسد الهدف.

وشبيهه مما يصور قوة نظرة المحبوب وآثارها في المحب قول رابعة:

حسْبُ المحبِّ من الحبيب بعلمه *** أنَّ المحب ببابه مطروحُ

والقلبُ فيه إن تنفَّسَ بالدجى *** بسهام لوعات الهوى مجروحُ

وفي هذه الصورة ترميز إلى تعلق الشاعر بالمحبوب، وأثر هذا التعلق على قلبه الهائم بهواه، فالصورة غارقة في الرمزية جريا على عادة شعراء التصوف.

إن تحرير الروح من قيد الجسد المحبوسة فيه واجب لأن الصوفية لا يدركون الحقائق ولا ينعمون بالقرب من المحبوب “الحق” بأجسامهم بل بأرواحهم، فيتركون هياكلهم في هذه الأرض الدنيا ويتجردون، والتجريد عند الصوفية هو إماطة السوى والكون عن السر والقلب.

لذلك نجد هذا النوع من الصور، الذي يشخص فناء أجسامهم وذوبانها، مطردًا في أشعارهم. وهي صور يستدل بها على المجاهدة والمكابدة لإزالة الحظوظ البشرية المانعة من تحقيق القرب من المحبوب والدنو منه للفناء فيه والبقاء به روحيا.

صور الطبيعة

على هدي الشعراء العرب القدامى؛ عمد شعراء التصوف إلى عناصر الطبيعة في هدوئها وسكونها لاستمداد صور تعكس خباياهم، وتجلّي أسرار مواجيدهم. ومن تلك العناصر ما هو نوراني (الشمس، الكواكب، النجوم، النهار، الليل…) ونباتي (الزهور، الأشجار، الثمار…)، ومائي (البحر، المطر، السحاب…)، وحيواني (الظبي، المهاة، الشاذن، الحمام…)

ومما اطرد منها في شعرهم؛ تشبيه المحبوبة بالبدر والشمس لبيان إشراقها وعلو مكانتها. نحو قول ابن الفارض:

هي البدرُ أوصافا وذاتي سماؤها *** سَمَتْ بي إليها همّتي حين هَمَّتِ

وقول الحلاج:

طَلَعَتْ شمسُ مَن أحبُّ بِلَيلٍ *** فاستنارتْ فما لها مِن غُروبِ

إنَّ شمسَ النهارِ تغرب بالليـ *** ـلِ، وشمسُ القلوب ليسَ تغيبُ

فخفّى الشاعر شمس الظاهر التي يعلمها الناس ويألفها الجميع، بشمس الباطن التي تتوهج في دواخل العارفين، ومدارج السالكين، وهي شمس لا تغيب مطلقا ولا تخضع للتعاقب الزمني بين الليل والنهار على المعتاد المألوف. وفي ذلك تصوير تفتقت له ذائقة الصوفيين.

وقوله أيضا:

يا شمسُ، يا بدر، يا نهار *** أنت لنا جنة ونار

وقول الكتاني:

فُتِنـْتُ بشمس الحســن لمـا تسـترت *** بشمس لهــا منها عليها حجــاب

وما ثم من يقوى لقرص شعاعهـــا *** كفاحـــا علــى أن ليس ثَمّ نقــاب

فتتجلى استعارة الشمس للحقيقة بجامع التوهج والوضوح في كل. حيث نزلها الشاعر منزلة المرأة الحسناء التي كشفت النقاب عن وجهها فتجلى ساطعًا نيرا مشعًا.

وقول محي الدين ابن عربي:

إذا طلعَ البدرُ المنيرُ عشاءً *** رأيتَ لهُ في المحدثاتِ ضياءَ

وليسَ لهُ نورٌ إذا الشمسُ أشرقتْ *** وقد كان ذاك النورُ منه عشاءَ

فما النورُ إلا من ذكاءٍ لذاكَ لمْ *** يكن يغلب البدرُ المنير ذكاءَ

الخمرة لدى شعراء التصوف رمز الوصل ودليل المحبة، ينعم بلذتها الواصل عندما ترفع المحبوبة (الحق والمثال) الحجاب عنها، بعد ارتقاء مقامات وأحوال، فيرتوي من خمرة محبتها وجمالها، ويسكر سكرًا روحيًّا

وهذه الصور وإن بدت سطحية؛ إلا أن باطنها يعكس مخيالاً خلاقًا يعبر عن واقع الشاعر النفسي وحاله الوجداني، فالشمس والبدر رمز لتجلي الأنوار الإلهية التي تغمر قلبه ووجدانه بالنور وتمحو ظلمات نفسه وأدرانها، ولقد شبهها بالشمس أو البدر، والأولى أعظم نورًا لتصوير حال شعوري.

صور الخمر والسكر

الخمرة لدى شعراء التصوف رمز الوصل ودليل المحبة، ينعم بلذتها الواصل عندما ترفع المحبوبة (الحق والمثال) الحجاب عنها، بعد ارتقاء مقامات وأحوال، فيرتوي من خمرة محبتها وجمالها، ويسكر سكرًا روحيًّا نشوته لا تضاهي السكر من الخمرة الأرضية وإن كان بينهما شبه في الأحوال.

والخمرة لدى أهل التصوف مراتب، أولها الذوق ثم الشرب ثم الارتواء. “فصاحب الذوق متساكر، وصاحب الشرب سكران، وصاحب الارتواء صاح، ومن قوي حبه تَسَرْمَدَ شربه، ومن صار الشراب له غذاء لم يصبر عنه ولم يبق بدونه، وأنشدوا:

إنما الكأس رضاع بيننا *** فإذا لم نذقْها لم نَعِشِ”

إن خمرة أهل التصوف ترتقي بهم درجةَ المجد، وتسمو بهم نحو مقامات التواجد. وفي ذلك يقول العارف بالله عبد القادر الجيلاني

سقاني حبيبي من شراب ذوي المجدِ *** فأسكرَني حقا فغبتُ على وَجدي

وأجلَسَني في قابَ قوسين سيّدي *** على مِنبر التخصيص في حضرةِ المجدِ

فصورة الخمرة بهذا المنظور تنزاح عن صورتها لدى عامة الناس، بحيث تضع الأولى شاربَها في الدرك الأسفل، وترفع الثانيةُ ساقيها إلى مصافّ أهل الله العارفين به.

إن التجاذب على الغوثية والقطبية في مراتب الصوفيين يقود طوعاً إلى التجاذب بشأن شاربِ الشربة الأولى حتى الثمالة والفيض، وشاربِ البقية وما فَضُل، وتتبدى هذه الصورة الخمرية التي ترتبط بالمراتب الأولى في قول عبد القادر الجيلاني:

فما شَربَ العُشَّاق إلا بقيّتي *** وفَضْلَةُ كاساتي شَربُوا بعدي

أنا البدر في الدنيا وغيري كواكب *** وكل فتى يهوى فذلكُمُ عبدي

وفي قوله كذلك:

وَأَديروا الكُؤوسَ بين النَّدامى **** فجميعُ الأنامِ سَكْرى بِحالي

وقوله أيضا:

شَرِبتُمْ فَضْلَتي مِن بَعْدِ سُكْري *** ولا نِلْتُمْ عُلُوِّي واتِّصالي

مَقَامُكُمُ العُلا جَمْعاً ولكنْ *** مَقامي فوقَكمْ مازالَ عالي

فالخمرة مقياس التعالي والولاية، ومن ثملَ أكثرَ استولى أكثر، ومن شرب البقية مُلزم بالتبعية والولاء للمرتوي أولاً.

ومما يعده المتصوفون منهلا للشرب، وموردا للاختمار، لَحْظُ الحبيب وفوهُ ومحياه وطلعته جملةً، وفي هذا الشأن يقول ابن الفارض:

مِنْ فيه والألحاظِ سُكْري بل أرى *** في كل جارحةٍ به نَبَّاذا

فنزّل الشاعر ذات المحبوب جملةً مصدرا من مصادر السكر والاختمار عن الصحو، فالفم واللواحظ والجوارح كلها مُختَمَرٌ ومشربٌ مسكِر. ”

ومثله قول الكتاني:

سكرت، ولكن من محيا جمالها فطلعتها سكري ككاسات خمرتي

فشبّه تأثير طلعة المعشوق وجماله الآسر بتأثير كاسات الخمر على المخمور. والجمال يرى لحظا، إلا أن جمال الكتاني المتصوف يدرك قلبا بعد تجرده من حظوظه الدنيوية؛ لأنه جمال إلهي يتعالى على الحس والمادة؛ فالسكر به يمحو كل ظلمة ويذيب كل همّ، ويذيقه نشوة وطربا ينقله من حال الوجود إلى حال الفناء الذي يحقق له السمو والكمال.

إنها صور فنية حية اعتُمد في تكوينها على رمز الخمرة، ورتب أجزاءَها خيال مبدع وعاطفة قوية فأسفرت عن دلالات تنتمي إلى عالم صوفي يتصف بالروحانية والخفاء، وغالبا ما تتفاعل مع غيرها من الصور الموضوعية صور الحرب والهلاك، صور الطبيعة بعناصرها المختلفة، صور المرأة، داخل القصيدة الواحدة لتكوين صورة كلية تعبق بأنفاس الوجدان وحرارة التجربة.

دكتور/ عبد الكريم الرحيوي المغرب

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.