إحدى ميزات التصوّر الإسلامي للكون والحياة والوجود، أنه ينطوي على طبقتين تقوم إحداهما على الأخرى: المغيّب والمنظور، اللامرئي والمرئي، عالم الغيب وعالم الشهادة، الميتافيزيقي والفيزيقي.
ولقد أكدت الكشوف الفيزيائية والكوزمولوجية الأكثر حداثة، العمق الغيبي للظواهر الطبيعية الكبرى، وكيف أن العالم المادي لا يعدو أن يكون مجرّد قشرة سريعة الانكسار. فبعد تفجير القنبلة الذرية، ومن بعدها الهيدروجينية والنيوترونية تأكدت هذه الحقيقة، وأن ما وراء القشرة الهشة، تحتها تمامًا على بعد خطوات منها، مخفية عن العيان، ومنطوية على عالم الغيب، قوى هائلة تفوق التصوّر، وتؤكد الحقيقة القرآنية التي طالما أشار إليها كتاب الله من أن عالم الغيب أشدّ ثقلاً وحضورًا من العالم المشهود.
والظاهرة لا تقتصر على الغيب الفيزيائي وحده -إذا صحّ التعبير- ولكنها تمتد لكي تشمل الخلائق كافة، والقوى والطاقات الهائلة التي ينطوي عليها الكون، مرورًا بالملائكة والجان، ووصولاً إلى كلمة الله التي إذا أرادت شيئًا فإنما تقول له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.

العقل البشري
العقل البشري الذي لا يزال -رغم كشوفه المدهشة- طفلاً يحبو عند حافات الكون، لن يكون بمقدوره إدراك ما تعنيه كلمة “الغيب”، وما تنطوي عليه من قوى خلاّقة هائلة غير محدودة.
هايزنبرغ، وشرودنجر، وأينشتين، وماكس بلانك، والفيزيائيون، والكوزمولوجيون الذين جاؤوا بعدهم، فتحوا في القشرة المنظورة ثغرات ضيقة جدًّا فرأوا الأعاجيب، وكانت القنبلة الذرية واحدة من ثمار هذه الأعاجيب… ترى، ماذا لو رفع الغطاء كله؟ ما الذي سنراه؟

النفس البشرية وعلم الإنسان
“ألكسيس كاريل” في “الإنسان ذلك المجهول” -ومن أجل تأكيد عجز الإنسان، ونسبية معرفته عن معجزة العقل، وطرائق عمل الدماغ البشري- يؤكد بأن العلم الطبيعي إذا كان قد أوغل في كشوفه، وقطع المسافات الطوال بخصوص الظواهر الطبيعية، فإنه يكاد يحبو ويتعثر في فهمه لخبايا النفس البشرية… يقول: “إننا بتعلمنا سرّ تركيب المادة وخواصها، استطعنا الظفر بالسيادة تقريبًا على كل شيء موجود على ظهر البسيطة فيما عدا أنفسنا… إن علم الكائنات الحية بصفة عامة -والإنسان بصفة خاصة- لم يصب مثل هذا التقدم… إنه لا يزال في المرحلة الوصفية… فالإنسان كلٌّ لا يتجزأ وفي غاية التعقيد، ومن غير الميسور الحصول على عرض بسيط له، وليست هناك طريقة لفهمه في مجموعه أو في أجزائه في وقت واحد… فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة. وواقع الأمر أن جهلنا مطبق، فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب. إن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة، ونحن لا نملك أي فن يمكننا من النفوذ إلى أعماق المخ وغوامضه، أو إلى الاتحاد المتناسق بين خلاياه. وعلينا أن ندرك بوضوح، أن علم الإنسان هو أصعب العلوم جميعًا”.
بل إن الفيزيائيين الكبار الذين أشرنا إليهم، كشفوا عن حقيقة أخرى؛ أنه حتى الكشوف الفيزيائية المتعاملة مع المادة والطاقة والضوء والكتلة، لم تبلغ حافات اليقين، وأن نسبة الاحتمال فيها كبيرة وكبيرة جدًّا، وأنها تنطوي على أعماق غائرة مغيّبة عن الأنظار، وعن أكثر الأجهزة التقنية قدرة على الكشف والإيغال.
ومن الواضح كما يقول “سوليفان”، أن حقيقة كون العلم مقصورًا على معرفة البنى وليس الماهيات، هي حقيقة ذات أهمية إنسانية عظيمة لأنها تعني أن مشكلة طبيعة الحقيقة لم يبتّ فيها بعد، ولم يعد يطلب إلينا الآن أن نعتقد بعدم وجود مقابل موضوعي لاستجابتنا للجمال… إن تطلعاتنا الدينية وحسنا الجمالي، ليسا بالضرورة ظواهر وهمية كما جرى الافتراض في السابق(1).

عالم الشهود
ما الذي نخلص إليه من هذا العرض الموجز سوى أن عالم الشهود لا يعدو أن يكون بقعًا صغيرة ومنحسرة في البنية الكونية، وهو كذلك في النفس البشرية بتقلباتها التي لا حدود لها، وبطرائق عمل الدماغ البشري، حيث لا يبدو في معظم الأحيان سوى الخمس من كتلة الجليد العائمة، بينما تظل الأخماس الأربعة الأخرى مغيبة عن الأنظار باعتبارها عالمًا غيبيًّا.
أربع وخمسون مرة ترد كلمة “الغيب” باشتقاقاتها المختلفة في كتاب الله، مما يدل على الثقل الكبير والحضور المؤكد اللذين أولاهما القرآن الكريم لعالم الغيب، بل إن نقطة الارتكاز الأساسية في الإيمان، والتي وردت في الآية الثالثة من سورة البقرة، هي الإيمان بالغيب: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾(البقرة:1-3).
بعدها تتوالى الآيات لكي تعرض الحقيقة الغيبية وتتعامل معها، من أكثر من زاوية وعلى أكثر من مستوى.
لن يتسع المجال لإيراد الشواهد الكثيرة على تداخل ظاهرتي الغيب والشهود في البنية الكونية والإنسانية، ولذا سيتم الاكتفاء بثلاثة منها قد تغني عن المزيد:
سوليفان: “لقد أصبح العلم شديد الحساسية ومتواضعًا نسبيًّا، ولم نعد نلقن الآن أن الأسلوب العلمي هو الأسلوب الوحيد الناجح لاكتساب المعرفة عن الحقيقة. إن عددًا من رجال العلم البارزين، يعبّرون -بمنتهى الحماس- على حقيقة مؤداها أن العلم لا يقدّم سوى معرفة جزئية عن الحقيقة، وأن علينا لذلك أن لا نعتبر أو يطلب إلينا أن نعتبر كل شيء يستطيع العلم تجاهله، مجرد وهم من الأوهام”(2).
أينشتين: “إني أدين بالتبجيل كله، لتلك القدرة العجيبة التي تكشف عن نفسها في أضأل جزيء من جزيئات الكون”(3).
ألفرد كاستلر: “إننا كلما أوغلنا في دراسة المادة، أدركنا أننا لم نعرف عنها شيئًا… فسوف يظل دائمًا شيء مخفي عنا”. ثم وصف متاعبه في استمرار البحث بالقوانين المعروفة، إذ اكتشف أنه بعد التوغل إلى أمد بعيد، توقفت القوانين عن العمل، وأنه دخل مرحلة لم تعد تسري فيها هذه القوانين الطبيعية المعروفة في الأرض، مما جعله يسأل نفسه: “أترى علم الفيزياء الذي نمارسه في الحقيقة ليس علمًا واحدًا؟ أي أنه يوجد علمان كل منهما يعمل مستقلاًّ عن الآخر: علم للمرئيات وعلم للمخفيات… أو بعبارة أخرى: علم للمحسوسات أو لهذه الدنيا، وعلم فيزياء آخر لغير المحسوسات، أي لغير دنيا البشر، أي للآخرة، وكل منهما له قوانينه الخاصة التي لا تسري إلا على عالمه”(4).

الإنسان والتركيب والثنائي
والإنسان نفسه، امتداد لهذا التركيب الثنائي المدهش حيث الشعور واللاشعور، والوعي واللاوعي، والحسّي والوجداني، والمادي والروحي… وتجيء الرؤى والأحلام لكي تعكس جانبًا من هذا التركيب، وتشكل حلقة من حلقاته المعقدة المتشابكة. وكان على النقاد وهم يتعاملون مع النصّ الإبداعي الذي يعكس الهم الإنساني، بطبقاته كافة أن ينتبهوا إلى هذا، ولكن شريطة ألاّ يذهبوا بعيدًا باتجاه أحد المكونين، فيشط بهم النوى، ويضحى -بذلك- بالعديد من الحقائق. وعلى سبيل المثال، فإن الواقعيين، والواقعيين الاشتراكيين بشكل خاص، التصقوا بالحسّي المباشر المنظور أكثر مما يجب، فأغفلوا “العمق” الذي تنطوي عليه الخبرة البشرية. وعلى العكس تمامًا، أوغل السرياليون فيما يسمّونه هم سراديب الظلام والدجنة في لاواعية النفس البشرية، فبعدوا كثيرًا عن تحليل الأبعاد الحقيقية والواقعية للخبرة.
ويجيء الناقد المسلم لكي يعيد الأمور إلى نصابها، والميزان إلى وضعه الحق، فلا يغفل عن أية مفردة من هنا أو هناك، ويلاحق أية خبرة في عالم الغيب أو الشهادة على السواء.
إن الدكتور علي كمال الدين -ومنذ زمن بعيد- عرف كيف يضع هذه الحقائق نصب عينيه، وأن يمسك جيدًا بأحد المفاتيح الضرورية للدخول إلى النص واكتشاف مكنوناته ورموزه وأسراره، من خلال ما اصطلح عليه بتأويل الرؤى والأحلام.
إنه -بهذا- يضيف بُعدًا جديدًا للجهد النقدي في دائرة الأدب الإسلامي المعاصر، ويقدم إضاءة ضرورية قد تكتشف في دلالات النص الإبداعي ما يعين على المزيد من قراءة خباياه ومكنوناته… وهو قد نفّذ منهجه هذا مع العديد من النصوص الشعرية والروائية… وبغض النظر عن مدى مصداقية النتائج التي توصّل إليها، فإن المحاولة تستحق المجازفة حقًّا، لأنها في بدء التحليل ونهايته، تمثل إضافة ذات قيمة بالغة للجهد النقدي الذي يستهدف التحقّق بمقاربة أشد للنص.
وهنا -كما في كل الخبرات الأخرى- علينا أن نتذكر كيف أنّ التصوّر الإسلامي، يتعامل مع الظواهر والأشياء برؤية شمولية تدير كاميرتها على كل “الحالات” في إيجابها وسلبها على السواء، إنه يرفض الرؤية الأحادية، ويمسك بالعصا من أوسطها إذا صحّ التعبير. فها هنا في مجال ما يراه النائم، لا يزكي كل المرئيات ويتقبلها على عواهنها، كما أنه من جهة أخرى لا يرفضها وينفيها. إنه يصنفها -ابتداء- إلى رؤى وأحلام؛ في الأولى قد تتأكد الدلالة وتتكشف الترميزات في واقع الحياة اليومية، أما في الثانية فهي مجرّد أضغاث -كما يسميها كتاب الله- تنطوي على الكثير من الفوضى والتناقض، وتعكس مخزونات اللاواعية البعيدة عن العقلانية وربما المناقضة لها، فلا تكاد تومئ بشيء ينطوي على القدرة على التحقّق في واقع الحياة.
في الحالتين يمكن للناقد -كما يمكن لعالم النفس- أن يسبر غور الرؤيا والحلم، هذا للكشف عن دلالات النصّ الإبداعي، وذاك لإضاءة تعقيدات النفس البشرية وأغاميضها.
يختار علي كمال الدين في بحثه الموسوم “شعرية السرّ المخفي في الثعابيني عنوانًا”، رواية للأديب السوري “عبد الله عيسى السلامة” تحمل عنوان “الثعابيني”، وهي بدءًا من عنوانها هذا، تغري باللجوء إلى تفسير الرؤى والأحلام، لأن للثعبان شأنًا لدى المفسّرين، وطالما انطوى (العنوان) لدى علي كمال الدين على أهميته البالغة، باعتباره البؤرة التي تلّم أشعة العمل الفني، والمفتاح الذي لا يمكن -بدونه- الولوج إلى خفايا العمل، ودلالاته المنظورة والمخفية. ولذا هو يقف طويلاً عند العنوان والتسمية، في بعدهما التاريخي، وفي دلالاتهما المعرفية، ويرى “أن عنوان القصيدة أو الرواية إنما هو مفتاح الدخول إلى عالمهما”، ويحلّل طبيعة الارتباط بين العنوان ومطلع القصيدة الذي أولاه الشعراء الأوّلون أهمية بالغة.
ثم ما يلبث أن يلج إلى رواية “الثعابيني”، لكي يتابع ما الذي ينطوي عليه العنوان في دلالته اللغوية والقرآنية، ويقف طويلاً عند دلالته في تعبير الرؤيا، مستضيئًا بمعطيات جملة من المصادر والمراجع: التفاسير القرآنية، كتب تفسير الرؤى والأحلام، المعاجم اللغوية، كتب الأدب، دواوين الشعر، والدراسات الأدبية والنقدية والفلسفية المعاصرة، لكي ما يلبث أن يخلص إلى القول بأن “رواية “الثعابيني”، رؤية مختصرة مكناة تنطوي على حكمة السياسة والعبرة، فهي إنذار لكل ثعابيني بأن مصيره أن يطاح به على يد أبناء شعبه، أو على يد ثعابيني آخر يحلّ محله. فالسياسة في نهاية الأمر، لعبة لا تخلو من التقلبات كتقلبات الأفعى، وتنطوي على الكثير من الزحف والتلّون والسموم. وفي الرواية بشارة أيضًا بأن للشعوب أن تتخلص من طغاتها وحكامها المستبدين، فإن في جواهر مرئيات رؤيا الثعبان الحكمة والأنباء المضمرة المكناة التي كشف عنها المعبّرون. وهو يتساءل في نهاية المطاف: “هل نستطيع القول أن عنوان الرواية يمثل منبثقًا للظلام والظلم الذي انبثق من طغيان الحاكم المستبد التابع، الذي قام وصفه على التضاد الرهيب بين دلالتين في خلقه؛ دلالة لين الملمس وزهو اللون بين يدي سيده، فإذا انقلب إلى شعبه، فليس سوى دلالة السمّ والناب والموت؟”.
إنها مقاربة مقنعة لدلالات النص الإبداعي، وإضافة أداة نقدية أخرى إلى أدوات الجهد النقدي تستهدف التحقق بإضاءة أشد نفاذًا إلى خفايا النص ومكنوناته، هذا فضلاً عن أن المحاولة تنطوي على منح خصوصية أكثر للناقد المسلم، ليس فقط بتجاوزه الحسّي المنظور إلى ما وراءه من عالم الغيب، وإنما -أيضًا- باستدعاء وتوظيف خبرات الآباء والأجداد في مجال تفسير الرؤى والأحلام، فيما لا نكاد نجده بهذا القدر من الخصب والنفاذ لدى الأمم الأخرى.
إن هذا -مرة أخرى- سيفتح الطريق واسعًا متشعبًا لإعادة قراءة العديد من النصوص الإبداعية التي تعامل معها النقاد من زوايا شتى، ولكنهم أغفلوا هذه النافذة التي عرف علي كمال الدين كيف يلج منها، لكي يقدم لقارئه مقاربة أشد نفاذًا لمكنونات النص.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
(1) حدود العلم، د.م.، بيروت ، الدار العلمية 1971م، ص:39-40.
(2) حدود العلم، د.م.، بيروت ، الدار العلمية 1971م، ص:32-33.
(3) ينظر: الأحاديث الأربعة، لتوفيق الحكيم، القاهرة، مكتبة الآداب 1983م، ص:27.
(4) ينظر: المرجع السابق، ص:28، نقلاً عن كتاب كاستلر: المادة هذا المجهول.

Leave a Reply

Your email address will not be published.