لقد سخر الله تعالى للإنسان الأرض وما تحتها وما فوقها؛ لتوفير ما يلزمه من غذاء وشراب وملبس ودواء، وجعلها صالحة لمعايش الناس، وهذه من نعم الله؛ الذي صنع كل شيء فأحسن التقدير، يقول الله تعالى: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)(النمل: 88)، وهذا يوجب الشكر من العباد. يقول الله سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ)(الأعراف: 10). ويعتبر تأمين الاحتياجات من الدواء من موجبات الحياة واستقرارها على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والأمة.

ولكي يكون المنتج الدوائي نافعًا للإنسان وغير ضار، فقد استنبط فقهاء المسلمين الضوابط الشرعية من مصادر الشريعة الإسلامية في مجالات الإنتاج والتسويق. ومن واجبات الإنسان سواء أكان منتجًا أو متداولاً أو موزعًا أو مستهلكاً الالتزام بهذه الضوابط كي تكون أعماله عبادة وطاعة وامتثالاً لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي مجال تسويق الأدوية، فإن لفظ الدواء “Drug” يطلق على أي مادة لها تأثير علاجي أو وقائي، وهذه المادة قد تكون طبيعية في أصلها؛ مثل النبات أو الحيوان، أو دواء نصف تركيبي، أو تركيبي. وعادة تكون الأدوية في شكل مستحضرات، وتتنوع من محاليل بسيطة إلى أدوية مركبة مع بعض الإضافات.

وبالمفهوم الشامل؛ فإن المنتج الدوائي “Pharmaceutical product” هو المادة الفعالة أو العنصر العلاجي؛ كما سبق، بالإضافة إلى عناصر أخرى؛ مثل العبوة والتبيين والنشرة الداخلية، بما يؤدي إلى زيادة المنفعة من المنتج.

المنفعة عمومًا هي اللذة أو إزالة الإحساس بالألم، وفي مجال التسويق الدوائي؛ فإن المنفعة هي الفوائد التي تعود على العميل (الزبون) وهو الطبيب أو الصيدلي أو المستشفى، ويختلف أهمية كل منهم حسب دوره في وصف أو صرف مستحضر معين. وتعود المنفعة على المستهلك النهائي (المريض)؛ بإشباع الحاجة المتمثلة في إزالة الألم والشفاء والراحة.

إن تحويل الخصائص Features إلى ميزات ومن ثم إلى فوائد Benefits هو الأساس في الحصول على المنفعة. وتختلف الفوائد التي تعود على الطبيب والمريض من استخدام المستحضر. إن الأطباء عادة يهتمون بالفوائد أكثر من الخصائص، فمثلاً لا يهتم الطبيب بخاصية مسكن للألم كونه يتم امتصاصه بسرعة في الدم؛ ولكنه يهتم؛ إذا ذكرنا أن ذلك سيجلب فائدة للحصول على سرعة التخلص من الألم.

ولذلك فإن دور مندوب المبيعات التركيز على الفوائد أو المنافع التي ستعود أكثر على الطبيب والمريض أكثر من الخصائص.

إن زيادة المنافع من المنتج الدوائي تدخل ضمن المقاصد العامة للشريعة الإسلامية. وإذا كانت المقاصد العامة هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فإن ثلاثًا منها لها علاقة بصحة الإنسان وهي حفظ النفس والعقل والنسل. وحفظ النفس بالمفهوم الشامل؛ لا يكون بالقصاص فقط؛ بل أن القصاص أضعف أنواع حفظ النفس؛ ولكن يكون بحفظها من التلف، وبمقاومة الأمراض عن طريق المنتج الدوائي والعلاج.  كما أن حفظ العقل لا يكون بحد السُكر فقط، فكما أن القصاص أضعف أنواع حفظ النفس؛ فإن حد شرب الخمر أضعف وسائل حفظ العقل؛ ولكن حفظ العقل يكون بالتعليم ومقاومة الجهل، والجهل والمرض لا يختلفان، إلا بقصد توثيق العلاقة بينهما؛ وعندما يحدث هذا التآلف ينحدر المجتمع وتهوى الأسرة إلى الحضيض مما ينعكس على حفظ النسل الذي يعني بإنجاب الذرية وتكوين الأسرة.

وتتحقق المنفعة للطبيب وللمريض من المنتج الدوائي؛ كالآتي:

– مستوى عالي من الجودة.

– السعر المناسب. لا يشترط أن يكون هو السعر الأرخص، ولكنه السعر الذي يعظم القيمة.

– مستوى عالي من الأمان.

– ذكر الآثار الجانبية للدواء؛ ويجب أن تكون مقبولة.

– توفير مخزون من المنتج الدوائي يكفي طلب المستهلكين.

– توضيح المعلومات الصحيحة في التبيين، وفي النشرة الداخلية.

ومن الضوابط الشرعية مراعاة المنفعة التي تعود على المستهلك النهائي ومراعاة البعد الاجتماعي، وحاجة الفقراء. وفي ظل تلك الضوابط؛ فإن المنفعة لابد أن تتفق مع القيم والأخلاق. ولقد حدد رسول الله ﷺ الغاية الأولى من بعثته في قوله: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”(مالك). ويكون ذلك في مجال الإنتاج والتسويق، على مستوى شركة إنتاج الأدوية، وعلى مستوى الطبيب، ويكون ذلك أكثر التزاماً في حالة الأزمات والكوارث، بما يؤدي إلى زيادة القيمة لكل من الفرد والمجتمع والأمة ككل.

وبخصوص موضوع السعر أو النفقة التي سيتحملها المستهلك؛ فإن الثمن المرتفع أو المنخفض لابد أن يكون بالمقارنة بالفوائد التي يمنحها المستحضر، وهذا هو مفهوم القيمة. أي علاقة بين النفقات والفوائد.

إن القيمة من استعمال شيء تعتبر أكثر تعقيداً من فكرة المنفعة لأنها تشتمل على المجهود اللازم للحصول على المنفعة؛ أي العلاقة بين المنفعة والنفقات. وموضوع القيمة من الموضوعات الحديثة نسبياً في علم الاقتصاد؛ منذ ستينيات القرن الماضي. ومعناه حساب “النفقات والمنافع (Cost/Benefit)، وحينما يكون المقصود بالنفقات والمنافع من وجهة نظر المجتمع ككل يسمى حساب “النفقات والمنافع الاجتماعية (Social cost/Benefit). وفي تسويق الأدوية؛ فإن مقياس القيمة ينطوي على أسلوب الحكم على المنتج الدوائي؛ حيث يستخدم في وصف منتج دوائي معين بأنه ذات قيمة تبرر وصفه واستخدامه.

ولكي يتم حساب العلاقة بين (النفقات والمنافع) للحكم على القيمة لمنتج دوائي معين؛ يجب تحديد كل المنافع وتقييمها بأرقام وجمعها، وكذلك تحديد كل النفقات وتقييمها بأرقام وجمعها. ثم إيجاد نسبة مجموع النفقات إلى مجموع المنافع. فإذا زادت المنافع بالنسبة للنفقات يكون المنتج ذات قيمة.

ويوجد أصل تاريخي لعملية التقييم على أساس المنافع والنفقات، يعود إلى الأب الروحي لحساب المنافع والنفقات وهو المفكر الاجتماعي والقانوني البريطاني جيرمي بنثام (Jermey Bentham)  مؤسس مبدأ المنفعة (Utilitarianism) الشهير.

إن فكرة القيمة (النفقات إلى المنافع) تبدو لأول وهلة فكرة مقنعة، وربما بدت أيضاً أنها سهلة الحساب، ولكن الحقيقة أنها ليست سهلة. فحسابها يكتنفه الكثير من الصعوبات. وأهم الصعوبات تتمثل في حقيقة أن كثير من المنافع والنفقات غير قابلة للقياس.

وقد ترجع صفة (عدم القابلية للقياس) إلى طبيعة الظاهرة (أي النفقة أو المنفعة)، كما لو كانت النفقة أو المنفعة تتعلق بالمشاعر والعواطف لا بتكلفة مالية، مثل كثير من المنافع التي تتعلق بمشاعر إيجابية قد تعود على المجتمع بالخير من القضاء على وباء معين، أو التكاليف الناتجة عن تضحية الطبيب؛ على سبيل المثال؛ بعلاقات ود كانت تربطه مع شركة منتجة لمستحضر معين. أي أنه رغم أن هذه المعادلة قد تبدو بسيطة إلا أنها في الواقع العملي ليست كذلك.

على أن الأهم من الصعوبات التي تعترض قياس القيمة (المنافع والنفقات)، ما يكتنف عملية تقييم المنافع والنفقات من تحيزات. حيث لا يمكن تحديد قيمة المستحضر إلا إذا اتخذت قرارات تنطوي على التحيز لمصالح دون أخرى. ومهما كانت النتيجة النهائية لها صورة محايدة لها سمة العلم والموضوعية فإنها في الحقيقة، لابد أن تعكسها اعتبارات معينة لا تستند إلى العلم بل إلى ميول معينة.

والالتزام بالضوابط الشرعية هو الذي يقلل من هذه التحيزات؛ من قبل أطراف العملية التسويقية؛ الطبيب، وشركة الأدوية، والموزع؛ سواء تاجر جملة (شركة التوزيع أو المخزن) أو تاجر التجزئة (الصيدلية)، وكذلك المستشفى؛ والسعي إلى توفير المنتج الدوائي الفعال للمرضى؛ خاصة المستشفيات العامة التي تعالج عادة غير القادرين، حيث أن المستهلك النهائي أو المريض هو الطرف الأضعف في هذه العملية.

إن العميل الجوهري لأنشطة شركات الدواء ليس المستهلك النهائي أو المريض، وإنما هو صاحب قرار الشراء وهو عادة الطبيب. والطبيب هو العميل الجوهري لشركات الأدوية؛ في حالة الأمراض المزمنة والأمراض الحادة، وتوضح بعض الدراسات أن قيادة سوق الأدوية سيكون بزيادة شريحة الأدوية التي تعالج الأمراض المزمنة. كما أن النجاح لأي استراتيجية سيكون على أساس ميزة النفقات وخفض الأسعار، أو زيادة القيمة عن طريق زيادة المنفعة، أو الخلط بينهم في تصميم استراتيجية التسويق. وتلعب القيم الخلقية دوراً أساسياً في استراتيجية الترويج الدوائي.

وأهم الصفات الخلقية التي يجب أن يتصف بها أطراف النشاط التسويقي الدوائي؛ خاصة الطبيب؛ الأمانة العلمية. وعن أنس قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: “لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له” (رواه أحمد). والأمانة في نظر الشارع واسعة الدلالة، فهي ترمز إلى معان كثيرة، ومناطها جميعاً شعور المرء بمسؤوليته في كل أمر يوكل إليه؛ وأنه مسؤول أمام الله سبحانه وتعالى على النحو الذي ذكره الحديث الكريم: “كلكم راع ومسؤول عن رعيته”(رواه البخاري).

وللأمانة العلمية للطبيب دور في إشباع حاجة المستهلك (المريض)، مثل إحالة المريض لطبيب مختص وأكثر كفاءة. وأن يكون علاج المريض عن طريق إجراء الفحوص، وأن يبني تشخيصه على بيانات مؤكدة، وأن يوصف أفضل الأدوية لحالة المريض؛ من حيث القيمة التي ستعود عليه.

ومن واجبات الطبيب وصفاته أيضًا التي يجب أن يتخلق بها؛ الآتي: الإخلاص والصدق والوفاء والحلم وسلامة الصدر من الأحقاد والتواضع. كما يعتبر الصبر من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الطبيب؛ ويكون الصبر على قلة المال خاصة في بداية حياته المهنية تحت وطأة مصاريف مهنية وحياتية مرهقة، هنا تبرز قوة التقوى لديه بحيث لا يغش مريضه ولا يجور على الفقير يقول الله تعالى: (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)(آل عمرن: 186)، ويقول الرسول ﷺ “الصبر ضياء”(رواه مسلم)

وهناك مردود إيجابي للترويج؛ إذا ما تمت ممارسته بالطرق العلمية السليمة. والبيع الشخصي أهم وسيلة في ترويج الأدوية. وهنا يتجلى دور المندوب الطبي، الذي يجب أن يقتصر على الصيدلي فقط، خاصة أن غياب المعلومات الصحيحة عن الدواء تمثل مشكلة، حيث يعتمد الأطباء على الإنترنت أساساً في الحصول على المعلومات، رغم أنها قد تكون غير صحيحة. ويرى الكثير من الصيادلة والأطباء أن الأنشطة التسويقية الحالية لا تتماشى مع قواعد المهنة في مجال الترويج؛ ولابد من ميثاق شرف لممارسة المهنة؛ خاصة في مجال الترويج.

وأهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها مندوب المبيعات الطبي: الصدق – الأمانة – الإخلاص – أدب الحديث – الحلم – القصد والعفاف – الصبر – النظافة والتجميل والصحة – الحياء – الصبر وقوة التحمل – العلم والعقل – الانتفاع بالوقت والاتعاظ بالزمن.

الجدير بالذكر في مجال تدريب مندوب الترويج الطبي على مهارات البيع والمعرفة الخاصة بالمستحضر، أن الدراسات أثبتت أن مندوبي المبيعات المميزين غالباً ما يكونوا اكتسبوا خبرات في دورات تدريبية لا تتعلق بمهارات البيع فقط؛ وإنما تمتد لتشمل مبادئ إدارة الأعمال والتمويل والتسويق، بحيث يصبح لدى المندوب الطبي معرفة شاملة بالمتغيرات الخارجية التي تتعلق بالبيئة، والمتغيرات الداخلية التي تتعلق بالشركة نفسها.

إن ادماج استراتيجية الترويج الدوائي في الخطة التسويقية الشاملة تستلزم الإجابة على سؤال هام: هل هناك فرصة ترويجية؟

توجد خمسة شروط لتوافر الفرصة الترويجية كالآتي:

  1. أن يكون هناك اتجاه تصاعدي في الطلب.
  2. أن يكون هناك تميز للمنتج عند مقارنته بالمنتجات المنافسة.
  3. أن تكون المواصفات غير الظاهرة للمنتج هامة بالنسبة للعميل بالمقارنة بالمواصفات الظاهرة.
  4. تكون الفرصة الترويجية أكبر عندما تلعب العوامل العاطفية والروحية والمعنوية دوراً هاماً للتأثير على الجوانب النفسية.
  5. لابد من توافر الأموال اللازمة.

وسيلة ذلك لمعرفة هل هناك فرصة ترويجية أم لا هي بحوث التسويق.

وفي مجال التوزيع؛ فإن شبكة الإنترنت؛ وهي أحد أهم المتغيرات العالمية التي أثرت على استراتيجيات التسويق (المنتج – السعر – التوزيع – الترويج)، أدت إلى وجود شبكات داخلية بين الصيدليات والموزعين بالجملة؛ بحيث أدى الارتباط الإلكتروني إلى عمل رقابة الكترونية على البيع والمخزون. مما يؤدي إلى زيادة المنافع لأطراف عملية التسويق المنتج والموزع والمستهلك.