أماه! هل تسمعين طرقاتي الخافتة على باب قلبك؟ أتسمعين دقات قلبي الصغير؟ أنا بعدُ صغير لم يتجاوز طولي السنتيمتر الواحد، لكن لي قلبًا دقيقًا ينبض من تدفق دمك الغالي إليه. الطبيب يراني داخلك وينفذ بجهاز موجاته الصوتية إلى داخل غرفتي الخاصة في بيتي الدافئ؛ رحمك الآمن الأمين عليَّ. إنه يرى قلبي -وأنا في أسبوعي الخامس- ويشير إليك لتشاركيه النظر إليه وهو ينبض في سرعة وانتظام، لكن أعلم أنك أحسستِ بي قبل أن تراني عيناكِ على شاشة هذا الجهاز، لأن ربي أودع في أمومتك المخلوقة بلطفه جزءًا من سره، فكما أحب خلْقَه قبل أن يبرأ نسماتهم، أودع في قلبك الحب لي وأنا بذرة في داخلك لم ترني عيناك بعد، ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾(يوسف:100).

دقات قلب الجنين

قلبي صغير جدًّا، لكنه قوي منتظم، بل إنه يفوق في سرعته وعدد ضرباته قلوب البالغين. نعم إن قلبي يدق بمعدل أكثر من 140 دقة في الدقيقة في المتوسط، بينما قلوب الكبار تنبض في معتاد أحوالهم بنصف هذا المعدل فقط، وهذا المعدل السريع يمكّنني من الإفادة من كل قطرة دم وذرة غذاء تبعث إليَّ في دمائك يا أماه، لأن كل تنفسي ودورة دمي وغذائي تأتيني جميعها من هذا السبيل.
أعلم يا أماه أنك لا ترين فيَّ ما يراه البعض أنانية وأثرة، إذ إن جهاز نقل الأكسجين الخاص بي (الهيموجلوبين الجنيني) شديد الإمساك بالأكسجين والاجتذاب له، على حين أن حامل الأكسجين لديك (هيموجلوبين الأم) شديد السخاء به، فبقدر تلهّفي على هذا الأكسجين وسحبي له يكون سخاء الهيموجلوبين الأمومي به وبذله لي.

حركة الجنين

بعد نبض قلبي بأيام قلائل يبدأ جسدي بحركاته الأولى، وها أنا ذا أحرك جسدي كله وأضم وأبسط جذعي، ثم أحرك أطرافي في حركاتها الأولى في حركة إجمالية مفردة أو كحركات متتابعة بينها ثوان قليلة. ورغم عمري الصغير فإنني أعرف حدود حركاتي وقفزاتي فلا أرتطم بجدران غرفتي الصغيرة الجميلة المكيفة، ولا أحدث بها عبثًا أو اضطرابًا حتى لا يصيبكِ أي مكروه وإن كنتُ بعدُ نسمة في داخلك.
ها هي الأيام تمضي وأنا في سكني الصغير، فيزداد نشاطي وتتصاعد حركاتي قوة وعددًا متراوحة بين الدقة والنشاط في الأسبوع الثاني عشر، لكنك حتى الآن لا تحسين بهذه الحركات وحتى أتجاوز شهري الرابع. وأحمد الله أن جعلني معك لطيفًا رقيقًا في أشهر الحمل الأولى، حيث لا أزيد على ما فيها من متاعب الغثيان وقيء الحمل وأحاول ألا أزعجك بحركاتي وتنقلاتي وتمريناتي حتى تنهضي وتَسلمي من تلك المتاعب. وبعدئذ أتجاوز شهري الرابع فتشعرين بتحركاتي وبدبيب حياتي داخل كيانك، فيكون بيننا حديث بلا كلام، وحوار حب بلا جدل، وتواصل لا يسكن في نوم ولا ينقطع بليل أو نهار.
يا الله! يا لها من قفزة مبكرة مفاجئة، بداية من أسبوعي التاسع. إنها “الحازوقة”؛ ينقبض حجابي الحاجز، ويتحرك صدري وبطني وتتكرر الحازوقة، لكنني مهما اندفعت فلا أتجاوز حدودي ولا أرتطم بجدران غرفتي رغم ما يحوطني من الظلمات.
ها هو فمي يتحرك؛ أحرك فكي أفتحه وأغلقه، وأتشدق به وأحرك لساني مع حلول أسبوعي الحادي عشر. يتعجب الطبيب عندما يراني كذلك على شاشة الجهاز ولا يعرف علة فعلي هذا، أتراه يظنها عبثًا ولهوًا؟ أتراه يتصورها تمرينًا مبدئيًّا على الارتشاف والابتلاع اللذين يتصاعدان شيئًا فشيئًا حتى يشكلا جزءًا من آلية ضبط كمية السائل الرهلي ذاك البحر المحيط من حولي؟ إن تشدقي وتحرك لساني وسائر حركاتي وسكناتي -ثم محياي ومماتي- تسبيح لرب العالمين. ها أنذا أحرك أصابعي يا أماه، فيراني الطبيب على شاشة جهاز الموجات فوق الصوتية وأنا أضع إبهامي في فمي بدءًا من الأسبوع الثاني عشر، ولعل متابعته لي بانتظام تمكّنه من أن يعرف أيَّ الإبهامين أُكْثِر من تحريكهما في هذا الوضع، وبالتالي يتوقع ما إذا كنت أيسر أم أعسر من قبل أن ترى عيناي النور.
يراني الطبيب “متثائبًا” أحيانًا مع تقدم عمري بعد الأسبوع السادس والعشرين، لكن ذاك ليس “كسلاً”، بل هي حركات فاعلة لزيادة ارتجاع الدم الوريدي إلى القلب، ومن ثَم زيادة نسبة الأكسجين خاصة حال ازدياد احتياجي إليه كبعض حالات ضعف الدم أو “الأنيميا”.
يومًا فيومًا يشتد ساعدي أكثر فأكثر، وتقوى بنيتي ويخلقني ربي ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ﴾(الزمر:6)، فلا يحزنك يا أماه أن حملت بي ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾(لقمان:14)، فما وهنك إلا قوة لي تندفع بلطف الله ثم بمحبتك في كياني وتكويني، فتتصاعد حياتي وتنشط حركاتي حتى تصل إلى نحو ثلاثين حركة في الساعة في آخر شهوري، وحتى تكون رسالة ألفة وتواصل بيني وبينك، وتكون دلالة متابعة منك لصحتي وعافيتي قبل أن تراني عيناك، يمتلئ قلبك طمأنينة وحبورًا حين تحسين حركاتي وقفزاتي، وربما ينتابك القلق إذا ما تناقص معدل تلك الحركات، فتفزعين إلى الطبيب ليبين لك ما إذا كان سكوني هو فترة راحتي الطبيعية أم هو علامة ضعف أو وهن أو خطر أو مرض.
لقد تحركت كثيرًا وحان موعد نومي. نعم، إنني أنام وأصحو وقد جعل الله لي “ليلاً ونهارًا” صغيرين دقيقين كصغري ووقتي، إذ يتناوبان عليَّ في دورة “صحو ونوم” عبر الساعة، كما يتناوب عليكم الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة. إن ربي الوهاب لم يحرمني من سنة كونية كبرى حتى في عمري الصغير هذا، فأقرأني بلطفه في كتاب كونه وجعلني بذلك أول من امتثل لوصيته الأولى لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿اقْرَأْ﴾. شيئًا فشيئًا يصبح نومي أكثر عمقًا وانتظامًا مع اقتراب موعد خروجي للدنيا، حتى يصبح قبيل ولادتي متطابقًا مع برنامج الصحو والنوم عند الوليد حديث الولادة.

حيوية الجنين وشخصيته

إن حيويتي وشخصيتي لا تتبلوران فقط فيما يصدر عني من حركات، بل إن لي أحاسيسي وتفاعلاتي؛ فتبدأ حاسة اللمس عندي من أسبوعي الثامن، إذ أتلمس وجهي بيدي، ثم أنتقل بعدها تدريجيًّا لباقي أعضاء جسمي، ومع أسبوعي الرابع عشر تتشكل المستقبِلات العصبية للتذوق بفمي فأبدأ بتذوق السائل الرهلي، وأتسارع أو أتباطأ في ابتلاعه وإرجاعه حفاظًا على دورة الماء حولي على أنني لا أفعل ذلك كآلة مجردة من الحس، بل إنني حقًّا “ذواقة” أتعرف حتى على النكهة التي تشمل التذوق والشم، حتى إنني عقب ولادتي أميل للتعرف على نوعية الأطعمة التي سبق أن أكلتِها -يا أمي- إبّان حملك بي، وأفرزتها لي في السائل الرهلي المحيط بي، فأميل إليها وأتعرف عليها وأفضل بعضها بعد مولدي.

حاسة الشم عند الجنين

أما حاسة الشم عندي، فتبدأ ما بين الأسبوع الحادي عشر والأسبوع الخامس عشر. إن لي قدرة رائعة في هذا الأمر، إذ لا يلزمني –كالكبار- انتشار الروائح في “هواء” جواري لأشمّها ثم أميّزها، وإنما يكفيني “الانتشار الكيميائي” للمواد ورائحتها في السائل الرهلي، حتى إنه يمكن تمييز 120 مركبًا ذي رائحة محددة في هذا السائل.

حاسة السمع عند الجنين

إن لي سمعًا دقيقًا؛ تبدأ حاسة السمع عندي أبكر مما تظنون. إنني أسمع بدءًا من أسبوعي السادس عشر، رغم أن التكوين النهائي لأذني يتم في الشهر السادس، وهذا عجيب حقًّا؛ إذ إن سمعي يبدأ من تأثر أجزاء جسدي الأخرى كالجلد واللحم والعظام بمؤثرات الذبذبة والاهتزاز محدثة “استقبالات سمعية أولية” تكون بداية لحاسة السمع المتكاملة في وقت لاحق.
إنني موجود في بيئة تنمّي فيّ حاسة السمع حقًّا. لستة أشهر مضت وأنا “أتحسس” دقات قلبك يا أماه، وتحوطني أصوات أحشائك. كل ذلك ليس في أذنيّ ضجيجًا كما قد يظن البعض، وإنما هو تدريب رباني لأذنيَّ لأسمع (وأرى) بهما قبل أن ترى النور عيناي، بل إنني أمهر كثيرًا مما تظنون. فإن لي قدرة على الاستجابة السمعية للمؤثرات ذات التردد المنخفض، مما يؤهلني للتدريب على سماع الكلام، حتى إنني أستطيع تمييز صوت أمي من بين الأصوات، بل وأميّز كلامها فيعتدل معدل ضربات قلبي عند سماعي لكلماتها. إنني بمَلَكة الاستماع المتقدمة لديَّ هذه، أتهيأ في غرفتي المظلمة قبل مولدي لتعلّم الكلام بعد خروجي لعالم النور.

حاسة البصر عند الجنين

تطرف عيناي بمعدل نحو ست مرات في الساعة، ويستطيع الطبيب أن يلاحظ هذه الحركات على شاشة الجهاز في عمر متأخر بعد الأسبوع الثاني والثلاثين، وتتحرك عيناي في محجريهما حركات بطيئة من الأسبوع السادس عشر، وأخرى سريعة من الأسبوع الثالث والعشرين، ثم تبدأ في الهدوء بعد الأسبوع السادس والثلاثين. ويستطيع الطبيب بمراقبتها وربطها بحركات وسكنات جسدي، أن يرصد أوقات نومي ويقظتي، وهي مؤشرات يهديه ويعلمه الله بها مراقبة صحتي وحياتي.

حاسة الجلد عند الجنين

عفوًا أيها الطبيب… أعلم أن مقصدك خير، وأنك ما أدخلت تلك الإبرة إلى البحر المحيط بي في سكني الصغير إلا للخير، قاصدًا التشخيص والعلاج بسحب عينة من هذا السائل، لكنني أرجوك الانتباه فإنني أحس وأتألم إذا حدث أن حادت إبرتك عن طريقها وصدمتني، وأعبّر عن ألمي بالانتفاض والابتعاد كما ترى على الشاشة، وبزيادة إفرازي لهرمون “البيتا إندروفين”؛ المسؤول عن ردود فعل الجسد عند التعرض للتهديد والإيذاء.

مَلَكات الاعتياد والتذكر والتعلم عند الجنين

إن لي أيضًا ملكات “الاعتياد” و”التذكر” و”التعلم”، وقدرتي على الألفة والاعتياد تتمثل في الهدوء التدريجي في تفاعلاتي لنفس المؤثر الصوتي أو الجسمي عند تكراره بنفس الهيئة. وهذه “الألفة والاعتياد” تمثل إحدى وسائلي الأولى في التعلم وتلقي الخبرات، كما تحفز قدرتي على التكيف مع البيئة ذات المؤثرات المختلفة التي أسكنها، أما ذاكرتي فهي قد تدهشكم حقًّا. إن ردود فعلي الحركية وتغير معدل ضربات قلبي عند مشاركتي لأمي في استماع لموسيقى برنامج معين في موعد بذاته، تتكرر بنفس النمط عند سماعي ذات البرنامج بعد ولادتي. كم هي عظيمة قدرتك يا رب! جعلت لي في ظلماتي الثلاث ذاكرة يمكن لدقتها وكفاءتها أن تصمد لحادث الولادة الجلل فأعبر برزخي الأول من الرحم إلى عالم الدنيا وذاكرتي تحفظ لي ما شاركت فيه أمي من قبل أن أولد. حقًّا بنورك أسعى في الظلمات.
أماه، أعلم أنك أحرص عليَّ من نفسك التي بين جنبيك، وأنك لن ترضي أبدًا بتناول أي شيء قد يصل إليَّ فيؤذيني، أو يشكّل خطرًا عليَّ. إن “الكحول” ذو تأثير مشوّه مدمّر على أعضائي وأنسجتي جميعًا، وإن تناولك إياه -بأية كمية- يدفعني قسرًا للمشاركة فيه والتأثر به و”إدمانه”، حتى قبل أن تعرف فطرتي المعنى القبيح لهذه الكلمات، لأنه يعمل في الحلقات والتفاعلات الكيميائية لجهازي العصبي، وأنا بعدُ داخل كيانك يا أمي، وأنا على يقين أنك لن تفسدي فطرتي الطاهرة قبل أن ترى عيناي النور.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.