للموت في مخيلتنا وواقعنا وثقافتنا الشعبية وجه قبيح. فهو فراق للأحبة، وفيه فناء للجسد بتغيبيه في التراب، وفيه انقطاع للعمل وطي لصفحات الحياة. ولذلك يصحب الموت حزن ويرافقه أسى، ويكون من بعده حداد، وتقام أيام عزاء يخفف الحزن فيها إقبال الناس بالزيارة والدعاء للميت.
إن الموت يرتبط لدى كثير من الناس بظاهر ما يحدث لجسد الإنسان وغياب ما وراء ذلك. ذلك أن المشاهد المحسوس المقطوع به هو أن الإنسان الذي مات يتغير؛ فالجسم يفقد الحياة والحركة والتفاعل والقدرة،كل ذلك يزول ويسلب منه ويتحول إلى جثمان، أي إلى جسد هامد يجثم مكانه ولا يتحرك بنفسه، ثم ما يتبع جثوم الجسد من مسارعة إلى دفنه في القبر، وما يرتبط به الدفن من تحلل الجسد وتلاشيه. فهل هذا هو الموت؟ هل الموت تلاش وفناء وانتهاء لمن كان ملء السمع والبصر والقلب؟
كثيرا ما يتوقف العقل البشري عند هذا المشهد ولا يتابع ما وراءه، إما عجزا عن الإدراك أو تقصيرا في استحضار المشهد الخفي الذي جاءتنا عنه نصوص صحيحة في كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تجعلنا نرى ما لا تراه العين من حقيقة الموت، وما يكون مع الميت بعد انفصال الروح عن الجسد وانطلاقها إلى أفق لا ندركه بأعيننا ولا نسمع ما يجري فيه بآذاننا.
القرآن الكريم لم يتركنا لخيالنا ولا لثقافتنا الشعبية.. القرآن الكريم رسم لنا خط الوجود منذ بداية الخلق إلى أن يدخل أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ النارَ، مما يقدم نظرة شاملة لا ظلمة فيها، بل هي واضحة لا عوج فيها ولا ضباب ولا جدران ولا منعطفات. ولذلك حين ننظر إلى الموت بنور القرآن الكريم وفي نور الهدي النبوي، نجده مرحلة ضمن مراحل ممتدة في رحلة الخلود. فلئن تخلى الإنسان عن جسده فإن روحه باقية، لأن الروح تولد عند الموت ولادة جديدة. فكما خرج الإنسان من رحم أمه من قبل، يخرج من رحم الدنيا، ويتخلى عن مشيمتها إلى كون أرحب. ولابد أن نستحضر عند الموت مشهدين متلازمين: مشهد الجسد الذي خلق من التراب وإلى التراب يعود: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾(طه:55)، ومشهد الروح التي تحررت من الجسد وانطلقت إلى البرزخ ولم تخرج من عالم وجود إلى عالم فناء.
لقد حدثنا القرآن الكريم عن أحوال الموتى، فالمؤمنون تتلقاهم الملائكة في أحسن حال: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(النحل:32). وحدثنا القرآن الكريم عن الشهداء وبيّن أنهم أحياء عند ربهم يرزقون وأنهم فرحون بما نالوه من المنـزلة والأجر، قال الله تعالى مبيّنا ذلك: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(آل عمران:169-170).
وبيّن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تأكل من ثمار الجنة وتشرب من أنهارها وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، وأرواح المؤمنين من غير الشهداء طيور خضر تأكل من ثمرات الجنة وتشرب من أنهارها، فليس الموت فناء. وأستذكر هنا كلمة رائعة قالها أبو حازم الأعرج، التابعي الجليل لسليمان بن عبد الملك حين سأله: ما لنا نكره الموت ونحب الحياة؟ فقال: لأنكم عمّرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون الانتقال من العمران إلى الخراب.
وسأله سليمان: كيف القدوم على الله؟ فأجاب أبو حازم: أما المؤمن فكالغائب يرجع إلى أهله، وأما الكافر أو الفاسق فكالعبد الآبق يرجع إلى سيده.
ونستذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف الدنيا: “الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر” (رواه مسلم). فالمؤمن حين يخرج منها، حاله حال من يخرج من السجن، فهل يكون السجين حزيناً لفراق سجنه؟
ورحم الله بديع الزمان سعيد النورسي الذي ضرب لنا مثلاً للموت في “الكلمات”، مستمدا من بيئة الريف والمدينة بقوله:
“هب أنه في هذه القرية (بارلا) رجلان اثنان، أحدهما قد رحل تسعة وتسعون بالمائة من أحبته إلى إسطنبول وهم يعيشون هناك عيشة طيبة جميلة، ولم يبق منهم هنا سوى شخص واحد فقط وهو أيضاً في طريقه إلى الالتحاق بهم. لذا فإن هذا الرجل مشتاق إلى إسطنبول أشد الاشتياق، بل يفكر بها ويرغب في أن يلتقي الأحباب دائماً. فلو قيل له في أي وقت من الأوقات “هيا اذهب إلى هناك” فإنه سيذهب فرحاً باسماً..
أما الرجل الثاني فقد رحل من احبته تسعة وتسعون بالمائة، ويظن أن بعضهم فني، ومنهم مَن انزوى في أماكن لا ترى. فهلكوا وتفرقوا حسب ظنه. فهذا الرجل المسكين ذو داء عضال يبحث عن أنيس وعن سلوان حتى عند سائح واحد، بدلاً من أولئك جميعاً، ويريد أن يغطي به على ألم الفراق الشديد”.

وقال رحمه الله في “اللمعات” مبيّنا ما وصل إليه من موقف من الموت بعد التفكر والتدبر في نور القرآن:
“فنظرت أول ما نظرت إلى ذلك الوجه الذي يُرعب الجميع ويُتوهم أنه مخيف جداً وهو وجه “الموت”، فوجدت بنور القرآن الكريم أن الوجه الحقيقي للموت بالنسبة للمؤمن صبوح منور، على الرغم من أن حجابه مظلم والستر الذي يخفيه يكتنفه السواد القبيح المرعب. وقد أثبتنا وأوضحنا هذه الحقيقة بصورة قاطعة في كثير من الرسائل، وبخاصة في “الكلمة الثامنة” و”المكتوب العشرين” من أن الموت ليس إعداماً نهائياً، ولا هو فراقاً أبدياً، وإنما مقدمة وتمهيد للحياة الأبدية وبداية لها. وهو إنهاء لأعباء مهمة الحياة ووظائفها ورخصة منها وراحة وإعفاء، وهو تبديل مكان بمكان، وهو وصال ولقاء مع قافلة الأحباب الذين ارتحلوا إلى عالم البرزخ.. وهكذا، بمثل هذه الحقائق شاهدت وجه الموت المليح الصبوح. فلا غرو لم أنظر إليه خائفاً وجلاً، وإنما نظرت إليه بشيء من الاشتياق”.
هكذا ينظر المؤمن إلى الموت، وعلى عكس هذا الحال سيكون من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ويرى الموت جداراً وسداً لا يعرف ما وراءه. فإنه سيعيش في لوعة وحسرة وحزن لا ينقضي. فشتان بين المؤمن وغير المؤمن في النظرة إلى الموت.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.