إننا إذا رجعنا إلى غير بعيد من الزمن تتجلى لنا صورة المجتمع السعيد والواقع الجميل، الذي ساد فيه الإحساس بالمسؤولية والحس الإنساني، وعمت الأخلاق الشيب والشباب، فنرى ألوانًا وأطيافًا من صور الجمال الأسري والأخلاقي والاجتماعي، من تكافل وتضامن واحترام وأداء للواجبات وعدم التقاعس عن الأولويات. لكننا مع مرور الأيام وتواليها وتعاقب الحقب التاريخية، تجدنا نتكيف مع واقع أليم ألم بالأمة ليطيح بها في مسالك الذل ومزالق الردى والهوان، ترى الكل ينسلخ من فطرته ويتبع هواه وحديث نفسه، يتتبع دروبها وإملاءاتها، ويطلق عنانها لتقوده قيادة تامة في غياب لفكره ووعيه، أصبحت الحضارة مخدرا يقود كل شخص كما يقود الراعي بقرته ، كل شيء بالأزرار، ففشت الأسرار، وأصبحنا نلعب بالنار، كادت الحياة أن تقفص في لوحة إلكترونية مساحتها حجم الكف أو يزيد كل في واده وعالمه، أنشأنا عوالم داخل عالم واحد، أسرة واحدة في بيت واحد، لكنهم في العالم الافتراضي أسر، كلهم في عالم مغاير، يعيش أحلامًا وأوهامًا، لا يحدث قريبه ولا أخاه ولا أمه، تراه مطأطأ الرأس شارد الذهن مشغول البال، حاضر جسدا مرفوع عقلاً، يمر اليوم واليومان ولا تواصل بين الأقرباء، حتى لتحسب أن بينهم القطيعة، ولكنهم في الحقيقة بعيدون قريبون، تجمعهم جدران واحدة وتفرقهم خيوط الشبكات العنكبوتية، التي لطالما دمرت أسرًا، وفرقت أحبابا.

إن ثقافة الانزواء والخلوة مع الهاتف سادت كل المجتمعات، وقالت كلمتها في كل المجالس، وعانى منها كل الجلساء، حتى النخبة المثقفة، إن على مستوى الاجتماعات الرسمية أو اللقاءات العائلية، فيا ترى هل ظهر الهاتف ليقرب أو يبعد؟ هل كان ظهوره إيجابيا للمجتمعات؟

لا شك أن الحكم الواحد على الشيء إجحاف في حقه بلا شك، لكن لنكن منصفين، للهاتف حقه، له ماله وعليه ما عليه، إذ لا ينكر أحد ما له من الأثر الإيجابي على المجتمعات ككل؛ من توفير الخدمات وتقليص المسافات وحمل الكميات الهائلة من الملفات وحفظ الكثير من المعلومات وربط الاتصال بين الأحبة هنا وهناك..، إلى غير ذلك من الآثار الإيجابية الفعلية للهاتف..، وفي الجانب المقابل تظهر الصورة السلبية للهاتف جلية واضحة، حيث حول الحياة من واقع إلى وهم، ومن جد إلى هزل، ومن اجتهاد إلى كسل، ومن سر إلى فضيحة.

له من السلبيات ما تمحوا به سيآته حسناته، وما يحول ايجابيته إلى سلبية، إذ عادة الاختراعات أن تسد ثغور الحاجة لا أن تفتح ثغورا أخرى، وأن ترفع الخصاص لا أن تزيد فيه، وأن تحل المشاكل لا أن تعمقها أكثر، ولكن الكمال لا يتم لأحد ولا يتفرد به غير الله، ولذلك فإن ظهور الهاتف في زمن عسرت فيه طرق التنقل، وقلت فيه طرق المواصلات، وسئم الناس انتظار الرسائل من ساعي البريد، كان له الأثر الإيجابي الفعلي في سد هذه الحاجات، وتيسير طرق التواصل، وتقريب كل بعيد، غير أنه لما تعدى تأثيره  دوره، واستعمله المستخدمون في غير ما أعد له، انقلبت فاعليته  من دواء إلى داء، حيث تحول استعماله من حاجة ملحة إلى حوائج للهو واللعب، وانقلب نفعه إلى ضر، وإثمه أكبر من نفعه .

نعم إن التحولات والتطورات عبر الحقب التاريخية والزمنية فرضت أن يكون الهاتف وسيلة للتواصل، نعم إن التكنولوجيا الحديثة وفرت وقربت وسدت حاجات المجتمعات.

من منا اليوم لا يلعن هذا الهاتف؟ من منا لا يعرف أن الهاتف سبب البلايا والرزايا؟ من منا لا يعلم أنه كان بإمكانه أن يبدع أحسن مما أبدعه وهو مشغول بهاتفه؟  من منا من لم تضع له على الأقل ساعة أو أكثر في اليوم وهو ينقر في شاشة هاتفه؟ من منا من لم تذع أسراره فيه؟

إذن: ألا يمكننا أن نتساءل كيف للنافع أن يضر؟ هل الخلل في الهاتف أم في مستعمله؟

حسنا؛ دعنا نقل إن الهاتف فيه الجانب الإيجابي الذي صنع لأجله، وفيه الجانب السلبي الذي لأجله صنع أيضا، فلماذا لا نستغل جانبه الإيجابي؟ لماذا نصر على السلبيات فيه؟

ذاك أمر حير المختصين، وأعجز المهتمين، لأنه وببساطة مرض مس جميع الفئات وكل المستويات والطبقات الاجتماعية.. وهو في النهاية أمر تعويد النفس حتى مبلغ الإدمان، ولا شفاء منه إلا عن طريق الإقلاع عنه، لأن كل المؤشرات الكارثية لهذا الهاتف تدعونا للإقلاع عنه بطريقة أو بأخرى، إقلاع يبعد الضرر ويبقي الأثر لمحاسنه، فالمحاسن جمة والأضرار كثيرة أيضًا، لذلك وجبت مساءلة النفس، كيف لمحمول أن يخدر حاملاً؟ كيف للمستغل أن يستغل؟

وتجدر الإشارة إلى أن إيجابية الهاتف أو سلبياته تختلف بحسب الأشخاص والاستعمال، فمن أحسن استعماله حصل فوائده، ومن لا فلا، والهاتف حقيقة كسيف ذو حدين، والواجب أن يتوفر في مالكه من الفطانة والذكاء ما يؤهله لحسن استعماله، مع ضرورة الترشيد والتوجيه، لنشر الوعي الواقي من كل ضرر أو غرر ، لأن الهاتف لا غنى عنه في حدود نفعه وقضاء الحاجة به، فضرورته في الحياة فعلية، لكن ليس على حساب ضياع الأوقات والصلوات وتفويت المواعيد الأساسية، والحاجات الضرورية التي تؤدي إلى خرق البرامج اليومية للإنسان ومتطلبات مشاريع الحياة من بحث علمي ،وتقدم معرفي، والتزام أسري.