تعتبر العمارة -بشكل عام- محصلة مركبة للثقافة المادية والروحية للشعوب. والعمارة الإسلامية -انطلاقًا من هذا المبدأ- مرآة تعكس بشكل دقيق العقلية التي سيرت حضارة هذه الأمة في إطار عقيدتها الدينية الراسخة، ومبادئها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولا ريب أن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، هما المعين الذي نبعت منهما الحضارة الإسلامية بشكل عام. وكان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أول عمل معماري هام في الإسلام، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، يضعون أساس المسجد النبوي، وفي نفس الوقت يضعون أساس فن العمارة والفنون الإسلامية الأخرى.

والعمارة الإسلامية تمثل صورة صادقة لما سبق، حيث امتدت الدولة الإسلامية من الهند وآسيا الوسطى شرقًا، إلى الأندلس وبلاد المغرب غربًا، ومن جنوب إيطاليا وصقلية شمالاً حتى بلاد اليمن جنوبًا، حيث ازدهر فيها الفن الإسلامي وطرز العمارة الإسلامية، التي يتميز بعضها عن البعض بما يلائم تأثيرات البيئة، خاصة وأن البلاد التي فتحها الإسلام واتخذته دينًا وعقيدة، كانت مهدًا لحضارات شامخة استقرت في وجدان شعوبها.

وقد خضعت العمارة الإسلامية لعدة عوامل في نشأتها وتطورها منها:

1- العامل الديني

كان للإسلام أكبر الأثر في توجيه الفن المعماري، وذلك مع إشراقة أول شعاع منه على الدنيا كلها. ويمكن القول إن أصول العمارة الإسلامية الأولى، قد وُضعت منذ أن شارك رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه الشريفتين في بناء مسجده في المدينة المنورة. فقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم  اللبنة الأولى لصرح العمارة الإسلامية، والتي أخذت دورها سريعًا في عجلة البناء والتطور؛ حيث أضافت العمارة الإسلامية تقنيات ونظمًا لم تكن معروفة من قبل، فاختلفت الزخارف والحليات في العمارة الإسلامية عن مثيلاتها في الطرز الأخرى، حيث كانت هذه الزخارف والحليات، مشتقة من روح الإسلام وتعاليمه التي تقضي بتحريم التماثيل والأصنام.. فاهتم المسلمون بدراستها، وعنوا بالإخراج والتكوين الزخرفي، وفي النهاية تمكن الفنان المسلم من بناء مدرسة فنية ومعمارية ثابتة الأركان مميزة الأسلوب، نتجت عنها الأشكال الإسلامية الأصيلة، والتي عرفها العالم باسم ” الأرابيسك”.

2- العامل الاجتماعي

لم تختلف نتائج تأثير هذا العامل على تطور العمارة الإسلامية كثيرًا عن نتائج تأثير العامل الديني، حيث يتضح تأثير هذا العامل من خلال ما خلفته الطبقات الاجتماعية في الأقطار.

ضعف الاهتمام بمنتجات الطبقة الشعبية المتوسطة منها والفقيرة، لذا نرى اختفاء مساكن الطبقات الشعبية والعمائر الخاصة بها، حيث لم يبق إلا القليل من الربوع والوكالات والخانات، في حين تجد الكثير من العمائر الخاصة بالسلاطين والحكام والطبقات الغنية من المساجد والمدارس والخنقاوات وغيرها.

3- العامل الاقتصادي

وللحالة الاقتصادية تأثيرها على توجيه الفن والعمارة، حيث إن الرخاء أو الفقر، لهما الأثر الكبير في حجم الإنتاج الفني والمعماري وأنواعه وجودته وقيمته.. وأيضًا نجد أن نظم توزيع الثروة على طبقات الأمة، تترك أثرها على الإنتاج المعماري والفني. ولهذا نجد أن هناك عصورًا يزدهر فيها هذا الإنتاج، وعصورًا أخرى تكون فقيرة وليس لها تأثير من الناحية المعمارية والفنية.

4- العامل السياسي

لقد أثر هذا العامل على طرز العمارة الإسلامية وتطورها، وذلك من خلال استقرار الأمور واستتباب السلام في البلاد. حيث يساعد ذلك على توجيه النشاط المعماري والفني، إلى خدمة الأغراض المدنية العامة والخاصة، وعلى العكس؛ فإن نشبت الحروب، أو وجدت أخطار تهدد أمن الناس والبلاد، فإن ذلك يتطلب الاستعداد للمواجهة، ومن ثم فإنه يتطلب توجيه النشاط المعماري إلى خدمة الأغراض الحربية، من خلال بناء الحصون وتعزيز الاستحكامات، مما يستتبعه قلة في الإنتاج الخاص بالأغراض المدنية.

5- العامل البيئي

وهذا العامل يشتمل على عدة عناصر منها:

أ- الموقع الجغرافي: حيث كانت أقطار شرق العالم الإسلامي أقرب اتصالاً ببعضها، فكانت تنتقل التقاليد المعمارية بينها في سرعة وسهولة، جعلت لها طابعًا يميزها عن الطابع العام الذي كان يعاصرها في أقطار غرب العالم الإسلامي. كذلك فإن الطبيعة الجغرافية، من حيث توفر الماء ووجود الأنهار وكثرة الغابات ووجود الوديان وخصوبة الأرض والقرب من سواحل البحار، ينشأ عنه طرز معمارية تلائم هذه الظروف، في حين أن قلة الماء وكثرة الصحارى والمناطق الصخرية والجبلية، تتطلب نوعًا آخر من الطرز المعمارية التي تلائم هذه الظروف.

بـ- الظروف المناخية: وكان لهذه الظروف أثرها في تطوير العمارة الإسلامية، من حيث إعداد العمائر لمقاومة البرد أو الأمطار أو الثلوج أو الحرارة الشديدة أو الرطوبة أو ملاءمتها لاعتدال الطقس.. وينعكس ذلك كله -مثلاً- على الأشكال العليا للعمائر؛ ففي حالة زيادة البرودة وكثرة الأمطار وسقوط الجليد، فإن ذلك يتطلب أن تكون الأسطح العليا مائلة على هيئة جمالونات، ويسميها العرب “جمالاً”. وتكون هذه الأسطح مستوية في حالة المناطق ذات الأمطار والمناخ المعتدلين، وكذلك في المناطق الدافئة والحارة.. وأيضًا يراعى انخفاض ارتفاع الغرف في المناطق الباردة، للمساعدة على الاحتفاظ بالدفء داخلها، في حين يزداد ارتفاعها في المناطق المعتدلة والحارة. أيضًا كما تؤثر الظروف المناخية في أشكال واتساعات الفتحات فتكون كبيرة الاتساع في الجهات المقابلة للشمس في المناطق الباردة، والمواجهة لهبوب نسمات الهواء الباردة في المناطق الحارة، كما تقل مساحاتها إذا كانت معرضة لهبوب الرياح الباردة أو الشمس في المناطق الحارة.

جـ- التكوينات الجيولوجية: كان لها الأثر الأكبر في إنتاج عناصر ووحدات معمارية وأساليب إنشائية، خاصة ببعض المناطق الإسلامية، تميزها عن غيرها من المناطق الأخرى. ففي المناطق ذات الأودية والأنهار والغابات، نجد أن السكان يغلب عليهم استخدام اللبن؛ أي الطوب النيء، أو الآجر؛ أي الطوب المحروق، في تشييد العمائر الخاصة بها. أما في مناطق الغابات، فإن الخشب يصبح هو مادة البناء الرئيسة، وحيث تكثر الصخور ويسهل الحصول على الأحجار، نجد أنها تكوّن المادة الأساسية للبناء. وقد تجتمع مادتان أو أكثر إذا كانت مواردها ومصادرها قريبة ومتوفرة. وتشيد العمائر أحيانًا من الرخام أو الجرانيت إذا كان من السهل قطع الكتل منها ونقلها، بينما يتم استيراد كميات قليلة فيها في المناطق التي لا تتواجد بها، وتستخدم في أجزاء زخرفية ومناطق قليلة من العمائر.

وبالرغم من هذه العوامل المختلفة التي تؤثر على الطرز المعمارية في العالم الإسلامي، فقد تفاعل المسلمون مع هذه العوامل والظروف، حيث صهر الإسلام كل هذه الاختلافات في بوتقة واحدة، مما كان له أكبر الأثر في توجيه الفن والعمارة، حيث كان الإسلام هو المحور، وروح الإبداع. فالعمارة الإسلامية شأنها شأن مظاهر الحضارة الإسلامية، نشأت على أساس قويم من الإسلام، وظلت رغم تطورها وتنوعها محتفظة بالروح الإسلامي الذي كان له الفضل في أصالتها ووحدتها، مما مكّن المسلمين -في النهاية- من إنشاء فن وتراث معماري متميز ظل مستمرًّا عبر العصور المختلفة، أمكن من خلاله تسجيل تاريخ الحضارة والشعوب الإسلامية.

 

(*) كبير باحثين بدار الكتب المصرية.

المراجع

(1) دراسة التأثيرات البشرية المتلفة لبعض الآثار الإسلامية وطرق صيانتها بمدينة القاهرة القديمة، تطبيقًا على أحد المبانى الأثرية الإسلامية المختارة بمدينة القاهرة القديمة، رسالة ماجستير (غير منشورة)، لأيمن حسن حجاب، كلية الآثار، جامعة القاهرة، 1424هـ/2003م.

(2) العمارة الإسلامية فكر وحضارة، لتوفيق عبد الجواد، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1987م.

(3) مدخل إلى العمارة والفنون الإسلامية، لحسن الباشا، معهد الدراسات الإسلامية، القاهرة.

(4) ترميم وصيانة المبانى الأثرية والتاريخية، لعبد المعز شاهين، المجلس الأعلى للآثار، القاهرة، 1994م.

(5) العمارة العربية فى مصر الإسلامية عصر الولاة، لفريد شافعي، المجلد الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1970م.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.