إن الأدب السوداني كان مغمورًا حتى جاءت أعمال الروائي الطيب صالح، ورغم أنه حدثت عدة محاولات لجعل مسيرة الرواية في السودان مثمرة وناجحة في فترات مختلفة منذ نشأتها سنة 1948م، ولكن الاعتبار بها كان ضئيلاً جدًا لأن الحكومة أو مؤسساتها لم تهتم حق الاهتمام بأمور النشر و التوزيع بالرغم من عدد الكتاب والروائين الغزير في السودان. و لكن الحكومة  بدأت مؤخراً الاهتمام بمجال الأدب والنقد، حيث أصبح لبعض الأدباء مشاركاتهم المرموقة وامتلك بعضهم المواقع الشخصية مثل الدكتور عمر فضل الله، الذي يشارك في المناقشات والدردشات في وسائل التواصل الإجتماعي مثل فيس بوك، وتويتر، وواتساب وغيرها، وفيما أعلم لم يسبق أن قام أحد في الجامعات الهندية وكلياتها بدراسة علمية عن أعماله الروائية مثل ترجمان الملك إلا ما نراه في الصحف من مقالات وتقارير، ونحن حينما نأخذ بعين الاعتبار حجم نشاط الإنتاج الروائي الذي شهده العالم العربي مؤخرًا فلا بد لنا أن نؤكد أكثر فأكثر على الأعمال الأدبية لهذا الكاتب البارع.

 عمر فضل الله: النشأة والسيرة

عمر فضل الله من مواليد عام 1956 وهو كاتب ومؤلف وشاعر وأديب وروائي سوداني، ولد في العيلفون إحدى ضواحي العاصمة الخرطوم، نشأ بها وحفظ القرآن والشعر وهو صغير وقد كان متفوقًا منذ الصغر في جميع مراحله الدراسية، وكان ضمن الأوائل في الشهادة الثانوية والتحق بجامعة الخرطوم حيث أمضى فيها سنة واحدة ثم غادرها لعدم استقرار الدراسة فيها آنذاك والتحق بجامعة الملك عبد العزيز بجدة ومنها نال شهادة البكالوريوس بتفوق عام 1980، ثم سافر بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث نال درجتي  الماجستير والدكتوراه عام 1987، وله إسهامات فكرية وثقافية عديدة باللغتين العربية والإنجليزية، وقد عمل محاضرًا بالجامعات السودانية ومؤسسًا لعدد من مؤسسات ومراكز البحوث والدراسات بالسودان كما أسهم في إنشاء المكتبة الوطنية السودانية. هاجر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1996 حيث عمل مديرًا لمشاريع تقنية المعلومات وأنظمة الحكومة الإلكترونية بأبوظبي.

مفهوم الرواية 

تعتبر الرواية من أشهر أنواع الأدب العربي، وتقومُ على طرح قضايا أخلاقية واجتماعية مختلفة بهدف معالجتها أو محاولة البحث فيها؛ لذلك فبعض الروايات تحثُّ على الإصلاح والتغيير، ومنها ما تقوم على تقديم معلومة عن موضوع غير مألوف وفيه بعض الغرابة بالنسبة للقارئ، وبعضها الآخر يقدّم العمل الروائي بحسٍ فُكاهيّ الهدف منه الإمتاع والتسلية للقارئ، فالرواية أنواع ومنها ما يمزج بين قصة لراوٍ وحوار لشخصيات تتحدث لغة تطابق وضعهم الاجتماعي، وكما قيل عنها “إنها مجموعة من العادات الثقافية”.

والرواية أيضاً هي فن سرد الأحداث والقصص، تضم الكثير من الشخصيات تختلف انفعالاتها و صفاتها، وهي أحسن وأجمل فنون الأدب النثري، وتعتبر الأكثر حداثة في الشكل والمضمون. وتحتوي الرواية على قواعد فنية تعرف عليها العرب في بداية القرن الماضي كما تمت ترجمة الروايات الشرقية والغربية، وإذا حاولنا التعرف على الفروق بين الرواية القديمة  والرواية الجديدة فإننا نجد أن “الرواية الكلاسيكية هي قصة مغامرة والرواية المعاصرة هي مغامرة قصة“.

 يقول الناقد “واين بوث” “بكل وضوح وصراحة هناك صعوبة في التوصل إلى تعريفات شاملة فيما يتعلق بالرواية، بل إن بعض المحاولات التي تستهدف وضع تعريف أو توصيف للرواية تجري في هذا المجرى. ويقول “إي أم فورستر” في كتابه “سمات الرواية” : “الرواية  كتلة هائلة عديمة الشكل إلى حد بعيد”.

الرواية العربية المعاصرة

إنّ الرواية العربية المعاصرة متأثرة إلى حد ما بالروايات الغربية فقد، تأثر الأدباء العرب بعد إتصالهم بأوروبا فيما يتعلق بالقصة الغربية وکان رائدهم هو، «رفاعة الطهطاوي» الذی صدر روايته باسم «تلخيص الإبريز» وبعده «فرح أنطون» و«المويلحي» و«حافظ إبراهيم» الذين  كانوا الأولين في کتابة هذا الفن. أما الجيل الثاني الذين ظهروا فی مجال کتابة الرواية فی البلاد العربية خاصة فی مصر، فهم أمثال «طه حسين» و «جورجی زيدان» و«محمود تيمور» و«توفيق الحکيم» و«محمد حسين هيکل» و«نجيب محفوظ»… ويأتي بعدهم أمثال «عبدالرّحمن الشّرقاوي» و«صالح مرسي» من الجيل الثالث من کبار الروائيين المعاصرين فی العالم العربي الذين أسهموا في تطور الرواية العربية حتی وصلت إلی وضعها الحالي في هذا العصر.

إن الرواية العربية المعاصرة لم تجعل نفسها سجينة نمط واحد، ولم تبلغ شكلها النهائي بعد، وإنما حاول بعض الروائيين المعاصرين الانفتاح والاستفادة من الأشكال التراثية خاصة أدب الرحلة كما وجدنا في روايتي “النبطي” ليوسف زيدان، ورواية “تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية” لعبد الرحيم الحبيبي. ومنهم من هام في العجائبية ينسج أحداثا في عالم افتراضي خيالي يستحيل لعقلٍ تصوره، كما في روايتي “ضريح أبي” لطارق إمام ، و”فرانكشتاين في بغداد” لأحمد سعداوي. ومنهم من غاص في التاريخ القديم أو الوسيط كما فعل يوسف زيدان في روايتيه “عزازيل” و”النبطي”، وربيع جابر في رواية “دروز بلغراد”. بينما التفت عدد منهم للتاريخ القريب، سواء زمن ما قبل الاستعمار “تغريبة العبدي” أو زمن الاستعمار وما بعده والصراع حول السلطة والشرعية بين نخبة من السياسيين المثقفين وخلفاء الاستعمار وجعل تيمات الوطنية، الاعتقال والسجون؛ مثلما وجدنا في “الساحة الشرقية” لعبد القادر الشاوي ورواية “طائر أزرق نادر يحلق معي” ليوسف فاضل من المغرب.

مادة الكتابة الروائية المعاصرة كمعطيات تاريخية

لكن الكتابة الروائية تتجاوز نظرة المؤرخ، وإن اتخذت من التاريخ موضوعًا للتخييل، دون أن يمنع ذلك كتاب الرواية الشباب من مقاربة القضايا الاجتماعية المستحدثة كالإرهاب كما في رواية “القوس والفراشة” لمحمد الأشعري، والعنف والتسامح كما في رواية “في قلبي أنثى عبرية” لخولة حمدي من تونس، والاستعمار الجديد والتطرف الديني كما في “حرمة” لعلي المقري، ورواية “زوج حذاء” لعائشة الزبير، والطائفية في الوطن العربي رواية “أوهام” لنازك سبا يارد، وتوسع المدن/ استغلال النفوذ والصراع حول السلطة في “القوس والفراشة” ناهيك عن القضايا التقليدية كالجنس ووضعية المرأة في الوطن العربي التي شغلت حيزًا هامًا في الرواية المعاصرة لدرجة أنه لا تكاد تخلو رواية من إشارات جنسية تصريحًا أو تلميحًا.

الرواية العربية في السودان 

الرواية السودانية على وجه الدِّقة منذ ظهورها منذ ستين عامًا – بحسب الرَّصد البِبلُوغرافيّ – تمثلَّت تجليِّاتها الاجتماعية ومكوِّناتها الثقافية بقدر ارتباطها بالفضاء الثقافي وانتمائها التأريخي واللغوي الموروث، فالمقاربة المنهجية لاستقصاء جذور الهُوِيَّة وجدلها في الرواية السودانية، لا تستدعي البحث – على ما يبدو – عن تكوينات اجتماعية وتأريخية متكونة في أركيولوجيا الثقافة السودانية، ولكن لأن جدل الهُوِيَّة قد امتدَّ مداره وأثار جدلاً كثيفًا في الخطاب السياسي والثقافي مؤخرًا.

ولعلَّ الروائي الأشهر إبراهيم إسحق أول من جوبهت أعماله حين تقاطعت لغة رواياته “حدث في القرية” باللهجة المحلية في دارفور مع ما يطلق عليه لغة الوسط (المركز) ذات الصيغة المعيارية، وهذا تجل آخر من تجليات الهُوِيَّة اللغوية حين يختلف الوسيط (اللغة) السردي، وهنا تتشكل مقاومة ليست بالضرورة أن تنبثق عن المعرفة النقدية، ولكن مقاومة قارّة في الهُوِيَّة الجمعية بمختلف تشكلاتها ومصادرها، ولم تكن الهُوِيَّة، أو التعدد اللغوي، يسمح به حين يفصح إبراهيم إسحق عن أحد مكونات هذا التعدد.

ومما لا شك فيه أن الكتابة الروائية قد ازدهرت في السودان عن ثلاثة مؤثرات أولها وجود الناقد والمؤرخ الفلسطيني إحسان عباس في جامعة الخرطوم لاحقًا حيث اتفق مع مطبعة مصرية طبعت فيما بعد أعمال الأدباء. والمؤثر الثاني هو الدور الذي لعبته مجلة “القصة السودانية ” لعثمان على نور الذي باع بيته لإصدار المجلة فخسر بيته وخسر المجلة ولكنه خدم القصة. والمؤثر الثالث هو ازدهار الرواية في مصر حيث كان ذلك مؤثرًا مهمًا و حاسمًا في تطور الرواية العربية السودانية.

ترجمان الملك: رواية تجمع بين الخيال والحقائق التاريخية

ترجمان الملك من أروع الروايات التي نشرت في حزيران عام 2013، عن دار نهضة مصر بالقاهرة، وهي رواية رائعة تجمع بين الخيال والحقائق التاريخية  في قالب إبداعي جميل، حيث تتميز “تَرجُمان الملك” بأنها معالجة لما يمكن أن نصفه بمحض افتراضات وليس حقائق تاريخية مثبتة بكامل جزئياتها وتفاصيلها، تتواتر على صدقها البينات والدلائل الحاسمة، على أنه من هاهنا يجئ توهج الخيال فيها، وجنوحه وانطلاقه بلا قيود، مما نتج عنه سرد ممتع ومشوِّق حقًا، ذلك بأن الرواية تستند في مصادرها المعرفية على السيرة النبوية كما عند ابن اسحاق وابن هشام، فضلاً عن مرويات التاريخ الإثيوبي القديم، وخصوصًا تاريخ دخول المسيحية إلى الحبشة في حوالي منتصف القرن الرابع الميلادي، ثم تاريخ أواخر عصر مملكة مروي في السودان، ونهايتها التي تُعزى على نطاق واسع عند المؤرخين، إلى غزو “عِيزانا” ملك أكسوم لها في حوالي عام 350م، تستند بصفة أساسية إلى آراء وقراءات بعض العلماء والباحثين السودانيين حول مدلول المسمى الجغرافي “الحبشة” المذكور في السيرة النبوية، مقرونًا بخبر هجرة المسلمين الأوائل إليها، والتجائهم إلى بلاط النجاشي، وعما إذا كان من الممكن توسيع مدلول ذلك اللفظ لكي يشمل السودان الحالي كذلك، وذلك على نحو ما جاء في بحث شهير للعلامة عبد الله الطيب نشره في عام 1982 بعنوان “هجرة الحبشة وما وراءها من نبأ”، وتابعه فيه بعد سنوات مؤيدًا البروفيسور الشيخ حسن الفاتح قريب الله، في كتابه الموسوم بـ”السودان أرض الهجرتين الأولى والثانية  للصحابة”. وخلاصة هذين العملين أنّ الحبشة المذكورة في معرض الحديث عن هجرة الصحابة الأوائل، كانت تقع في جزء من السودان الحالي، ولكن هل يعكس ذلك الحقيقة، أم أنها مجرد افتراضات تستند بصفة خاصة على محض البينات الظرفية، وتزينها العاطفة الوطنية كذلك.

ورحى القصة في رواية “ترجمان الملك” يدورعلى بعض النقاشات الدينية المسيحية ثم تدلف إلى عالم السحر، ثم تدخل في أحداث لتجارة العبيد وتنتهي بقصة حب، وتعكس الرواية  الصراع الفكري الذي يدور في ذلك الوقت بين الكنيسة والقصر من خلال حوارات (دلمار) ترجمان الملك مع الكاهن (أنطونيوس) أسقف الكنيسة في سوبا، والحوارات بين الكاهن أنطونيوس  والشاب (سيسي)، وبينه وبين الملك النجاشي، كما تضمنت حوارات الملك مع وفود العرب القادمين من مكة.

تصف الرواية قصر الملك والكنيسة والبيوت والمباني والأسواق في سوبا كما تعكس كثيرًا من أنماط الحياة وسبل العيش والتجارة في مجتمع (سوبا)، ومكونات البيت الأفريقي القديم في مملكة علوة وواقع المجتمع المسيحي في سوبا وهيمنة السحرة على بعض جوانب الحياة. كما تصف وجود القبائل المختلفة  حول مملكة علوة وأطماع الممالك الأخرى، تميزت الرواية بأنها تناولت بقعة مجهولة من أفريقيا لم تنل حظها من الاهتمام كما سلطت الأضواء على إحدى الممالك المسيحية الأفريقية القديمة وسبل العيش وأنماط الحياة والشخصية الأفريقية بجاذبيتها وسحرها.

 أسلوب عمر فضل الله السهل الممتنع 

لقد انتهج الروائي الشهيرعمر فضل الله نهجًا جديدًا في كتابة رواية “ترجمان الملك” ’فقد كان يجمع بين الحقيقة والخيال في قالب مشوق ولغة شاعرة وأسلوب بديع جمع بين العلم والإبداع معًا، فاللغة في رواية ” تَرجُمان الملك ” لغة فصيحة وسلسة، والأسلوب معتنى به على نحو واضح، وقد حرص الكاتب على إيراد بعض الألفاظ التي تحيل إلى عالم ولغة الأكليروس الكنسي القبطي، مثل استخدامه للفعل “تنيَّحَ ” بمعنى مات أو قضى نحبه، وهو شيء يذكرنا نوعًا ما بلغة وجو رواية “عزازيل” للمصري يوسف زيدان.

إن الأديب السوداني عمر فضل الله ليس كاتبًا محليًا فقط، بل ذاع صيته في العالم العربي و خارجه بأعماله القيمة وإبداعاته الفنية، وترجمت أعماله للإنجليزية والفرنسية، وهو نجم سوداني ساطع بدا في ساحة السودان الروائية العربية، ليصبح مقروءًا في العالمين العربي والغربي. ولم ينس عمر فضل الله، من أجل “تحلية” الرواية، على طريقة الأفلام والمسلسلات المصرية – حتى الإسلامية منها – أن يضمِّن روايته قصة حب البطل “سيسي بن أبيلو” الذي هو ترجمان الملك ذاته، للجميلة “سنجاتا” وهو حب نما وترعرع معهما منذ طفولتهما الباكرة، وذاك لعمري، طرف من تلك العلاقات الإنسانية التي تكشف عنها هذه الرواية الباذخة، والجديرة بالمطالعة حقًا.

 المصادر والمراجع

  1. حسينة .ب، “الطيب صالح وموسم الهجرة إلى الشمال مشاعر العرب ضد الاستعمار كما تطهر فيها دراسة نقدية”، جامعة الكالكوت،2012.
  2. عمر فضل الله، ” أطياف الكون الآخر”، دار الياسمين، دولة الإمارات العربية المتحدة، 2014م.
  3. جريدة الشرق الأوسط ، رقم العدد: 13076،16 سمتمبر ،2014م
  4. إبراهيم الصعافن ، تطور الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام 1870-1967،دار الراشد ، بغداد،1980م
  5. د. عبد الحميد بورايو ، الرواية العربية : مدخل إلى المناهج و التقنيات المعاصرة للتحلييل الأدبي
  6. بروفسور روجر آلن ، الرواية العربية ،ص :18
  7. omarfadalalla.com
  8. skynewsarabia.com

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.