صناعة الإنسان في الإسلام تتغيّا إخراج إنسان متحرر، ليس في ضميره أو جسده فحسب، وإنما متحرر أيضًا في رأيه، وفي أسلوب تعبيره عنه. فالإنسان في الإسلام يُتغيّا أن يكون متحررًا من سلطان العباد(1). وإن جوهر الاستخلاف والأمانة هو القدرة على أداء الواجبات، وانتزاع التمتع بالحقوق: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)(النساء:97).

وقال سبحانه: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا)(النساء:75).
وقد استنبط الإمام مالك من هذه الآية أن براءة الذمة بخصوص المستضعفين، معقودة بالنصر بالبدن إن كان العدد يحتمل، وإلا فلا سبيل إلا ببذل جميع الأموال(2).
وقال تعالى لومًا للذين ينشِّئون بناتهم تنشئة تعجزهن عن المطالبة بحقوقهن، وبعد ذلك تظل وجوههم مسودة وهم كظيمون إذا بشروا بالأنثى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ)(الزخرف:17-18).
ويمكن رصد عدد من المركبات التشريعية المشَكِّلة لصرح مقصد ضمان حقوق الإنسان:

أ- الحفظ
ونقصد به حفظ الحقوق والمصالح الضرورية التي بها تتحصل السعادة في العاجل والآجل. وهذا الحفظ يكون بأحد أمرين: الأول من جانب الوجود؛ وذلك بما يقيم أركانها ويثبت قواعدها. والآخر من جانب العدم؛ وذلك بما يدرأ الخلل الواقع أو المتوقع فيها.
1- حفظ الدين: وذلك من خلال:
• التشريع وتوفير أماكن العبادة المرعية، وتنظيم المساجد والقيمين عليها، وتنظيم الزكاة والصيام والحج، وتنظيم الوقف وحمايته.
• التربية السليمة والممنهجة.
• حماية وتيسير وتوطين القيم المعنوية والروحية للدين.
• حرية التدين وعدم الإكراه.
• تقنين وهيكلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بتجلية شروطه وموانعه، ومناهجه وعقوباته، وزجر من يترامون بغير حق ولا مستحق للقيام به.
• التشجيع على الاجتهاد الكفء.
2- حفظ النفس: وذلك عبر:
• ضمان الحق في الحياة.
• احترام التشريعات المحرِّمة للقتل والأذى.
• الحماية من العدوان، وهو ما يظهر جليا في حد الحرابة.
• الحماية من التعذيب، والحماية من الإخافة والترويع(3).
• حماية البيئة (مناخيا ونباتيا وحيوانيا)،
• ضمان حق العيش، والصحة، والحركة، والتنقل مع الحماية من الاتجار بالبشر.
• الاستثمار في الأمن العام والدفاع الوطني، وأمن الدولة(4).
3- حفظ العرض: وذلك من خلال حفظ قسميه:
أ. الكرامة، عبر تحريم القذف والرمي.
• رعاية وحماية كرامة وسمعة الإنسان الفرد والمجتمع، بالتنشئة على الكرامة، وزرع قيم عدم الاعتداء عليها.
• حماية الحق في الخصوصية وعدم الاجتراء عليها وإن قامت حولها شكوك (مثال عمر حين اقتحم على من بلغه أنه يشرب الخمر فزُجِر وقبِل الزجر وانصرف)(5).
• الحيلولة دون الاستعمال غير المشروع للسلطة، للمساس بكرامة الفرد أو الأسرة أو الجماعة أو المنظمة.
بـ. النسل والأسرة، عبر ضمان أن يكون التناسل في إطار الزواج، حيث المسؤولية، وحفظ الأنساب، وإمكان تلقي الرعاية والدعم المنظمين والمنضبطين من الدولة، وكافة الجهات المختصة؛
• حماية الأسرة ورعايتها وتوفير حاجياتها الأساسية، غذائيًّا، وإيوائيًّا، وصحيًّا، وتربويًّا، وقيميًّا.
• رعاية الطفولة والنشء (أيتام، ذوي الاحتياجات الخاصة).
• رعاية الشيخوخة.
• الحرص على توطين المساواة بين الرجال والنساء، حتى يضطلع كلٌّ بمسؤوليته لحفظ الأسرة وتنميتها.
جـ. حفظ العقل:
• تحريم الشرك، والخرافة، والسحر، والطيرة، والمخدرات، والمسكرات، والمفترات التي تؤدي إلى مختلف أضرب الإدمان الضارة بالعقل وبالفرد وبالمجتمع.
• إشاعة الموضوعية في التمثل والتفكير، وإشاعة رؤية علمية موضوعية للذات والموضوع والعالم، وذلك من خلال السهر على أن تضطلع نظم التربية والتكوين الإلزامية في المدرسة والتطوعية في المسجد والإعلام ووسائل الاتصال بذلك دون السقوط في التقنين الدولاني الحاد من الحريات المشروعة.
• إشاعة العلوم والمنتوجات الثقافية المغذية للعقل.
• ضمان الحقوق الثقافية واللغوية والكَلغْرافية.
• تشجيع وحماية البحث العلمي والتكنولوجي.
• ضمان الولوج إلى المعلومة.
• السعي إلى بناء مجتمع المعرفة.
• ضمان وحماية حرية التعبير، في حماية للفرد والمجتمع من الظلم بهذا الصدد، من القذف والرمي غير المشروعين، مما تكون له آثار على ضياع مصالح الفرد والجماعة مادية كانت هذه المظالم أم معنوية(6).
د. حفظ المال:
• تحريم السرقة.
• حماية الملكية العامة والملكية الخاصة (مادية كانت أم فكرية أم اختراعية أم تجارية أم صناعية أم مهنية).
• سلامة واستقرار التبادل التجاري.
• حماية المستهلك من أن ينفق ماله فيما يضره أو يضر غيره.
• حماية حقوق العمال (أجورًا وحسن معاملة) سواء كانوا أبناء البلد أو من الوافدين.
• منع الربح غير المشروع، ومنع الاستغلال بسائر أنواعه وأشكاله (ربا، ميسر، رشوة…).
• إشراف الدولة على التنمية المستدامة اقتصاديًّا وبشريًّا.
• حماية السوق من المضاربات التي تؤدي إلى غلاء الأثمان غير المشروع.
هذه هي المصالح الكلية التي جاءت الشريعة الإسلامية لتأمينها بأن نصّت على كل منها، وبينت أهميتها، وخطورتها ومكانتها، في تحقيق السعادة للإنسان، ثم كلّفت بالأحكام الوظيفية لضمان تحقيقها.
ويدل الاستقراء والبحث والدراسة والتأمل على أن الشرع الحنيف جاء لتحقيق مصالح الناس الضرورية والحاجية والتحسينية، وأن الأحكام الشرعية كلها إنما شرعت لتحقيق هذه المصالح.
ومعلوم أن ضمان الحقوق للإنسان، من أعظم الأمور التي تحصل بها سعادته(7).

بـ- العدالة
1. العدالة في التوزيع: (مفهوم القَسْم) بين المسلمين، ومثال أراضي سواد العراق الرائع، حيث لم يوزعها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بين الفاتحين، وإنما وزعها على أهل العراق.
2. العدالة الكونية: حلف الفضول “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت”(8). ويدخل في هذا: الوفاء بالعهود (الآليات والالتزامات والعقود بعد المصادقة عليها) ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
3. العدالة التصحيحية: والأصل فيها قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)(الأنبياء:78-79)، حيث تروي كتب التفسير مراجعة سليمان عليه السلام لأبيه نبي الله داوود عليه السلام في الحكم، مما يعد نواة مقدرة للعدالة التصحيحية.
قال صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا بشر، إنما أنا أقضي بينكم بما أسمع منكم، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من أخيه فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار”(9).
ويدلُّ على رجوع القاضي عن حُكمه في هذه الحالات، ما ورد في كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه حيث قال فيه: “ولا يمنعك قضاءٌ قضيتَ فيه اليوم فراجعتَ فيه رأيك، فهُديت فيه لرشدك، أن تُراجع فيه الحق، فإنَّ الحق قديم لا يُبطله شيء، ومراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل”(10)
4- العدالة السياسية: ومن ركائزها مبدأ الشورى لقوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)(آل عمران:159)، وقوله سبحانه: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)(الشورى:38)، ومبدأ شفافية الحكامة Tranparency of governance، ومبدأ فصل السلط، وكل ذلك مؤطر بضرورة رعاية مصالح الناس، وهو ما أشار إليه علماء الأصول بقولهم: “تصرف الإمام على الرأي منوط بالمصلحة”(11).

جـ- المساواة تحت القانون
ومما يشهد لهذا المحدد آية: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(التوبة:71).
وقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(النحل:97)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)(النساء:1)(12).

د- الحسبة العامة والخاصة(13)
ونجد للحسبة أصلاً في الآية: (لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ)(النساء:114)، وفي الآية: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)(الحجرات:9).
ويؤيد ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ)(الرعد:22).
ولا تقتصر هذه الفعالية على الفرد، وإنما تتعدى إلى الجماعة والدولة. فإذا كان الأمر بالمعروف واجب على الفرد المسلم، فإنه واجب على الجماعة، حيث يتعاون عليه الأفراد في الجماعات ويتشاورون فيه لقولـه تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(آل عمران:104)، وقال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)(المائدة:2).
وهذا واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض على الكفاية، ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره. وفي تسمية علماء الأصول -خصوصًا الأوائل- لها بالفروض الكفائية، إيحاء، بأن القيام بها من لدن القادرين، ينبغي أن يكون كافيًا للأمة، وإلا فإنها لا تسقط، ويبقى الإثم عالقًا بعموم الأمة.
إلا أن غير القادرين، لا يبقون -بخصوص الفروض الكفائية- بدون مسؤولية، فالشرع يُرتِّب عليهم مسؤولية السعي، لإقامة القادرين(14).

هـ- لا ضرر ولا ضرار(15)
ونفيُ الضرر ورفعه، مقصد عليّ من مقاصد الشريعة الإسلامية. فلا يقبل كل فعل فيه ضرر على الفرد أو المجتمع في الحال والمآل. وهو ما يتساوق تمامًا مع مبدأ التيسير ورفع المشقة الذي يعد بدوره مقصدا أساسًا من مقاصد التشريع في الإسلام: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(البقرة:185).

و- تحريم الظلم
إن النصوص التي تحث المسلمين على تحريم الظلم، والسعي إلى ضمان حقوقهم وترغِّب في ذلك، أكثر من أن تُحصى(16) في هذا المقام… والمتعامل معها، يلاحظ، أن في الإسلام نظامًا كاملاً، لإقامة العلاقات الاجتماعية بين الناس، على وجه يُبعِدُ كلَّ الأدواء التي تَنْخر كِيَان المجتمعات عن المجتمع الإسلامي… وهو نظام حري بأن يُبحث فيه وتُوَضَّح معالمُه، في دراسة جادة موضوعية مستقلة.
وبذلك فإن هذا المقصد، تحريم الظلم، يمكن أن يعتبر من المقاصد المركزية في الشريعة الإسلامية. ومن شواهد ذلك قوله تعالى: (وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)(الكهف:49)، (وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)(آل عمران:57)، وفي الحديث القدسي: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا”(17).
وهو ما تجلى في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تزخر بحرصه عليه الصلاة والسلام على إيفاء أهل الحقوق أفرادًا وجماعات حقوقهم(18).

(*) الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء – المغرب
الهوامش
(1) قال ربعي بن عامر تعبيرًا عن المقصد الكلي للإسلام في جوابه لرستم بعد أن سأله: “لم جئتم؟” قال رضي الله عنه: “ابتُعِثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده”، ابن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، دار الفكر، ط1979م، 3/23 فما بعدها، أحداث سنة 14 هجرية.
(2) أحكام القرآن، ابن العربي، 1/409-460.
(3) قال صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من روّع مسلمًا”. (أخرجه البيهقي)
(4) وهنا يشار إلى مفهوم الإعداد المستفاد من قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ)(الأنفال:60). فالسلم في الإسلام ليس مقصده الأصل هو القتال، وإنما الإرهاب للعدو قصد ثنيه عن الانخراط فيما يوجب مواجهته، مما قد يؤدي إلى إهراق الدماء وإزهاق الأرواح. والاستطاعة، المراد بها تلك المنضبطة بالموازنة بين الحاجات وعدم تجاوزها بالإنفاق على السلاح وتجويع الناس مثلاً.
(5) عن عبد الرحمن بن عوف، أنه حرَسَ مع عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنهما ليلةً بالمدينة، فبينما هُمْ يمشون شَبَّ لهم سِراجٌ في بيتٍ، فانطلقوا يَؤمُّونه حتى إذا دَنَوْا منه إذا بابٌ مُجافٌ على قومٍ لهم فيه أصواتٌ مُرتفِعةٌ ولَغَطٌ، فقال عمرُ رضي الله عنه وأخذ بِيَد عبد الرحمن، فقال: أَتَدْري بيتَ مَن هذا؟ قلت: لا، قال: هذا بيت ربيعةَ بنِ أُمَيةَ بنِ خَلَفٍ، وهُمُ الآن شُرَّبٌ، فما تَرى؟ قال عبدُ الرحمن: أَرَى قد أتينا ما نهى الله عنه: (وَلاَ تَجَسَّسُوا)(الحجرات:12)، فقدْ تجسّسنا، فانصرَفَ عنهم عمرُ رضي الله عنه وتركهم”، السنن الكبرى، للبيهقي (8/579) (17625).
(6) علمًا بأن كل ما سلف أعلاه من مفردات، عليها شواهد تفصيلية في القرآن والسنة وكسب الصحابة والتابعين وأعلام الأمة في مختلف أجيالها، لا يتسع المقام لاستقرائها.
(7) ومنهج التشريع الإسلامي لرعاية هذه المصالح يسلك طريقين أساسين: الأول: تشريع الأحكام التي تؤمّن تكوين هذه المصالح وتوفر وجودها. الثاني: تشريع الأحكام التي تحفظ هذه المصالح وترعاها وتصونها، وتمنع الاعتداء عليها أو الإخلال بها، وتؤمّن الضمان والتعويض عنها عند إتلافها أو الاعتداء عليها، وبذلك تصان حقوق الإنسان وتحفظ، عن طريق إقرارها بما يلزم. الموافقات 2/5.
(8) أخرجه البيهقى في سننه 6/267، وابن سعد في الطبقات الكبرى 1/128-129.
(9) أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب من قضي له بحق أخيه فلا يأخذه فإن قضاء الحاكم لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالاً، رقم 6759.
(10) ومما يشهد له ما رواه الإمام البيهقي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال: “كيف تقضي إن عرض لكَ قضاء؟” قال: أقضي بكتاب الله، قال: “فإنْ لم تجد في كتاب الله؟” قال: فبسُنَّة رسول الله، قال: “فإنْ لم تجدْ في سُنَّة رسول الله ولا في كتاب الله؟” قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: “الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يُرْضي رسولَ الله”، أخرجه البيهقي في “السنن الكبرى”، (ج10، ص:150)، والدارقطني في سننه، (ج4، ص:206)، و”إعلام الموقعين”، (ج1، ص:92)، و”أخبار القضاة”، (ج1، ص:72).
وما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإن حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر”. أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الاعتصام)، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب وأخطأ (ج8، ص:157)، ومسلم في صحيحه (كتاب الأقضية)، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (ج2، ص:56).
وكتب الفقه طافحة بذِكْر الأمثلة على ذلك من فعْل الصحابة رضي الله عنهم ومنهم حُكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المشرَّكة، حيث حكم بإسقاط الإخوة الأشقاء ثمَّ شرَّك بينهم وبين الإخوة لأمٍّ في قضية أخرى رُفعتْ إليه، ولم ينقض حكمه الأول، وإنما قال: “تلك على ما قضيْنا، وهذه على ما نقضي”، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (كتاب الفرائض)، باب المشرّكة (ج6، ص:255)، وعبد الرزاق في مصنفه (كتاب الفرائض) (ج10، ص:249-250)، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: “فأخذ أميرُ المؤمنين في كلاَ الاجتهادَين بما ظهر له أنَّه الحق، ولم يمنعه القضاء الأوَّل من الرجوع إلى الثاني، ولم ينقض الأول بالثاني، فجَرَى أئمة الإسلام بعده على هذين الأصلين”، إعلام الموقعين 1/111.
(11) القاعدة نص عليها الشافعي أيضًا، وقد أخرج سعيد بن منصور أصل هذه القاعدة في سننه.
(12) ومن صور هذا المبدأ: المساواة في الفُرص، والمساواة في الحقوق والواجبات.
(13) ولاية الحسبة من الولايات الشرعية العامة الخاضعة لسلطة الدولة، حيث تجب على الإمام بحكم وظيفته في حفظ الدين على أصوله المستقرة وتنفيذ أحكامه، ورعاية حقوق الناس ومصالحهم. ولذلك كان الخلفاء في العصور الأولى للإسلام، يباشرونها بأنفسهم، ثم أسندوا أمرها إلى والٍ خاص يُعْرَف بالمحتسب، وأُعطي من الصلاحيات و الأعوان بحيث يقوم بها خير قيام، فيمشي في الأسواق والشوارع ويقتحم أبواب المؤسسات العامة والدوائر الحكومية، ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، سواء تعلق ذلك بقيمة من قيم الإسلام معطلة أو بحق من حقوق الناس مهدر.
(14) قال الشاطبي: “القيام بهذا الفرض -يقصد الفرض الكفائي- قيام بمصلحة عامة، فهم مطلوبون بسدها على الجملة، فبعضهم هو قادر عليها مباشرة، وذلك من كان أهلاً لها، والباقون، وإن لم يقدروا عليها، قادرون على إقامة القادرين، فمن كان قادرًا على الولاية، فهو مطلوب بإقامتها، ومن لا يقدر عليها، مطلوب بأمر آخر، وهو إقامة ذلك القادر، وإجباره على القيام بها.. فالقادر إذن، مطلوب بإقامة الفرض، وغير القادر، مطلوب بتقديم ذلك القادر، إذ لا يتوصل إلى قيام القادر، إلا بالإقامة، من باب، ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب”، الموافقات 8/353.
(15) والأصل في هذه القاعدة وغيرها من قواعد رفع الضرر قوله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار” (رواه ابن ماجه والدارقطني).
(16) منها قوله تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)(الشورى:40)، (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ)(هود:113)، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾(الشعراء:227)، وغيرها من الآيات المحذرة من الظلم، والمذكرة بجزاء الظالمين.
وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “المسلم أخو المسلم، لا يظلمُه، ولا يُسْلِمه”، رواه البخاري في كتاب المظالم، باب لا يظام الميلم الميلم ولا يسلمه، رقم 2442.
وعن البَراء بن عَازِب رضي الله عنه قال: “أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسَبْعٍ، ونَهَانا عن سَبْعٍ، فذكر عيادةَ المريض، واتِّبَاعَ الجنائز، وتَشْمِيت العاطس، وردَّ السلام، ونصر المظلوم، وإجابة الدَّاعي، وإبرار القَسَم”، رواه البخاري في كتاب المظالم، باب نصر المظلوم، حديث رقم 2445.
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته” ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾(هود:102).
وفي الحديث: “اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة” (رواه مسلم). وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لأبي سلمة بن عبد الرحمن، وكان بينه وبين الناس خصومة: يا أبا سلمة اجتنب الأرض، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين” (رواه البخاري ومسلم). وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تكونوا إمّعة، تقولون: إنْ أَحْسَنَ الناس أَحْسَنّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وَطِّنُوا أنفسكم، إنْ أَحْسَنَ الناس أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تَظلموا” (رواه الترمذي). وأثر عن عبد الرحمن الأوزاعي قولته لأبي جعفر المنصور: أنت راعي الله، والله تعالى فوقك، ومستوف منك، (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)(الأنبياء:47).
(17) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، (2577).
(18) قال ابن حجر العسقلاني في شرحه لحديث”المومن للمومن كالبنيان يشد بعضه بعضا”: “نصر المظلوم فرض على الكفاية، وهو عام في المظلومين، وكذا في الناصرين، بناء على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع وهو الراجح” فتح الباري 5/99.

Leave a Reply

Your email address will not be published.