إن مما لا يقبل الجدال ولا النـزاع أن الله تعالى خلق الكون كله على المتقابلات كاللذة والألم، والمصلحة والمفسدة، والصحة والمرض، والغنى والفقر، والسعادة والشقاء، والحياة والموت.. إلخ. وإن الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله قد نهج في تحليلاته للآيات القرآنية في رسائله هذا النهج التقابلي الذي هو منهج القرآن الكريم نفسه، ويؤكد ذلك قوله في الخطبة الشامية: “إن رسائل النور التي هي تفسير حقيقي للقرآن الكريم، ببيان إعجاز معانيه الجليلة، تُبيّن أن في الضلالة جحيما معنويا في هذه الدنيا، كما تثبت أن في الإيمان نعيما معنويا في الدنيا أيضا، وهي تبرهن أن في المعاصي والفساد والمتع المحرمة آلاما معنوية مبرّحة، كما أن في الحسنات والخصال الحميدة والعمل بالحقائق الشرعية لذائذ معنوية أشبه ما تكون بملذات الجنة”.
حياة المؤمن لذة ومصلحة وسعادة
إنّ بديع الزمان سعيد النورسي يَعتبر الحياة كلها بالنسبة للمؤمن لذة ومصلحة وسعادة، وأنها بالنسبة إليه صورة مصغرة من نعيم الجنة، وأن الحياة كلها ألم بالنسبة للكافر المعاند، وإن بدا للناظر أنه في سعادة ولذة؛ لأنها سعادة ولذّة موهومة لا حقيقية، ولذة قليلة فانية، فهو وإن بدا عليه آثار السعادة إلا أنه شقي في أعماقه. ويبيّن النورسي رحمه الله ذلك بقوله: “إنّ نوازع الإنسان وأحاسيسه المادية لا ترى العقبى، فتفضّل درهما من لذة عاجلة على قنطار من لذات آجلة. هذه الأحاسيس قد طغت -في هذا العصر- على عقل الإنسان وسيطرت على فكره؛ لذا فالسبيل الوحيد لإنقاذ السفيه من سفهه، هو الكشف عن ألمه في لذاته نفسها”. فلذّات الدنيا -إذن- مهما بلغت فهي قليلة جدا في مقابلة اللذة الحقيقية التي هي لذة الجنة الأبدية. ولا شك أن العاقل إذا خير بين لذة آنيّة، ولذة لا حدود لها، فإنه سيختار اللذة الدائمة، وهذا ما قرره الأستاذ النورسي في هذا النص. ويقول أيضا: “إن أهل الضلالة يعيشون في جهنم في هذه الدنيا، وإن أهل الهداية يذوقون لذائذ الجنة في هذه الدنيا أيضا (…) وإن الإيمان بذرة معنوية من بذور الجنة، والكفر نواة من نوى زقّوم جهنّم”.
إنّ المتتبع لرسائل النور يجد أنه لا يخلو فقرة من فقراتها من هذا النوع من التقابل، إما بين أهل الهداية وأهل الضلالة، أو بين الجنة والنار، أو بين السعادة والتعاسة، أو بين الحياة الدنيا والآخرة، أو بين اللذة والألم موضوع المقال.

مفهوم اللذّة والألم

اللذة عبارة عن المنفعة والمصلحة، وما يؤدي إليهما. والمصلحة هي المحافظة على مقصود الشرع كما قال الإمام الغزالي في المستصفى. ومقصود الشرع في الخلق هو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يؤدي إلى حفظ مقصود الشرع في الخلق فهو لذة ومنفعة ومصلحة؛ وذلك أن اللذة الحقيقية لا توجد إلا في الكون مع الله عز وجل خالق اللذات.
يقول الرازي في تعريف المنفعة والمضرة: “المنفعة عبارة عن اللذة أو ما يكون طريقا إليها، والمضرّة عبارة عن الألم أو ما يكون طريقا إليه”.
ويقول العز بن عبد السلام: “والمصالح أربعة أنواع: اللذات وأسبابها، والأفراح وأسبابها. والمفاسد أربعة أنواع: الآلام وأسبابها، والغموم وأسبابها. وهي منقسمة إلى دنيوية وأخروية (…) ومن أفضل لذات الدنيا لذات المعارف وبعض الأحوال”. فلذات الدنيا ما هي إلا صور للذات الآخرة التي هي اللذة الحقيقية، كما أن آلام الدنيا ما هي إلا صور بالنسبة للآلام الأخروية، وأفضل لذات الدنيا هي اللذات المكتسبة عن طريق الإيمان بالله عز وجل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة” (رواه النسائي وأحمد). وكان عليه الصلاة والسلام كلما حزبه أمر فزع إلى الصلاة، فيقول: “يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها” (رواه أبو داود).
يقول الأستاذ النورسي: “إن كل لذة ومتعة خارج نطاق الشرع، فيها ألف ألم وألم (…) فمن كان يريد السرور الخالص الدائم والفرح المقيم في الدنيا والآخرة، عليه أن يقتدي بما في نطاق الإيمان من تربية محمد صلى الله عليه وسلم”.

اللذّة وأقسامها في فكر الأستاذ النورسي

إنّ اللذة في فكر الأستاذ النورسي منقسمة إلى لذة دنيوية ولذة أخروية، وإن لذات الدنيا التي تظهر في بديع صنع الله تعالى في الكون وفي الحياة من جمال ولطافة في المصنوعات، ولذة في الأطعمة، وبهاء في الألبسة، ورفاهة في المركوبات.. “كل ذلك يُظهر سخاء وَجودا لا حد لهما، فلابد أن يكون لمثل هذا الجود والسخاء المطلقين، ولمثل هذه الخزائن التي لا تنفد، ولمثل هذه الرحمة التي وسعت كل شيء، دارُ ضيافة، ومحل سعادة خالدة يحوي ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وتستدعي -قطعا- أن يخلد المتلذذون في تلك الدار، ويظلوا ملازمين لتلك السعادة ليبتعدوا عن الزوال والفراق؛ إذ كما أن زوال اللذة ألم فزوال الألم لذة كذلك… وإلا فاللذة اليسيرة -التي ينغصها الزوال والفراق- في هذه الفترة الوجيزة لا يمكن أن تنسجم ومقتضى هذا الجود والسخاء”.
فالنورسي رحمه الله يبين في هذا النص أن لذات الدنيا هي لذات قليلة وقصيرة الأجل فلا ينبغي للعاقل أن ينحاز إليها بكليته؛ وذلك أنها لذات ساعة تتضمن آلام ساعات؛ لأنها ستفارق بلا شك، وفراق اللذة ألم مرير. وها هو يؤكد ذلك في موضع آخر بقوله: “وستفهم أن التزيينات في هذه الدنيا ليست لأجل التلذذ والتمتع فحسب، إذ لو أذاقتك اللذة ساعة أذاقتك الألم بفراقها ساعات وساعات، فهي تذيقك مثيرة شهيتك دون أن تشبعك، لقصر عمرها أو لقصر عمرك، إذ لا يكفي للشبع. إذن فهذه الزينة الغالية الثمن والقصيرة العمر هي للعبرة وللشكر وللحض على الوصول إلى تناول أصولها الدائمة ولغايات أخرى سامية”.

الطريق إلى اللذّة

إن الإيمان بالله وحده هو الذي يضمن للإنسان لذة وسعادة ممهدة إلى السعادة واللذة الدائمة في الجنة، “ولهذا نجد المؤمن بالآخرة يتمتع بسعة النفس وبُعد الرؤية وتفاؤل في التحليل، ومن ثم اطمئنان في القلب، وتجد في المقابل صدر الكافر ضيقا حرجا كأنما يصّعّد في السماء، متشائما حائرا خائفا مضطربا، يخشى فوات لذة الدنيا الفانية لأنه لا يؤمن بلذة الآخرة الباقية”. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾(طه:124) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾(الزخرف:36).
نعم، إن أهل الإيمان يتمتعون في هذه الحياة الدنيا بنفوس منشرحة وصدور رحبة، وكل حياتهم سعادة، “ويشعرون بلذة عميقة حقيقية راسخة، بينما أهل الضلالة سيتأجج في قلوبهم جحيم معنوي يعذبهم بلظاه حتى لو تمتعوا بمباهج الدنيا ولذائذها، بيد أن الغفلة وحدها هي التي تحول دون استشعارهم ذلك العذاب الأليم”. وهذا الإيمان يقتضي القناعة والمحبة والرحمة والشفقة والكرم وغيرها من الصفات الذاتية الحقيقية التي تنبع منها لذة حقيقية. فمن أراد أن يتمتع بلذة الدنيا، والتنعم بسعادتها، فإن اللذائذ المشروعة تغنيه عن كل شيء، فهي كافية لتلبية رغباته. يقول النورسي: “إنّ الذوق الحقيقي، واللذة التي لا يشوبها ألم، والفرح الذي لا يكدره حزن، والسعادة التامة في الحياة، إنما هي في الإيمان، وفي نطاق حقائقه ليس إلا”.
إن الغالب على لذات الدنيا أنها لذات نسبية تتأثر بأضدادها، فإذا انتفت تلك التأثيرات قلّت اللذة؛ بينما اللذة الحقيقية -وهي تلك التي تكوّنت من الإيمان- فإنها لذة بلا ألم، لأنها لا تبنى على تصور غيرها، بل هي لذة موجودة بذاتها. يقول النورسي: “اعلم أن اللذة الحقيقية إنما تنبع من شهية حقيقية، وأن الشهية الحقيقية الصادقة تنبع من حاجة حقيقية صادقة، وفي هذه اللذة -الكافية للإنسان- يتساوى السلطان والشحاذ”.
والناس متفاوتون في شعورهم باللذة والمتعة، وذلك “أنه بمقدار تيقظ القلب، وحركة الوجدان، وشعور الروح، تزداد اللذة والمتعة”.

الألم وأنواعه في فكر الأستاذ النورسي

إن الألم ينقسم إلى دنيوي وأخروي مثلما أن اللذة تنقسم إلى دنيوية وأخروية، وآلام الدنيا أصناف كثيرة، منها: “آلام الماضي، وغصص الزمن الحالي، ومخاوف المستقبل وأوهام الزمان الآتي، والآلام الناتجة من زوال اللذات؛ وذلك أن زوال اللذة مثلما هو ألم، فتصوُّر زوال الألم كذلك ألم مثله”. فإذا كانت منغصات الحياة تدخل على الإنسان غالبا من قِبل آلام الماضي ومخاوف المستقبل وأوهام الزمان الآتي، فلا ينبغي للعاقل أن يشتت ذهنه من أجل آلام في عداد المعدوم، بل عليه أن يُقبل على يومه بإصلاح حاله فيه جاعلا نصب عينيه قوله عليه الصلاة والسلام: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا” (أخرجه البيهقي). ففي هذا الحديث حث على الزهد في هذه الحياة، وذلك أنّ الإنسان لو كان خالدا في هذه الحياة الدنيا لما حزن على ما فاته، ولا جزع لما يستقبل من أيامه، لأنه يعرف أن ما فاته أمس سيستدركه غدا؛ وكذلك لو علم الإنسان أنه سيموت غدا سيزداد في القرب من ربه بكل ما أوتي من قوة. ولهذا يقول النورسي: “إنه لا ألم من غير شيء، ولا يرد من العدم ألم.. فمن البلاهة إظهار الجزع ونفاد الصبر الآن من ساعات آلام ولت، ومن آلام لم تأت بعد، على أنّها جميعا في عداد المعدوم. نعم، إن الإنسان إن لم يشتت قوة صبره يمينا وشمالا -إلى الماضي والمستقبل- وسددها إلى اليوم الذي هو فيه، فإنها كافية لتحل له حبال المضايقات”.
إن الآلام الدنيوية بالنسبة لأهل الهداية هي عين اللذة، وإن الانقطاع هو عين الوصال، يقول النورسي: “فالآلام والمصائب كلها أعمال صالحة سلبية اضطرارية كما ورد في الحديث الشريف، وفيه سلواننا”. يريد بالحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: “عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له” (رواه مسلم). فالآلام التي تعترض طريق المؤمنين في هذه الحياة، ما هي إلا مصفاة تصفي نفوسهم وتنقيها من بقايا أدرانها وأخطائها، يقول الأستاذ أديب إبراهيم الدباغ: “فالآلام رغم قسوتها هي جمال، لأنها طريق النفوس إلى الصفاء والنقاء. والصفاء والنقاء هو الجمال كل الجمال، وما من ألم أو حزن يصيب المؤمن إلا وهو خير له، لأنه يزيد في خصب روحه وقوتها. فالسجون والزنزانات والمنافي هي مدارس يوسفية كما يصفها النورسي”.

الطريق إلى الألم

لقد تقدم أن الطريق إلى اللذة هو طريق الإيمان بالله عز وجل، الذي يقتضي القناعة والرحمة والشفقة والكرم وما شاكلها. وإذا علمنا أن الألم ضد اللذة، فأضداد هذه الصفات –إذن- هي الطريق إلى الألم. ولهذا يرى النورسي أن الكفار وأرباب الضلالة يعيشون في جحيم، وإن بدا للناظر أنهم يتمتعون بنعيم الدنيا، فيقول: “فلا جرم أن أولئك الضالين وأرباب السفاهة والمجون سيتأجج في قلوبهم جحيم معنوي يعذبهم بلظاه حتى لو تمتعوا بمباهج الدنيا ولذائذها، بيد أن الغفلة وحدها هي التي تحول دون استشعارهم ذلك العذاب الأليم”. إن الخروج عن نطاق الشرع يورث آلاما لا حدود لها، فكما أن الآلام بالنسبة للمؤمن هي عين اللذة، فاللذة بالنسبة للكافر هي عين الألم. فالحياة بلا إيمان حياة بلا طعم ولا لذة، حياة تسودها الآلام والأحزان والهموم، وفي هذا يقول النورسي: “فالحياة إن كانت خالية من الإيمان، أو فقد الإيمان تأثيره فيها لكثرة المعاصي، فإنها مع متاعها ولذاتها الظاهرية القصيرة جدا تذيق الآلام والأحزان والهموم أضعاف أضعاف تلك المتع والملذات”. إن الإنسان الذي يفقد لذة الإيمان سيعيش قلقا أبديا وهموما لا نهاية لها، لأنه سيجزع لماضيه ويتحسر عليه، ويشتت ذهنه في المستقبل المجهول، ويرى المصير إلى القبر نهاية اللذات.
إن اللذة والألم صفتان متقابلتان، فقدان إحداهما يؤدي إلى الشعور بالأخرى، وهذه هي سنة الله تعالى في الخلق.
فاللذة عبارة عن المنفعة والمصلحة، والطريق إليها الإيمان بالله تعالى، والتحلي بصفات الرحمة والشفقة والجود والكرم والعفة والقناعة، وبمقدار تيقظ قلب المرء تزداد نسبة شعوره باللذة الحقيقية. أما الألم فهو عبارة عن المضرة والمفسدة، والطريق إليه الكفر والضلال، والتلبس بصفة الظلم والبخل، والتفسخ الخلقي.
وقد رسم النورسي في كليات رسائله منهجا نوريا استوحاه من القرآن الكريم، يضمن لسالكه لذة لا يشوبها ألم، وسعادة لا يعارضها شقاء. وبهذا المنهج استطاع أن يحول السجن إلى مدرسة إيمانية، سماها “المدرسة اليوسفية”. وإن هذا المنهج الذي استطاع أن يحول آلام السجون إلى لذات إيمانية، لَقَمِن بأن يحول كل آلام الدنيا إلى لذات، وهموم الدنيا إلى أفراح؛ وذلك أن آلام الدنيا مهما بلغت فهي آلام ساعة، كما أن لذاتها لذات ساعة تتضمن بالنسبة للكافر آلام ساعات لا نهاية لها. هكذا صور النورسي حال المؤمن وحال الكافر في هذه الحياة الدنيا الفانية.
________________
المصادر
(1) الخطبة الشامية، لبديع الزمان سعيد النورسي، تحقيق: إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، القاهرة.
(2) الكلمات، لبديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، القاهرة.
(3) البعد الروحي في رسائل النور، تأليف: أ.د. خالد الصمدي، دار سوزلر، القاهرة.
(5) التربية السلوكية عند بديع الزمان سعيد النورسي، لأديب إبراهيم الدباغ، شركة النسل للطباعة، إسطنبول.
(6) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت.
(7) المحصول، لفخر الدين الرازي، تحقيق: طه جابر العلواني، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.