في سنة 1989، أرسلت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا قمرها الاصطناعي “Cobe Explorer” الذي قام -بعد ثلاث سنوات- بإرسال معلومات دقيقة إلى الأرض تؤكد نظرية “الانفجار العظيم” (Big Bang). وهذه الحقيقة العلمية ذكرها القرآن الكريم منذ أكثر من ربعة عشر قرنًا حيث قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾(الأنبياء:30)، أي إن السماوات والأرض كانتا في الأصل عبارة عن كتلة واحدة (جرم ابتدائي واحد) في مرحلة الرتق، ثم أمر الله تعالى بفتق هذا الجرم الابتدائي فانفتق (مرحلة الفتق)، وتحول إلى سحابة من الدخان (مرحلة الدخان)، حيث خلق الله تعالى من هذا الدخان كلاًّ من الأرض والسماوات بما فيهما. والقرآن أدقُّ في تقرير الحقيقة، فهو “فتقٌ” وليس “انفجارٌ”، لأن الانفجار يؤدي إلى تفتت الأجزاء، أما “الفتق” فهو انفصال مع المحافظة على المكونات(1).

بدايات الكون

قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾(فصلت:11). وقد أثبت العلم الحديث أن السماء بدايتها الدخان؛ ففي 8 نوفمبر 1989 أطلقت وكالة ناسا مركبة باسم “مكتشف الخلفية الإشعاعية للكون” (Comic Background Explorer)، وقام هذا القمر بإرسال قدر هائل من المعلومات وملايين الصور لآثار الدخان الكوني الأول. وما نشرته الوكالة بالنص هو: “Smoking Supernovae Solve A Ten Billion Year-Old Mystery”؛ ومعناه أن المستعرات الدخانية العظمى تحل سر 10 بلايين سنة، وهو عمر الكون التقريبي. واستطاع العلماء إحضار جزيئات من الدخان الكوني إلى الأرض وأخضعوها للتحليل المخبري، فماذا كانت النتيجة؟ يقول العالم الذي أشرف على هذا التحليل: “إن هذه الجزيئات التي كنا نسميها “غبارًا كونيًّا” لا تشبه الغبار أبدًا، وإذا أردنا أن نصفها بدقة فائقة، فإن أفضل كلمة هي كلمة “دخان” وباللغة الإنكليزية تعني “Smoke”(2).

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾

كلمة “الحُبُك” هي النسيج المحبوك والشديد والمحكم. وقالوا بأن قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ يعني ذات الشكل الحسن، وذات الشدة، وذات الزينة، وذات الطُرُق. ولقد بث المرصد الأوروبي الجنوبي (European Southern Observatory) من خلال موقعه على الإنترنت، اكتشافًا عنوانه “A glimpse of the very early universal”، أي، “لمحة عن النسيج الكوني المبكر جدًّا” تأكيدًا على لسان العلماء الذين اكتشفوا هذا النسيج ورأوه للمرة الأولى، يقول فيه: “إننا لا نكاد نشك بأننا -وللمرة الأولى- نرى هناك خيطًا صغيرًا في الكون المبكر”. ثم يقولون بعد ذلك بالحرف الواحد: “نحن نراه (أي هذا الخيط) في زمن عندما كان عمر الكون 2 بليون سنة فقط”.
﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾(البقرة:22). وهذا ما أثبتته الوكالة في مقالة نشرتها بعنوان: “كيف تكشل البناء في الكون؟”. ويحصي علماء الفلك في الجزء المدرك من السماء الدنيا 200 ألف مليون مجرة -على الأقل- بعضها أكبر من مجرتنا بكثير، وبعضها الآخر أصغر بقليل. والمجرات عبارة عن تجمعات نجمية مذهلة في أعدادها، يتخللها الدخان الكوني بتركيز متفاوت في داخل المجرة الواحدة، والتي قد تضم عشرات البلايين إلى بلايين البلايين من النجوم. وبالإضافة إلى النجوم وتوابعها المختلفة، هناك السدم -على تعدد أشكالها وأنواعها- وهناك المادة بين النجوم (The Inter-stellar Matter)، وهناك المادة الداكنة (The Dark Matter) وغير ذلك من صور المادة والطاقة المبثوثة في ظلمة الكون.
قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾(الذاريات:477)، حقيقة قرآنية أثبتتها وكالة ناسا الفضائية. على سبيل المثال، ما نشر في موقعها بأن المعدل القياسي لقيمة التوسع هو من 50 إلى 100 كم فيي الثانية، لكل مسافة بين مجرتين تبلغ 3.26 مليون سنة ضوئية، وما نشر على موقعها بحث بعنوان “هوبل يقيس تمدد الكون” (Hubble Measures the Expanding Universe)(3).
يقول المولى عز وجل: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾(النجم:11). أثبت العلم الحديث أن النجم عندما يتهاوى على نفسه وينغلق، حينئذ يبلغ أضعاف وزن الشمس. فإذا بلغ وزنه أكثر من عشرين ضعف وزن الشمس سميي بـ”الثقب الأسود”، أي “النجم الخنس”، أما إذا بلغ من 1.4 حتى 5 أضعاف وزن الشمس، تكوّن النجم الطارق وهو نجم نيوتروني. لذا كان قَسَم المولى عز وجل بـ”الخنس” بمبالغة في القَسَم: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾(التكوير:15) عن قَسَمه سبحانه بـ”الطارق”، لكون “الخنس” أضخم من النجم “الطارق”. وقال تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾(التكوير:15-16). ما نشر عن “الخنس” في موقع وكالة ناسا الفضائية، أن هذا النجم لا يرى (أي خُنس) ويجري بسرعات كبيرة (جوار) ويجذب أيّ شيء في طريقه (كُنس) وهي الصفات التي تناولها القرآن الكريم. ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾(الطارق:1-3). وكما ذكر في كتاب الله عز وجل، فإن النجم الطارق يحقق نتيجتين: الأولى أنه يعطي طرقات منتظمة (طارق)، والثانية أنه يُصدر إشعاعات تستطيع ثقب أي شيء يصادفها (ثاقب).

النهاية

الحسابات الرياضية تشير إلى أن معدلات التمدد الكوني عقب عملية الانفجار العظيم، كانت أعلى بكثير من معدلاتها الحالية، ومع تباطؤ سرعة توسع الكون، تتفوق قوى الجاذبية فتأخذ المجرات في الاندفاع نحو مركز الكون بسرعات متزايدة، فيبدأ الكون في الانكماش والتكدس على ذاته، وتتجمع كل صور المادة والطاقة المنتشرة في أرجاء الكون، حتى تتكدس في نقطة متناهية في الضآلة تكاد تصل إلى الصفر أو العدم، ومتناهية في الكثافة والطاقة إلى الحد الذي تتوقف عنده كل قوانين الفيزياء المعروفة، أي يعود إلى حالته الأولى (مرحلة الرتق)، ويسمى هذا بـ”الكون المغلق” (The Closed Universe)، وتسمى عملية تجميع الكون باسم “نظرية الانسحاق الشديد” (The Big Crunch) وهي معاكسة لعملية الانفجار الكبير. وهذا تفسير علمي لقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾(الأنبياء:104).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1. www.map.gsfc.nasa.gov/universe/bb_theory
2. www.nasa.gov
3. www.science.nasa.gov/newhome/headlines/ast25may99_1.htm

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.