مرحبًا عزيزي الإنسان.. أنا العنكبوت.. قبل كل شيء أشكرك على هذه الفرصة التي منحتني إياها لأصحح بها بعض الأحكام المسبقة تجاهي، وبعض الأفكار الخاطئة التي ألصقتموها بي أنتم البشر.. سمعتُ من بعض زميلاتي الحيوانات، أن معظمكم يخاف مني، وأنكم اخترعتم اسم “رهاب العناكب” أو “فوبيا العناكب” للمصابين بمرض الخوف مني. ولكن لماذا كل هذا الخوف؟! لو حققتم في الأمر قليلاً لرأيتم طبيعتي الرقيقة المسالمة التي لا يصدر عنها إلا الجميل!
أصطاد الحشرات للقيام بدوري الذي كُلِّفتُ به في تنظيف الطبيعة، والإسهام في توازن البيئة التي تعيشون بين أحضانها أنتم البشر. ثم يكفيني فخرًا أن أحد أجدادي كُلِّف من قِبل رب الكائنات، بحماية مفخرة الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم عندما أوى إلى غار ثور إبان هجرته إلى المدينة المنورة، فنسج على الغار نسيجه الذي منع المشركين من الدخول إليه. فارحمونا أيها البشر تكريمًا لهذه القصة على الأقل، ولا تقتلونا مباشرة عندما تروننا!
إن معظمكم يعدُّني من فصيلة الحشرات، ولكن الحقيقة ليست كذلك، فنحن العناكب نتميز عن الحشرات بأمور عدة، مثل عدد الأرجل وأجزاء الجسم؛ إذ وُهبتْ الحشرات ستة أرجل، بينما وُهبنا نحن ثمانية، فضلاً عن أن جسم الحشرات يتكون من ثلاثة أجزاء أساسية، بينما يتكون جسمنا نحن من جزأين أساسيين هما الرأس والصدر. وكذلك شكل عيوننا وعددها يختلف عما عند الحشرات. ثم إن معظم الحشرات تتمتع بعينين كبيرتين تشبه الخلية، بينما نحن العناكب لدينا ثمانية عيون صغيرة وبسيطة التركيب. وأنا على يقينٍ عزيزي الإنسان، أنه عندما ترون الزخارف والنقوش المبصومة على أعضاء جسمي، وتشاهدون الهندسة الإستراتيجية وفن التخطيط عند بناء الفخّ بأنسجتي الحريرية، لا تتمالكون إلا وأنْ تقفوا مشدوهين مبهورين.
وُهبنا نحن العناكب القدرةَ على العيش في مختلف الظروف المناخية ما عدا القارة القطبية الجنوبية، نعم، نستطيع العيش في جميع القارات ما عدا القارة القطبية الجنوبية؛ إذ يمكنكم أن تروننا في رمل الصحراء، وفي صخور الجبال، وفي الغابات المطيرة، وغيرها من المناطق على الكرة الأرضية. وإنْ سألتني عن طريقة انتشارنا في هذا المدى من الأرض، أقول إنها الخيوط التي نستخدمها في بناء بيوتنا؛ حيث نجعلها مظلة لنطير بها مع الرياح إلى أماكن بعيدة جدًّا لا نستطيع تحديدها حتى نحن.

ولعل الميزة الكبرى التي جعلتنا نُذكر في القرآن الكريم، هي غددنا الحريرية الكامنة في جسمنا الصغير للغاية، والتي تعمل كأضخم المصانع لديكم، لإنتاج خيوط حريرية مختلفة الجودة والنوع. علمًا بأن إفراز المادة الحريرية هذه، يتم من خلال فتحات مخروطية الشكل -تشبه الثدي- في الجهة السفلى من البطن، لنستخدمها في أغراض كثيرة ومتنوعة.

لقد وُهب معظمنا ما لا يقلّ عن نوعين من الغدد الحريرية المختلفة الشكل وطريقة الإفراز. ولا تستغرب عزيزي الإنسان إذا قلت لك إننا نستخدم الخيوط التي تنتجها هذه الغدد بشكل يتوافق مع الخاصيَّة الكيميائية للخيط؛ أي نستخدم الخيط في البيئة التي تتناسب معه، لأن مرونة كل الخيوط وصلابتها وثخونتها ومدى التصاقها يختلف من واحد لآخر، فنقوم باستخدام بعض الخيوط -مثلاً- في صناعة الشباك التي نصطاد بها الفرائس، وننشر بعضها الآخر داخل بيوتنا، ونستخدم الأخرى في حماية بيوضنا، أو في بناء بيتٍ نرعى فيه صغارنا.

معظمكم يعرف خيط العنكبوت، أو سمع به على الأقل، ولكن هل تعرفون المراحل العملية البيوكيميائية التي يمرّ بها هذا الخيط؟ وكأني أسمع جوابك”لا”. إذن، ركِّزْ معي جيدًا؛ إن خيطنا الأرقّ من الجزء في الألف من أجزاء الملّليمتر (كل 143 خيطًا يعادل ملليمترًا واحدًا)، أقوى متانة بخمسة أضعاف من سلكٍ فولاذي معدني بنفس السمك، ومن شدة مرونته فإنه يتمدد إلى أربعةِ أضعافِ طوله قبل الانقطاع، ثم إنه خفيف للغاية، حيث يزن الخيط الواحد الذي يلفّ الكرة الأرضية -على سبيل الافتراض- 320 غرامًا فقط.

إن الخيوط الحريرية التي أنتجها في مصنعي، هي أقوى متانة من الألياف الاصطناعية أو الطبيعية، وهذه الخيوط تشبه الخيوط الاصطناعية التي تصنعونها أنتم البشر في مصانعكم تمامًا، علمًا بأن البروتين أو الكيراتين الذي نستخدمه في إنتاج الحرير؛ هي مادة موجودة بغزارةٍ في الأظافر والشعر لديكم، وفي شعر الطيور، وفي قرون الثدييات، وحراشف الثعابين. وعليه فإن كثيرًا من الحيوانات تستخدم الأحماض الأمينية، ولكن ربنا العليم الذي أوجد كل شيء من اللاشيء، وضع في غددي نظامًا يحوِّل هذا البروتين إلى حرير غاية في الإبداع والإتقان.

إن مادة الحرير السائلة التي تُفرَز في جسمي كحساء غني بالبروتين، تجري في قناة الغدد بسرعة هائلة لتُضَخَّ إلى الخارج بقوة، ولكن قبل خروجها وتَحوُّلها إلى خيوط، تقوم الخلايا الجدارية لقناة الغدة، بسحْبِ ماء هذه المادة بسرعة خارقة، وفي نفس الوقت تقوم خلايا القنوات الأخرى بإنتاج ذرات الهيدروجين فتحوِّل هذا الماء إلى حمض، وعندما تلتقي البروتينات الكثيفة بالحمض، ترتبط ببعضها على شكل جسور وتتحول بعد ذلك إلى خيوط حريرية. وبالتالي فالتفاعلات البيوكيميائية التي تحدث في الوحدات الفرعية أثناء هذه العملية، تقوم من خلال طرق مختلفة، بإنتاج خيوط حريرية أخرى مختلفة البنية والنقوش.

لقد وهبني خالقي ست غرفٍ مختلفة لصناعة الخيوط؛ فأوجد في كل غرفة موادًّا كيميائية تختلف بتركيبها ومزيجها عن مواد الغرف الأخرى، وقد تم مزج هذه المواد بشكلٍ يتوافق مع فتحة الأنبوبة التي ستخرج منها، وبطريقةٍ تتماشى مع بنية المضخّات التي ستُلقى منها هذه المواد، ليَنتُج بعد ذلك خيوط مختلفة الميزات والخصائص؛ أيْ بينما تكون الخيوط التي أستخدمها أثناء الصيد لزجة، فإن الخيوط التي أمشي عليها حاملةً الفريسة أثناء عودتي إلى بيتي، تكون أقوى متانة وأكثر مرونة من خيوط الصيد. ثم إن الخيوط التي أَلفُّ بها فريستي، تكون على شكل شريط وتتصلَّب كلما تحرّكت، كما أن خيوطي التي تحمي أكياس بيضي تتميز بالمضادات الحيوية ضد الميكروبات، وخيوطي التي أستخدمها للصعود والنزول تتميز باللزوجة، كما أن خيوطي الأساسية التي أستخدمها عند تأسيس بيتي تكون أكثر ثخانة من التي أستخدمها كوصْلات فيما بين الخيوط الأساسية. ثم إني أملك موهبة توجيه هذه الخيوط بأرجلي الناعمة ولصقها في مكانها المناسب، فضلاً عن تصليح بعض الخيوط بأمشاط أقدامي أيضًا. ولا بد أن أذكِّرك عزيزي الإنسان أن خيوطي هذه مكسوَّة بمادة سائلة تمنعها من الانقطاع والتشقق عند التمطط والانشداد.
عمل فني حقيقي، وتخطيط هندسي مذهل أليس كذلك؟ ولكن يجب أن تعلم عزيزي الإنسان أني لا أعرف شيئًا عما أقوم به من هذه الأعمال، إنما هو سَوْقٌ إلهي وتوجيه رباني ليس إلا. لذا، فلا يسعني إلا أن أحمد خالقي على كل هذه النعم، وأشكره أن جعلني بجسمي الصغير الضعيف هذا، أداة تعكس قدرته وتكشف عن أسرار حكمته جل وعلا. ثم ما رأيك إذا قلت لك إن عالَم الطب أدرك حديثًا خصائص خيوط بعضنا، فراح يستخدمها في العمليات الجراحية، ولا سيما في عملية الأوتار الحساسة والمفاصل! فيا سبحان الله! بعد ما كنتُ مخلوقًا يثير الهلع والخوف في نفوس معظمكم، أصبحتُ الآن نجمًا عالميًّا يحوم حوله المختصون والعلماء من البشر ويريدون التعرَّف عليه عن قُرب!
أتغذى على المفصليات المختلفة ولا سيما الحشرات، علمًا بأن طريقتي في الافتراس تختلف عن الكائنات الأخرى؛ فالبعض من بنات جنسي ينسج الخيوط على شكل شباك تلتقط بواسطتها فريستها، والبعض يستخدم لفائف خيوطه لشلّ حركة ضحيته، والآخر بحاسَّتَيه اللمس والبصر المتطورتين يطارد الفريسة بنشاط حتى يلتقطها، والبعض الآخر يحقن فريسته بالسّم ويقتلها بشكل سريع.. يبدو الأمر مرعبًا أليس كذلك؟ ولكن تقوم بكل ذلك من أجل البقاء في الحياة أولاً، وثانيًا -وهو الأهم- من أجل تأدية دورها في التوازن البيئي، وإبقاء مكونات البيئة وعناصرها الطبيعية على حالها الطبيعي، وإلا أَكلتْ هذه الحشرات الأخضر واليابس في الأرض التي تعيشون عليها.
يوجد لنا حوالي 35 ألف نوع، 500 نوع منها تشكل عليك خطرًا أيها الإنسان. وإنْ كان لدى جميعنا غدد سامة، إلا أن هذا السّم عند معظمنا لا يؤثر فيكم أبدًا، إنما يُحدِث حكة بسيطة في جلدكم على الأغلب. ثم إني لست مخلوقًا مهاجمًا ولا ألدغ دون سبب، حتى إن “الأرملة السوداء” (Latrodectus mactans) السامّة للغاية بين أنواعنا، نادرًا ما يكون سمّها قاتلاً للبشر. إن الأرملة السوداء تقوم بنسج شباك كبيرة، وتستطيع أن تلفّ 250-750 بيضة بالخيوط الحريرية لتخبّأها وتحفظها من الأخطار. يبلغ طول الإناث من هذا النوع 3 سم، أما الذكور فطولها حوالي نصف حجم الإناث. علمًا بأن الإناث تقوم بأكل ذكورها مباشرة إثر حصولها على المني منها.
وبالتالي فـ”العنكبوت الذئب” (Tarantula) المنتسب إلى فصيلة العناكب الذئاب، والذي يعيش في أوروبا، ويبلغ طوله 2.5 سم، لا ينسج النسيج كبقية أنواعنا، بل يصطاد فريسته جريًا خلفها حتى يمسك بها. ولكن حذار أن تقترب من هذا النوع وتحاول لمسه، لأن سمه قوي ومؤلم للغاية وإنْ كان لا يميت.. وثمة نوع ضخم آخر يعيش في أمريكا الجنوبية تسمونه “العنكبوت آكل العصافير”. ولكن هذا النوع ينحدر من فصيلة مختلفة تدعى (Theraphosa). لذلك حجم صدر هذا النوع يبلغ 9-10 سم، والمسافة ما بين سيقانه تتراوح ما بين 25-30 سم. إنه ينشط في ظلام الليل، ويعيش البعض منه في التراب، وبعضه الآخر في الشجر. إنه مؤلم للغاية إذا لَدَغ. ويقتات أحيانًا على الضفادع الصغيرة، والسحليات، وبعض الطيور.
معظمنا يفضل العيش وحيدًا، والقليل منّا يبني بيته جنبًا إلى جنب ويصطاد معًا. ولكلٍّ منّا طريقته الخاصة به في الصيد؛ فالعنكبوت الصياد (Cladomelea Longipes) يصطياد فريسته بطريقة الكوبوي (راعي البقر)، أو بالسنارة رغم ضَعْف نظره؛ حيث ينتج من جسمه خيطًا مغلَّفًا بمادة لاصقة قوية، ثم يرمي هذا الخيط نحو الفريسة، وفي بعض الأحيان يضع على الخيط رائحة تشبه رائحة فريسته كي يجذبها نحوه، وما أن تمسك السنارةُ الفريسةَ يسحبها فورًا ويحقنها بالسم لشلِّ حركتها، ثم يقوم بلفَّها بخيوط حريرية خاصة لإبقاء الفريسة طازجة لفترة طويلة. وأنواع أخرى لا تعدّ ولا تحصى.. منها مَن يعيش في البرّ، ومنها من يعيش في الماء.
ولكن أكتفي بهذا القدر عزيزي الإنسان، حتى لا تملّ مني ولا تتضايق. أتركك الآن لتتأمل قليلاً فيما قصصته لك، وتدرك أن كل مخلوق له دور في هذه الحياة يجب أن يؤديه بحق.

(*) كاتب وأكاديمي تركي. الترجمة عن التركية: نور الدين صواش.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.