إبان القرن الثامن عشر، تم الشروع -ولأول مرة- في كلية هندسة الدفاع البري السلطانية، بتدريس الرسم من أجل التعرف على الصور الثلاثية الأبعاد على النمط الغربي. وفي القرن التاسع عشر، أضيف إلى المنهاج التعليمي في الكلية، مادة التصوير الفوتوغرافي تحت إشراف مدرسين تخرجوا في قسم الرسم، حيث تم التقاط بعض الصور الموجودة في ألبومات الصور العثمانية ولا سيما ألبومات يلديز، من قبل طلاب خريجي كلية هندسة الدفاع البري السلطانية. ومن أشهر هؤلاء الطلاب النقيب حسني (1844-1896)، البحار علي سامي، أحمد أمين سرولي (1845-1892)، علي رضى باشا (؟-1907)، علي سامي أق أوزَر (1866-1936).
ومما يستحق الإشادة به، أن السلطان عبد الحميد الثاني حثّ بنفسه على التصوير الفوتوغرافي في الدولة العثمانية، حيث كان التصوير العنصر الرئيس الذي يعكس حالة البلاد خارج القصر، لا سيما عندما كانت الدولة في حالة من الانحطاط والضعف. تلك الصور، سهّلت للسلطان معرفة الأحوال ضمن الأراضي العثمانية التي تمتد من مصر إلى دول البلقان، ومن الحجاز إلى بلاد القفقاس. ومن ثم راح التصوير يزدهر وينمو يومًا بعد يوم حتى أصبحت الصورة وثيقة مرئية تُحفظ في أرشيف الدولة العلية.
يقول السلطان عبد الحميد الثاني: “الصورة التي تعبر عن الوقائع والأحداث وتنقلها إلينا، لهي أدق وأوجز من الكلام الذي يطول فيه الشرح”. ولعل هذا يبيّن لنا موقف السلطان عبد الحميد الثاني من الصورة والتصوير.

تقويم الأشخاص عن طريق الصور

يروى أن السلطان عبد الحميد الثاني كان يحلل الأشخاص من خلال الصور، ويقال إنه بعد مضي 25 سنة من تربعه على العرش، طلب من موظفيه أن يلتقطوا صور السجناء ويسجلوا تحت كل صورة جرائمهم وأسباب دخولهم السجن، وتم هذا فعلاً. فأخذ السلطان يحلل شخصياتهم من خلال هذه الصور، ثم عفا عن بعض هؤلاء وأصدر أمرًا بإطلاق سراحهم. ويقال إنه انتقى الطلاب الذين يستحقون التسجيل في المدارس العسكرية عن طريق الصور كذلك.
وينقل إلينا الطبيب حسين عاطف بك -الطبيب الخاص للسلطان عبد الحميد الثاني- في مذكراته، كيف كان السلطان عبد الحميد يحلل من الصور هوية السجناء ويبدي رأيه حول قابليتهم للجريمة بالتنبيه إلى طول أصابعهم، فيقول عاطف أفندي:
“أنهى السلطان حديثه عن الجريمة والمجرم قائلاً: “قرأت ترجمة كتاب إنكليزي حول الجرائم، لأنّ لي فضولاً حول قراءة الوقائع الجنائية؛ فقد ذكر في الجزء الأخير من هذا الكتاب، أن رأس إبهام أغلبية القتلة طويل جدًّا ويتجاوز العقدة الوسطى من السبابة، وأن يدَي القاتل تشبه مخالب الحيوانات الوحشية. فدفعني الفضول إلى أن آمر بجمع صور السجناء كلهم. وفعلاً رأيت أن أصابع هؤلاء طويلة كما قيل في الكتاب، ولكن هيئة يد كل واحد منهم كانت مختلفة عن الآخر”. وحكى لنا السلطان أنه كان يُقبَض على المجرمين في أوربا -أحيانًا- من خلال النظر إلى صورهم.
إذن، فقد استخدم السلطان عبد الحميد طريقة قراءة الصور في تحليل الأشخاص، وعفا عن بعض السجناء من خلال تقويمه لصورهم في ذكرى الجلوس الخامس والعشرين على العرش. ولعل هذا يفسر سبب وجود عدد كبير من صور السجناء في “ألبومات يلديز”، وكان أغلبها لسجناء أرمن وروم اتهموا بجرائم مختلفة.

ألبومات يلديز

تم التقاط الصور الموجودة في ألبومات يلديز في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1908)، وهي عبارة عن 911 ألبومًا، وفيها حوالي 36 ألف صورة.
والصور التي التقطها مصورون محترفون، قدّمت معلومات جليلة عن مدينة إسطنبول وكافة أرجاء الدولة العثمانية، بالإضافة إلى تقديمها معلومات قيمة عن اليابان، والصين، وآسيا الوسطى، والهند، والشرق الأوسط، والبلقان، وأوربا، والولايات المتحدة ومدنها المهمة. فالمصانع التي افتـتحت في تلك الآونة، والمدارس، والمستشفيات، والمخافر، والصور التي صورت أحداثًا مهمة، حظيت بمكانة عالية في الألبومات.
وجدير بالذكر أن السلطان عبد الحميد الثاني قد شارك في عملية التقاط الصور بنفسه. وهذا ما يبين لنا مدى ازدهار التصوير في عهد السلطان عبد الحميد والاهتمام به. وبالتالي فإن اللوحات والصور التي تم جمعها في الألبومات، سلطت الأضواء على أحوال الأراضي العثمانية في ذلك الوقت.
ولقد قام السلطان عبد الحميد الثاني بتوظيف مصورين في أعمال شتى، كتوظيف “علي سامي أق أوزَر” بتصوير الإمبراطور الألماني “ويليم الثاني” إبان زيارته القدسَ عام 1898، وتوظيف “حسن رضى الأسكداري” بتصوير الأبنية العسكرية، وتوظيف “كنعان باشا” بتصوير أنقاض الحرب العثمانية-اليونانية لعام 1897.

حرب نفسية عن طريق الصور

أرسلت الدولة العثمانية ألبومات متنوعة عديدة لتعرّف نفسها إلى دول قوية كفرنسا وبريطانيا، والولايات المتحدة التي بدأت -آنذاك- تلعب دورًا مهمًّا في التوازن الدولي شيئًا فشيئًا.
فقد تم إرسال واحد وخمسين ألبومًا من الصور، إلى ملكة بريطانيا، وملك فرنسا، ورئيس الولايات المتحدة، اختيرت باهتمام بالغ، للتأكيد على أن الدولة العلية العثمانية لا تزال في حالة جيدة، تحافظ على قوتها ومكانتها المرموقة في سياسة العالم على عكس ما كان يعتقد من أنها أشرفت على الزوال والانهيار. وقد أراد السلطان بذلك، خوض حرب نفسية مع الدول الكبرى في وقت كانت فيه الأمم تتصارع للسيطرة على العالم بأكمله ولاسيما أراضي الدولة العثمانية التي لقّبوها بـ”الرجل المريض”.

واللافت للنظر أن الألبومات التي أُرسلت إلى خارج البلاد، تميزت بمقاييسها الضخمة؛ حيث تألفت من 50 صفحة، بينما كانت عادة تتألف من 12-20 صفحة داخل الدولة العثمانية. كما تم كتابة الحواشي على بعض هذه الألبومات المرسلة باللغة الفرنسية، وبعضها الآخر بلغات أجنبية أخرى.
ولقد تميزت هذه الألبومات بأغلفتها المزخرفة، من أوسمة، وخطوط لتزيين الحواشي، وطغراء السلاطين، والعلَـم العثماني، وشعار الدولة العثمانية.
لم تـُرسل هذه الألبومات إلى رؤساء الدول فحسب، بل أُرسلت كذلك إلى المتحف البريطاني في لندن، ومكتبة الكونغرس في واشنطن. أما الألبومات التي تم إهداؤها إلى المتحف البريطاني عام 1894، فقد كان سبعة عشر منها يتضمن مناظر طبيعية خلابة وآثارًا تاريخية بديعة تعود إلى مناطق عديدة داخل الأراضي العثمانية، وسبعة عشر أخرى منها تتضمن صور وحدات عسكرية عثمانية برية وبحرية، وخمسة عشر أخرى صُوَرَ فعاليات طلبة المدارس العسكرية والمدنية، واثنان منها تعود إلى صور الخيول التي يتم ترويضها في القصر العثماني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الترجمة عن التركية: نور الدين صواش.
المراجع
(11) ألبومات يلديز للسلطان عبد الحميد الثاني، مكة المكرمة والمدينة المنورة، لمحمد بهادير دورنجي، ترجمة: نور الدين صواش، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.