عرف العرب الرحلات منذ فجر تاريخهم، فالأدب العربي على طول تاريخه وامتداده زاخر بأحاديث هذه الرحلات ورواياتها، من خلال كتابات رواد ما عرف بأدب الرحلة.

وتفيض أحاديث رواد أدب الرحلة من العرب ورواياتهم بألوان من المتعة التي تمتزج بروعة التعبير والتصور والخيال، وإذا أمعنا النظر في تراث العرب في مجال أدب الرحلات من خلال كتابات مؤرخينا القدماء وجدنا أن رواياتهم تؤكد فتنة العرب بالرحلات إلى أرجاء جزيرتهم وأطرافها، وإلى ما دنا وبَعد من الأقطار عنها. والفتوحات العربية في صدر الإسلام دلت في وضوح على أن العرب كانوا عارفين تماماً ببلاد عالمهم وأماكن شعوبها.

والحقيقة أن الرحلات كانت من دعائم وحدة الفكر العربي في عصور الإسلام الأولى؛ حيث كان حج البيت وطلب العلم من أهم دواع هذه الرحلات، بالإضافة إلى الرغبة في الاستطلاع والمشاهدة والتعرف على الجديد من خلال التنقل حول العالم العربي والعالم الخارجي.

اشتهر ابن جبير بين الرحالة العرب والمسلمين، بسبب ما تركه لنا من كتب يحكى فيها أسفاره، فكانت تلك الكتب وثائق نادرة على العصر والأماكن والحياة الاجتماعية للمشرق والمغرب والأندلس

وأدب الرحلات فن متميز ومعلم بارز من معالم الثقافة والمعرفة، فهو كحديقة غناء بها ثمار يانعة ولا تخلو من الأشواك، فالقارئ يطل منه على أنماط شتى وصور من صور الحياة المتباينة، ويرى ويشاهد من خلال ذلك عوالم واسعة يستقرئ واقعها ويتعرف على بيئاتها وحياتها، وإذا كانت الرحلات فيما مضى عملاً شاقًا وأسلوبًا مضنيًّا فإنها اليوم بفضل التطور الحضاري والتقنية الحديثة صارت عملاً مريحًا.

وأدب الرحلات حينما يتصدى له العلماء والمفكرون فإنه يظل مخصبًا ومفيدًا بحيث يبرز فيه الجانب التصويري بأدق وأصدق العبارات وأعذب الألفاظ وأطيبها مما يمتع القارئ ويثير فكره ويورث العبرة. وذلك بما تشتمل عليه الرحلة من صنوف وفنون وبالقدر الذي يفيد القارئ ويجد فيها ما يلائمه ويوافقه ويزيد معارفه ويثري ثقافته.

  • ريادة العرب والمسلمين في مجال الرحلات:

من المعروف أن الرحالة العرب والمسلمين الذين ورثوا عن جدودهم أصحاب رحلتي الصيف والشتاء هذا الفن، هم أول من ارتادوا الأفاق واخترقوا المسافات ونشروا رحلات عن بقاع العالم التي كان يشك غيرهم في وجودها فضلا عن عدم وصولهم إليها، كما أن هؤلاء الرحالة هم الذين ألفوا الكتب في أدب الرحلة والأدب الجغرافي، اقتصر الغرب على استنساخها قروناً كثيرة، ومما لا مشاحّة فيه أن أقدم رحلات العرب إلي الآفاق كان عن طريق البحر، والسبب في ذلك يرجع إلي أن موطنهم كان محاطا بالبحار من ثلاث جهات. فكان من الطبيعي أنهم تخيروا لمجازفاتهم في شطر العالم القديم طريق البحر، لكن كل هذه الرحلات المبكرة كانت من أجل التجارة أو السفارة، أو لأجل تروية عطش مغامراتهم الكثيفة لاكتشاف الأفاق.

  • مؤلفات العرب في مجال الرحلات:

– عجائب البلدان- لأبو دلف بن مهلهل.

– سلسلة التواريخ- منسوب إلي التاجر سليمان. وقد ذيله أبا زيد السيرافي.

– رحلة ابن فضلان-لابن فضلان.

– المسالك والممالك- لابن حوقل.

– مروج الذهب- للمسعودي.

– أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم- للمقدسي.

– تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولة- للبيروني.

– نزهة المشتاق في اختراق الآفاق- للإدريسي.

– تحفة الألباب و نخبة الإعجاب- وكتاب- المعرب عن بعض عجائب المغرب- لأبي حامد الأندلسي.

– الاعتبار- لأسامة بن منقذ.

– الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر- للبغدادي.

لقد ترك لنا ابن جبير تحفة رائعة من خلال كتابه -رحلة ابن جبير- وذلك حين رسم لنا الحياة بكل تجلياتها في القرن السابع الهجري في المشرق والمغرب

  • ابن جبير قامة عربية في مجال الرحلات:

محمد بن أحمد بن جبير وكنيته أبو الحسن. ولد بمدينة بلنسية بالأندلس(540-614هـ)(1145-1217م)، ينحدر من أسرة عربية عريقة سكنت الأندلس عام 123هـ، قادمة من المشرق مع القائد المشهور بَلْج بن بشر بن عياض.

أتم ابن جبير دراسته بعد أن أتم حفظه للقرآن الكريم بمدينة بلنسية على يد أبي الحسن بن أبي العيش، وفي شاطبة درس ابن جبير علوم الدين على يد أبيه وشغف بها لكن ميوله برزت أيضا في علم الحساب، وفي العلوم اللغوية والأدبية، وأظهر مواهب شعرية ونثرية رشحته للعمل كاتبًا لحاكم غرناطة وقتذاك أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن، أمير الموحدين.

وابن جبير من أشهر الرحالة المسلمين الذين قاموا برحلات إلى المشرق العربي، دون خلالها الكثير من المعلومات التي تعتبر وثائق من الدرجة الأولى لأنه حسن الملاحظة وصريح العبارة، فكانت رحلته مصدرًا مهمًا للباحثين في مجال التاريخ والاجتماع والحضارة العربية في القرن السادس والسابع الهجري.

قام ابن جبير بثلاث رحلات إلى المشرق الأولى: سنة 578هـ حيث خرج من غرناطة إلى (سبتة) ومنها ركب البحر إلى الإسكندرية ومنها توجه إلى مكة عن طريق (عيذاب) فجدة، فحج وزار المدينة والكوفة وبغداد والموصل وحلب ودمشق وركب البحر إلى صقلية عائدا إلى غرناطة عام 580 هـ وقد استغرقت رحلته سنتين سجل فيها مشاهداته وملاحظاته بعين فاحصة في يومياته المعروفة برحلة ابن جبير ثم أتبع هذه الرحلة برحلة ثانية وثالثة.

الثانية: دفعه إليها أنباء استرداد بيت المقدس من الصليبيين من قبل السلطان صلاح الدين الأيوبي سنة 583هـ فشرع في هذه الرحلة سنة585هـ وانتهى منها سنة 586 هـ.

الثالثة: كانت إثر وفاة زوجته، فقد كان يحبها حبًا شديدًا، دفعه الحزن عليها إلى القيام برحلة ثالثة يروح بها عما ألم به من حزن على فراقها، فخرج من (سبتة) إلى مكة وبقي فيها فترة من الزمن ثم غادرها إلى بيت المقدس والقاهرة والإسكندرية، حيث توفي فيها.

اشتهر ابن جبير بين الرحالة العرب والمسلمين، بسبب ما تركه لنا من كتب يحكى فيها أسفاره، فكانت تلك الكتب وثائق نادرة على العصر والأماكن والحياة الاجتماعية للمشرق والمغرب والأندلس منذ أكثر من تسعة قرون، وضاعف من أهمية ما تركه لنا ابن جبير أسلوبه وبلاغته وقدرته على التعبير وحسن الصياغة.

  • رحلة ابن جبير الأشهر:

صباح الخميس 8 من شوال 578هـ الموافق 3 فبراير 1192م غادر ابن جبير موطنه غرناطة متجهًا إلى المشرق، ليقوم برحلته الأولى قاصدًا الأراضي المقدسة ليؤدي مناسك الحج، وما كتبه بعد عودته، ووصفه لتجربته ومكابدته لمشاق السفر عدة آلاف من الكيلو مترات، يؤكد مدى ما كان على المسلمين المقيمين بالأندلس أن يتحملوه من أجل أداء فريضتهم.

أقام ابن جبير في رحلته هذه سنتين دون مشاهداته وملاحظاته في يوميات عرفت برحلة ابن جبير، وسميت باسم (تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار) وتداول هذه اليوميات الشرق والغرب حتى قام المؤرخ والمترجم الانجليزي -ويليام رايت- بنشره وطبعه في كتاب جمع فيه عدد كبير من الرحلات لرحالة وحجاج عرب وأجانب مسلمين عرف باسم (Early travellers in palastine).

وكتاب ابن جبير عن رحلته الأولى والذي عرف بـ (رحلة ابن جبير)، يعد من أهم مؤلفات العرب في الرحلات، ورغم أن كان هناك رحالة عرب ومسلمون كثيرون جابوا الآفاق ووصلوا في رحلاتهم إلى أبعد مما وصل إليه ابن جبير، إلا أن ابن جبير (رغم أن رحلاته تعد أقصر ولم تبلغ ما بلغته رحلات غيره) كان دقيق الملاحظة، فقد جاء من حضارة كانت قد وصلت إلى مرتبة عاليه من الرقي الحضاري والتقدم، لذلك فإن عينه اختزنت ما كان يشاهده ويصادفه، وقارنت بينه وبين الحضارة التي انتمى إليها، حضارة الأندلس الزاهرة.

تفقد ابن جبير في كتابه الآثار والمساجد والدواوين ودرس أحوالها وذكر ما شاهده وما كابده في أسفاره، ووصف حال مصر في عهد صلاح الدين ومدحه لإبطاله المُكس (الضريبة) المترتبة على الحجاج، ووصف المسجد الأقصى والجامع الأموي بدمشق والساعة العجيبة التي كانت فيه، وهي من صنع رضوان ابن الساعاتي، وانتقد كثيراً من الأحوال، ومن أهم مشاهداته ما تحدث به عن صقلية وآثارها، من مساجد ومدارس وقصور، وعن الحضارة التي خلفها العرب في الجزيرة.

لقد ترك لنا ابن جبير تحفة رائعة من خلال كتابه -رحلة ابن جبير- وذلك حين رسم لنا الحياة بكل تجلياتها في القرن السابع الهجري في المشرق والمغرب والانطباع الذي خلفته هذه المدن في نفسه والأهمية التي رأى أنها تستحقها. والذي لا يعرفه الكثيرون عن ابن جبير أنه كان أديبًا شاعرًا، وله ديوان شعر يسمى -نظم الجمان في التشكي من إخوان الزمان- كما له كتاب آخر بعنوان -نتيجة وجد الجوانح في تأبين القرين الصالح- (وهو ديوان شعر في رثاء زوجة).

وفى 29 شعبان عام 614هـ الموافق 10 نوفمبر 1217م توفي ابن جبير (أثناء رحلته الثالثة) في الإسكندرية، مستقره الأخير، رحل ابن جبير في هدوء عن أربعة وسبعين عاماً، لكنه ترك لنا مخطوطاته التي وجدت لحسن الحظ من يحافظ عليها حتى حققت ونشرت وذاع صيتها ومازالت حتى الآن وثائق نادرة لا يبلوها الزمن.

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.