قد يعتقد البعض أن كلا من الدنيا والآخرة حياتان متباينتان لا يمكن أن يلتقيا بأي وجه من الوجوه، على اعتبار أن الدنيا لعب ولهو وغرور وصرف الاهتمام لها ضرب من الضلال، ولا حظ لصاحبها في نيل الحياة الأخرى؛ إذ هي لأهل الزهد والدروشة، وهذا الاعتقاد أو الظن مرده إلى الفهم القاصر والشائع عن مفهوم الدنيا، فانحرف مفهومها عن حقيقته وحمولته القرآنية الفعالة كما وقع لكثير من المفاهيم القرآنية بتأثير الفكر الدخيل على القرآن . ولما كان القرآن الكريم حاكمًا على كل المفاهيم في هذه الأمة، بمعنى أن أي مفهوم سواء ما تعلق بالعلوم الشرعية أو العلوم الإنسانية أو المادية يجب أن يكون موزون بميزان القرآن، فما قبله ميزان القرآن أخذ وما رفضه ترك،  فالقرآن هو الميزان وسواه هو الموزون به، والقرآن هو الحاكم وغيره المحكوم عليه به، والقرآن هو الأصل، ومصطلح الأصل يعني الوحي أي المصطلحات والمفاهيم  التي استعملها الوحي لما كان الحال كذلك وجب لتصحيح ما قد أصاب مصطلح الدنيا من تشوه إرجاعه إلى نسقه القرآني وقراءته ضمن سياقات وروده في القرآن.

سياقات الدنيا في القرآن

ذكر لفظ الدنيا في القرآن الكريم مائة وخمس عشرة مرة، مضافة غالبًا للحياة. ووردت في سياقات مختلفة، تبدو في ظاهرها وكأنها سياق واحد، وهو مقام الذم والتبغيض والتخسيس، وهذا الظاهر هو مرد ما ساد من فهم غير دقيق لهذا اللفظ -الدنيا- في تراثنا الإسلامي عمومًا وبعض التيارات الفكرية خصوصا، حيث اعتبرت الدنيا اسم شامل لكل معارض ومناف للدين ، وأن الدنيا والآخرة طريقان لا يمكن الجمع بينهما في تصور أو واقع. وسيحاول هذا المطلب أن يثبت مدى صدقية هذا الفهم. من خلال الإجابة عن ثلاثة أسئلة:

أولها: ما مستويات الخطاب القرآني في حديثه عن الدنيا؟

ثانيا: ما متعلق هذه المستويات؟

ثالثا: إلى أي مدى تسعف سياقات الدنيا في القرآني ومتعلقاتها الفهم السائد للدنيا؟

عند النظر في الآيات التي وردت فيها “الدنيا” يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات خطابية:

المستوى الأول: جاء فيه ذم الدنيا مطلقًا مما يفيد دونيتها وغرورها وزوالها.

المستوى الثاني: جاء فيه الموازنة بين الدنيا والآخرة مع ترجيح للثانية على الأولى .

المستوى الثالث: ذكرت الدنيا بذكر حسناتها وعيشها الطيب.

وكل سياق من هذه السياقات إلا وله متعلَّق، وقد أرجع البعض تعدد الخطاب القرآني في الحديث عن الدنيا إلى عنصري الزمان والمكان، كمن اعتبر أن القراءة الصحيحة لهذه السياقات تكمن في مراعاة المكي والمدني منها. غير أننا لم نجد في هذا التقسيم ما يحقق الانضباط المأمول، فحاولنا إيجاد متعلق يكون أكثر انضباطًا ويضمن للمستويات الخطابية الثلاثة فاعلية وحياة في كل زمان ومكان، فكان هذا المتعلق هو “الإنسان” بأصنافه الثلاثة كما جاءت في قول الله تعالى : (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)(فاطر: 32).

ومما قيل في هؤلاء الأصناف الثلاثة أن:

– الظالم لنفسه الجاهل بالمعنى عام.. والمقتصد المتعلم.. والسابق العالم .

– الظالم لنفسه صاحب الدنيا.. والمقتصد طالب العقبى.. والسابق إلى الخيرات طالب المولى.
– الظالم لنفسه من غلبته نفسه الأمارة فأطاعها.. والمقتصد من جاهد نفسه فغلبته ثارة وغلبها أخرى.. و السابق للخيرات من قهر نفسه.

ويكون بذلك كل مستوى من مستويات الخطاب القرآن حول متعلق بصنف من تلك الأصناف الثلاثة وفيما يلي سنحاول التفصيل في كل صنف والخطاب الذي يناسبه :

السياق الأول: مخاطبة الظالمِ لنفسه .

خاطب القرآن الكريم الظالم لنفسه بذم الدنيا بإطلاق وتنفير منها بالكلية، والظلم مراتب، فيكون بذلك الظالم لنفسه كل من ركن للدنيا، وقصر نظره عليها، وجعلها مقصدًا لا وسيلة، إما فعلا أو فعلا واعتقادا، فيدخل في هذا المعنى المسلم المقر بالله بلسانه لكن جوارحه هجرت الإسلام بالكلية ولم يبقى منه عنده إلا الاسم، انهزم عقله في صراعه مع نفسه الأمارة وآثر الاستسلام للملذات والشهوات بائعا آخرته بدنياه ودينه بهواه. كما يدخل في ظالم لنفسه الملحد، من قصر علمه فلم يجاوز عنده البصر، واختل عقله فرضي لنفسه بأن يكون في الوجود قذر، فسعى للدنيا فقط لأنها إلهه ومادتها رحمه وفصيلته.

فجاء الخطاب إلى هؤلاء متساوقا وتطرفهم، ومتوائما وميولهم التام إلى الدنيا، ومن أمثلة آيات هذا الصنف :

– قال تعالى: (فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)(البقرة:200).

– وقوله تعالى: (إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ)(محمد : 36).

إذن فذم الدنيا لهؤلاء ليس لذاتها وإنما لموقفهم منها، لأنهم قاموا منها مقام العبد لمعبوده، فلم يسكونها بل سكنتهم ولم يضعوها في يدهم إنما ملّكوها قلوبهم، فجاء الخطاب يناسب داءهم بتحقير الدنيا بالكلية في أعينهم وقلوبهم. ولعلنا نستدل على قولنا هذا بأن نرجع للقرآن حيث نجد أن قارون أوتي الدنيا وزينتها فلما كان من صنف الظالم لنفسه فذم وذمت دنياه وخسف به وبها، لكن لما تعلق الأمر بسيدنا سليمان عليه السلام الذي أوتي من الملك ما لن يؤتى بمثله أحد، بورك له في ملكه بالنماء وحسن الذكر في العالمين .

السياق الثاني : مخاطبة المقتصد.

جاء هذا الخطاب للمقتصد في سياق المفاضلة بين الدنيا والآخرة، والمقتصد هو المسلم الذي تعادلت نوازعه للخير والشر في نفسه، فكانت الحرب بين نفسه وعقله لا تضع أوزارها ، بين كر وفر دائمين ، فتارة تكون الغلبة للنفس فيقترف المحذور، وتارة يظفر العقل فيستقيم وفق المأمور.

ويتخذ الاقتصاد صورا؛ إما بالاقتصاد في الطاعات فلا يجاوز الفرائض كفعل الأعرابي، أو يكون باقتراف المحذورات لا استخفاف وإصرارا ولكن ضعفا وانهزاما …

ومن تم فهذا الخطاب هوجه للمؤمنين المقتصدين عندما يعرض لهم أمر من الأمور المباحة اجتمع فيه حظ دنيوي لنفسه وحظ لدينه أخروي فيوثرون الدنيا على الآخرة ، فجاء القرآن الكريم  يخاطبهم مبينا فضل الآخرة الدائمة على الدنيا الزائلة، وفيما يلي نذكر بعضا من الآيات التي جاءت في هذا السياق

– قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَ قَلِيلٌ)(التوبة: 38).

–  (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)(آل عمران:152)

قال تعالى: (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ)(التوبة : 38).

فيظهر من هذه الآيات أن سلفنا في هذا الصنف كان من صحابة _ رضي الله عنهم _  وأن الغرض هو الحث على الاستزادة من الطاعة، وبذلُ بعض نعم الدنيا رغبة في الآخرة ، وجعلُ الدنيا مزرعة لها ، وعند التعارض فالرجحان للباقي على الزائل والدائم على الفاني.

السياق الثالث : مخاطبة السابقين بالخيرات .

السابق بالخيرات هو من امتثل أمر الله تعالى:(فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)(البقرة: 148)، بزيادة في القدر على فعل الخيرات، بفعلها، وتكميلها، وإيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة إليها، طمعًا منه أن ينال السبق في الآخرة .ومن صفات السابقين بالخيرات الخوف من عدم قبول عملهم مع اشتغالهم بالعمل، ومن صفاتهم الإقبال على الآخرة والزهد في الدنيا، ومن صفاتهم أيضا أنهم ملكوا عَنان نفوسهم وساقوها إلى الله سوقًا، فهم أناس سمت أرواحهم وعلت همتهم فكانوا في سباق دائم مع الزمن، ليتزودوا للآخرة. غيره أنهم في خضم هذا السباق قد يميل بعضهم للانفصال عن الدنيا بهجر كل ما يربطهم بها منها، فيقول الواحد منهم مثلاً كما قال الثلاثة -أنا أصوم ولا أفطر وأنا أقوم فلا أنام ، وأنا أعتزل النساء- بدافع السبق بالخير، فجاء خطاب القرآن لهذا الصنف من الناس يذكرهم بحظهم من الدنيا ونصيبهم من طيباتها وإن كان قد حُقّ لأحد أن يتنعم في الدنيا فأهل الصلاح أولى، ما دامت لا تتعلق بها قلوبهم. ومن الآيات التي تعبر عن المعنى الذي ذكرنا :

قال تعالى:(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)(القصص: 77) وهذه الآية مؤسسة للمنهج الذي ينبغي التعامل به مع كل متاع الدنيا وفق تصور وسطي سليم.

قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(النحل: 97)، والأنبياء وهم القدوة والأسوة حسنة لكل سابق للخير قد فقهوا هذا المنهج القرآن وتمثلوه في أقوالهم وأفعالهم : قال تعالى: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ)(يونس:98).

ومما تقدم تبين لنا أن فهم سياقات الدنيا في القرآن مربط بتحديد متعلق كل سياق من أصناف الناس، حتى نتجنب الفهم القاصر والمشوه للدنيا، فهي لم تذم لذاتها ولكن بحسب موقف الإنسان منها .

واتضح لنا المنهج الذي وضعه القرآن في التعامل مع الحياة الدنيا، منهج يهدف إلى تصويب موقف الإنسان منها ، حتى تكون في نظره قنطرة للآخرة ومزرعة ووسيلة لها ، فلا يجعلها غاية ، ولا يستغني عنها بالكلية . وهو ما بينه الماوردي رحمه الله بقوله : “ثم إن الله تعالى جعل أسباب حاجاته وحيل عجزه في الدنيا التي جعلها دار تكليف وعمل، كما جعل الآخرة دار قرار وجزاء، فلزم لذلك أن يصرف الإنسان إلى دنياه حظا من عنايته؛ لأنه لا غنى به عن التزود منها لآخرته، ولا له بد من سد الخلة فيها عند حاجته”.

ويقول الشيخ رشيد رضا : “وليس من هدي الإسلام أن يترك المسلمون الدنيا ومعانيها وسياستها ويكونوا فقراء أذلاء تابعين لغيرهم من الأقوياء ولا أن يكونوا كالأنعام لا همَ لهم إلا في شهواتهم البدنية”.