إن الإسلام باعتباره رسالة سماوية عالمية، كفيل بإنقاذ البشرية من متاهات الصراع والنزاع، والأزمات الحادة التي تتخبط فيها في ظل هيمنة حضارة مادية أحادية الرؤية والقيم والتصورات، لذلك بات من اللازم على مفكري الأمة الإسلامية ومثقفيها، أن يسعوا إلى مد جسور التواصل والحوار مع الثقافات والحضارات الأخرى، من أجل تقديم العلاج الناجع الكفيل بإنقاذ الإنسانية من سعار المادية، وحريق الإباحية، ولهيب النفعية والأنانية واللاأخلاقية التي أضحت تسيطر على عالم اليوم، مما أصبح يهدد مستقبل البشرية جمعاء، وينذر بمخاطر صراع عالمي قد يمتد أثره –لا قدر الله– إلى أجيال لاحقة. على أن هذا الحوار لابد و أن يتأسس على أرضية القيم والمبادئ الإنسانية المشتركة التي أكدها الدين الإسلامي الحنيف؛ مثل العدل، والمساواة، والاعتراف بالآخر، وقبول المخالف، والنظر إلى التعدد والتنوع باعتبارهما سنة إلهية من شانها أن تسهم في إثراء الحضارة الإنسانية، عوض أن تكون عامل صدام أو صراع، وهذا ما دعا إليه القرآن الكريم في أكثر من آية منها قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)(هود:118-119)، وقوله عز من قائل: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(يونس:99).

ن الحوار بمفهومه القرآني بات حتمية حضارية تنبع أساسًا مما تمليه ظروف وطبيعة هذا العصر الذي باتت فيه لغة المصالح الضيقة هي اللغة الوحيدة الرائجة على المسرح الدولي

هذه الآيات وغيرها تظهر بوضوح نظرة القرآن الكريم المتزنة للتعدد، وهي نظرة ترى فيه عامل ثراء وتكامل لمواجهة التحديات المختلفة التي تواجهها البشرية جمعاء، والتي تحتم على الجميع أن يتعاونوا ويتعارفوا على أرضية القواسم المشتركة. وهو المعنى الذي أشار إليه القرضاوي في معرض تعليقه على قوله تعالى: (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)(العنكبوت:46)، حيث قال: “أي اذكروا القواسم المشتركة بينكم وبينهم، هناك نقاط تمايز واختلاف ونقاط اشتراك. وفي أثناء هذا الحوار والجدال بالتي هي أحسن اذكروا نقاط الالتقاء والاشتراك حتى يمكن التقريب بين الفريقين، هذا منطق قرآني في التقريب بين الناس(1).

هذه القواسم المشتركة أو نقط الالتقاء متعددة وكثيرة منها: الاتفاق على وحدانية الخالق عز وجل، والوقوف في وجه دعوات الإباحية، والمثلية الجنسية، والإجهاض، والاستنساخ… والتعاون على رفع التحديات التي تطغى على عالم اليوم كتحدي حماية البيئة، ومواجهة عولمة الجريمة، والوقوف في وجه الأمراض الفتاكة التي أصبحت تودي بحياة ملايين البشر..، ومن هنا ندرك أن الحوار لا يخدم المسلمين فحسب، بل إنه يخدم أيضا مختلف الحضارات والثقافات، خاصة تلك المتضررة من مد العولمة الزاحف كحضارات جنوب شرق آسيا، و أمريكا اللاتينية، و إفريقيا…

بات من اللازم على مفكري الأمة الإسلامية ومثقفيها، أن يسعوا إلى مد جسور التواصل والحوار مع الثقافات والحضارات الأخرى، من أجل تقديم العلاج الناجع الكفيل بإنقاذ الإنسانية من سعار المادية

إن الحوار بمفهومه القرآني بات حتمية حضارية تنبع أساسًا مما تمليه ظروف وطبيعة هذا العصر الذي اشتد فيه الصراع بين الدول والأمم والشعوب، وباتت فيه لغة المصالح الضيقة هي اللغة الوحيدة الرائجة على المسرح الدولي، في حين أصبحت لغة القيم الإنسانية السامية، والمبادئ الأخلاقية التي تحض على التسامح والسلام والحوار و التعايش… غائبة أو مغيبة تغييبًا أصبح يهدد بحدوث صراع حضاري رعيب، لذلك أضحت الحاجة الآن أكثر بروزًا وإلحاحًا من أي وقت مضى “إلى فكر إنساني وحضاري خلاق وفعال، قادر على تقليص وتقزيم حدة الدعوات والتنبؤات بالصدام الحضاري، والحد من أثرها في الحيلولة دون بلوغ مستوى لائق من التعايش الثقافي والحضاري مما يدعو إليه الإسلام ويرمي إلى تأسيس قواعده وبلوغ أهدافه”(2). على أن هذا الحوار لا يمكن أن يعطي النتائج المرجوة منه إلا إذا تأسس على أرضية صلبة قوامها الاحترام المتبادل للأفكار والمبادئ والتصورات لمختلف الثقافات والحضارات الإنسانية، والابتعاد عن القراءات والمواقف الجاهزة، والشعور الصادق بالحاجة الماسة إليه، وغيرها من الأسس التي ستسهم -ولا ريب- في صياغة معالم مشروع حضاري إنساني بديل، يشعر فيه الإنسان -كل الإنسان- بكرامته ومكانته اللائقة به.

إنه مشروع عالمية حقيقية، أو عولمة أخرى أكثر عدلاً وإنسانية كما ذهب إلى ذلك الأستاذ عبد الهادي بوطالب، رحمه الله تعالى، بقوله: “نأمل أن يتم تقويم اعوجاج نظام العولمة بطريق الحوار الحضاري الذي يثمر إقامة عولمة أخرى أكثر إنسانية وعدلا وتضامنا، لا مجال فيها للإقصاء و القمع و القهر.”(3). و مما لا شك فيه أن قيم القرآن الكريم و مبادئه السامية، ستكون قطب الرحى في صياغة معالم هذا المشروع الإنساني البديل

الهامش:.

(1)- أبعاد الحملة الأمريكية على العالم الإسلامي، يوسف القرضاوي، مطبعة النجاح الجديدة، منشورات ألوان مغربية، ط1، الدار البيضاء – المغرب، 2002م ص:51.

(2)- الإسلام والحضارة الغربية المعاصرة :وهم الصدام وحتمية الحوار، حسن عزوزي،  مطبعة أنفو – برانت، ط 1، فاس – المغرب، 2003م ،ص:64.

(3)- نحو عولمة أخرى أكثر عدلا و إنسانية، عبد الهادي بوطالب، دار النشر المغربية، ط 1، الدار البيضاء – المغرب، 2004 م، ص: 117.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.