الحج.. يا لها من رحلة سماوية أرضية تعانق فيها النفسُ السماءَ.. هي زاد للمستزيد، طهارة للأبدان والأرواح.. تهوى إليها القلوب منقادة فرحة مستبشرة. كثيرون من تتطلع نفوسهم قبل أبدانهم أن يذهبوا إلى هناك ويمتعون نظرهم برؤية الكعبة المشرفة، وتباشر أفئدتهم قبل أجسادهم مناسك الحج والعمرة، ومن عجبٍ أن من هؤلاء من فاقت إرادته القلبية قواه الجسدية؛ فيتحامل على نفسه وكله يقين بأن الله سيعينه وسيمنحه القوة والعافية، وهو ما يقع.

طهارة للظاهر والباطن

المتأمل في الحج من البداية للنهاية، يجد أنها رحلة تمتزج فيها الروح مع الجسد وتنسجم انسجامًا منقطع النظير حتى ترى المسلم فيها وهو متلبس بالتكاليف الشرعية خفيفًا مسلّمًا منقادًا فرحًا رغم ما يعانيه من مشقة لو كانت في غير هذا الظرف ربما ملّ وضجر.

والباعث الحقيقي وراء تحمله وصبره تلك الإرادة الراجحة في تحقيق مراد الله بما أراد الله، وهذا ما يحقق الإخلاص في القلب الذي يقوى فتقوى به الإرادة وتخضع له الجوارح بسهولة ويسر، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: “أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ”.

وبنظرة عابرة لما تلتقطه عدسات المصورين لجموع الحجيج الذين جاؤوا متخففين من الدنيا وأمتعتها تدرك عمق هذا الانسجام بين الروح والجسد؛ فالحج نداء للجسد أن يتطهر من الدنايا ويتخفف من الأمتعة، ومن الدنيا وزينتها فيطهر ظاهره بالوضوء وجوارحه من المعاصي والآثام ويقبل على ربه وقد ارتدى زيًا مخصوصًا يحرم عليه به التعطر والتزين في دلالة إلا أن هذه الهيئة مرادة حتى قطرات عرقه تبقى كما هي.. يا لها من إشارة عميقة لو وعاها الحاج وهو في هذ الموقف النوراني العميق الأثر. 

يُقبل الحاج بجسده وقد ترك الدنيا خلف ظهره، قلبه يحدوه، كلما اقترب زاد شوقه ولهج لسانه وتعطرت جوارحه المتعطشة جميعها للتلبية والدعاء، حتى ما إذا وقعت عينه على الكعبة وقد رآها بأم عينيه تحولت حاله ودخل في حالة روحية أرضية سماوية فهو لا يدري ماذا فعل ولا ما يفعل فيظل يبكي ولا يدري لمَا البكاء.. 

فانوس سحري يحمل سر الوجود

فالكعبة زينة المسجد الحرام وقبلة المصلين في مشارق الأرض ومغاربها تتجه لها القلوب والأبصار من أي مكان، ها أنت واقف الآن أمامها، فرؤيتها تختطف الأفئدة والوجدان، أحاسيس تتداخل، ومعانٍ تتطاير، وأفكار تتهاوى، ويظل على حالته يمعن فيها النظر حتى يدرك أنه بمعية الله الذي منّ عليه بالزيارة، وقد استجاب دعوته وأتى به إلى بيته الحرام.

ويؤكد الأستاذ كولن مكانة الكعبة ومنزلتها الروحية بقوله: “وبجانب كون الكعبة بموقعها بين الجبال والتلال المهيبة تشبه زهرة زنبقة الماء منشقة عن برعمها، فهي بمثابة فانوس سحري يحمل سر الوجود، ومسقط سدرة المنتهى، أو هي بلورة من عصارة العوالم التي وراء السماوات. وعندما يطوف الإنسان حول هذا الفانوس المحاط بالألغاز، يحس بأمور خفية بسعة الدنيا الدائرة، ويخيل إليه أنه ينظر من خلال موشور مرتبط بالسدرة المنتهى إلى عوالم فيما وراء السماوات.

أجل!.. فكل من لجأ إلى حرمها، يكتسب أعماقًا في روحه ومشاعره وفكره، فعندما يفكر بوجوده وبالكعبة، ويستمر في التفكير في العلاقة بين هذين العنصرين اللذين هما مطمح النظر الإلهي، تنفتح أبواب سرية تنقلهم إلى عوالم سرية لم يكن لهم عهد بها من قبل. ولا شك أن مثل هذا الشعور والحدس، ومثل هذا المعنى والروح لا يحصل ولا يظهر إلا من اتحاد إيمان صحيح وقوي مع عيش حياة إسلامية كاملة، مع إخلاص ويقين تامين، وإلا لم يكن للقوالب المجردة مضمون حقيقي”.. فأبشر أيها الحاجّ الذي منّ الله عليك بزيارة بيته بتنزلات علوية تصفي روحك وتجبر خاطر وتعالج ضميرك وتحيي قلبك، وهذا من تمام منة الله وإكرامه لضيوفه زوار بيته الحرام.

وتبدأ معالم الرحلة الروحية تتكشف له؛ ففي كل خطوة يخطوها وفي كل طواف يطوفه وتلبية يلبيها، ترتفع مدارج روحه وتعلو منزلته عند ربه وكلما زاد إخلاصه وقويت عزيمته صار إلى الله أقرب فترتفع الروح وتحلق وتطوف معه وتسعى؛ فتراه وقد وهن جسده لكن إرادته تحدوه لمواصلة السير والسعي دون أن يشعر بحاله.. وهكذا يظل الحاج على هذه الحالة يواصل أداء المناسك الظاهرة وهو لا يدري أنه يتحلل من دنايا قلبه مع كل خطرة وخطوة.. تطهر سريرته يبيض قلبه وباطنه حتى يصير عبدًا نورانيا كأنما يحلق في السماء.

تجد الكعبة مزيّنة والبيت الحرام منتعش مبتهج باستقبال أحبته الذين قطعوا من أجل زيارته الأميال والأميال تائقين، شدوا إليه رحالهم يأملون عفو الله ورضاه..

يا لها من رحلة مؤثرة تجمع شتات النفس على ربها فتتوحد قبلتها وتنقاد سريرتها لتحط بباب الله الذي تعقد عليه الآمال وليس برادّها خائبة في يوم هو من أعظم الأيام يوم عرفة يوم الحج الأكبر، يوم التباهي يوم أن ينظر إلى عباده في يوم المغفرة يوم عرفة يوم العتق من النار:”ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينـزل الله تعالى إلى سماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثاً غبراً ضاجّين، جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ولم يروا عقابي، فلم يُرَ يوماً أكثر عتقاً من النار، من يوم عرفة”

  يا لها من مكرمة.. يا لها من منزلة يوم يعتق الله رقاب الحجيج من النار فيمحو خطيئتهم ويرفع درجتهم ويكرم نزلهم ويعلي في العالمين ذكرهم وقدرهم.. يا لها من عطية يوم يقبل الله شفاعة الحجيج أنفسهم فيما شفعوا له؛ حيث يقول: “هؤلاء عبادي جاءوني شعثاً سُفْعاً، يرجون رحمتي ومغفرتي؛ فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، وكعدد القطر، وكزَبَد البحر، لغفرتُها، أفيضوا عبادي مغفوراً لكم، ولمن شفعتم له”. 

وقد عبّر الأستاذ كولن في وصف هذا الجو الروحاني الوضّاء بعبارات رقراقة تفيض عذوبة وجمالًا حيث قال: “يعيش الإنسان في عرفات جو الدعاء والتضرع، ويطلق الآهات الحبيسة في قلبه التي ترتعش منها جوانحه، وعندما تغرب الشمس، وينشر الظلام جناحه فوق الأفق جالبًا معه مشاعر فوّارة من مشاعر الوداع، نتخيل وكأن الآمال قد تجسمت وبدأت تسيل في داخلنا، وأن مشاعرنا قد تنورت بفيض عرفات وبركتها، وأننا قد انسللنا من قوالبنا الجسدية -كما يحدث في الأحلام- ويممنا شطر نَواحٍ روحية ومعنوية غير واضحة المعالم تمامًا، وأننا بدأنا نئن كأنين عرفات، ونحس بأننا قد تخلصنا من أثقالنا واكتسبنا أجنحة، ونحسب أن ماهيتنا قد تغيرت وتحولت إلى ماهية روحية وكائن روحاني، فيأخذنا الذهول ونتسمر في أماكننا”.. فما أحوجنا ونحن المثقلون بذنوبنا لهذه الفيوضات النورانية التي تجلي القلوب  وتنير الطريق وتهدي الحيارى التائهين في ظلمات الدنيا الآسرة، التي عبر عنها الأستاذ في موضع آخر فيقول: “إن الأجيال التي ما فتئت تبحث عن ذاتها منذ ذلك اليوم، خُدعت مرة تلو أخرى، وضُلّلت مرات ومرات. لم يبق أذى إلا ذاقته، ولا مرارة إلا تجرعتها. ولو لم تمتد يد العناية تنجدها وتدلها على طريق الانبعاث في البعد الروحي والبعد الإيماني والأخلاقي، لضاعت ضياعًا مؤكدًا، وكانت اليوم أثرًا بعد عين. أجل، لضاعت بدولتها، ومؤسساتها التربوية، ومنظومتها الأخلاقية والحقوقية، ورؤيتها العلمية والفنية، ويستطرد: فالمهمة الكبرى اليوم، أن نساعدها على أن تعي ذاتها وتتوحد مع روحها، وننقذها من أسر المادة، ونشحن قلبها بالمثُل العليا والغايات السامية. آه، ليتنا تمكنا من القيام بهذه المهمة السامية دون خلل أو نقصان!” 

 والحج بهذا المعنى طهارة للأجساد والقلوب.. طهارة للظاهر والباطن حتى يرجع الحاج، وقد تحلل من كل ذنوبه فيعود نقيًا طاهرًا كيوم ولدته أمه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه)

دليل حضارة

وبجانب كون رحلة الحج رحلة تعبدية أتاها المسلم مذعنًا منقادًا لأمر ربه ومولاه الذي ناداه بقوله: “وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا…”، بجانب هذا كله، فإنها تعكس حضارية المسلمين وأصولهم وأخلاقهم؛ فلقد عبرت هذ الرحلة المباركة- ولا تزال- عن التوحيد الذي دعا إليه الإسلام وهو يعكس الوحدة وينبذ الفرقة وهذا ملمح حضاري دعا إليه الإسلام وحض عليه؛ فالحجاج يلبسون زيًا واحدًا وينشدون نشيدًا واحدًا ويباشرون المناسك على قلب رجل واحد.. جاءوا وقد تركوا الدنيا خلف ظهورهم يرجون رحمة الله ويخشون عذابه، كل أملهم أن يرضى الله عنهم ويحقق لهم أمانيهم أو يقبضهم على ما هم عليه من الطاعة.

بجانب كون الكعبة بموقعها بين الجبال والتلال المهيبة تشبه زهرة زنبقة الماء منشقة عن برعمها، فهي بمثابة فانوس سحري يحمل سر الوجود، ومسقط سدرة المنتهى.

كما أن دعوتهم للتآلف والتكامل والتراحم بينهم تؤكد هذا المسعى الحضاري لحفظ كرامة الإنسان وصيانته سواء من الزحام والاصطدام أو حتى من الخوض في الأعراض الذي يمثله حفظ اللسان، وإلى كل هذا دعا الإسلام أبناءه في كل وقت لا سيما الحجيج الذين أقبلوا عليه فدعاهم لحسن الخلق ونبذ البذاءات وتكشف عدة أحاديث عن الحج بجلاء هذا المعنى للارتقاء بالسلوك الإنساني والانتقال به من أجواء التوحش والبداوة إلى أجواء التحضر والتمدن والترقي الاجتماعي الذي هو ثمرة ناضجة للمجتمعات المتحضرة، ومن هذه الأحاديث قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”.

 ولم يقف الأمر في التنظيم سلوك الأفراد مع غيرهم من الأفراد فقط بل تعدى ذلك لصيانة الإنسان لغيره من الكائنات من نبات وحيوان وطير؛ فما أن يرتدي المسلم ملابس الإحرام حتى يدخل في مظهر حضاري يعكس صورة المسلم المسالم فلا هو يقتل طيرًا ولا يقطع شجرًا ولا ينفر صيدًا فقد صح في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن هذا البلد حرمه الله، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده”

وتتابع الصور الحضارية التي تؤكدها رحلة الحج والتي تفوق الحصر لتبرز في الأفق أهمية حماية المكان وتعظيم الزمان الذي حرم الله فيه القتال إمعانًا في المحافظة عليه دعمًا لحرمته لتأتي إليه الأفواج مطمئنة آمنة على نفسها مستبشرة فلا تخاف من أحد ولا تخشى على أحد، وهنا تفرغ طاقتها لمعبودها حيث الأمان والخلاص، وهذا المعنى الرائع الذي يدعو للتآلف ونبذ الخلاف ويثمر التحاب يؤكد حضارية رحلة الحج المباركة.

فأجمِل بما في الحج من عظاتٍ وأكرِم بها من درجاتٍ، فما أخلص الدعوات وما أعذب الكلمات التي تمتلئ بها الساحات؛ فالكعبة مزيّنة والبيت الحرام منتعش مبتهج باستقبال أحبته الذين قطعوا من أجل زيارته الأميال والأميال تائقين، شدوا إليه رحالهم يأملون عفو الله ورضاه.. والله يعدهم مغفرة منه وفضلاً.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.