لا شك أن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم في زمن جائحة كورونا هو كيفية القضاء على الفيروس بأي شكل من الأشكال، فالشغل الشاغل للعالم والمفكر هو البحث في كيفية الهجوم على الفيروس والقضاء عليه، غير أن السؤال الأكبر الذي طرح لا سيما في المجتمعات النامية هو كيفية الخروج من خندق التخلف والتبعية وانتظار الحلول من الغرب، ومن ثمة ضرورة بناء الذات وتحقيق التنمية الاقتصادية والاستقلالية في التصنيع وغيرها من الأمور التي لم تكن لتطرح لولا جائحة كورونا.

لقد طُرحت مع وباء كورونا مشاكل كبرى من قبيل مواجهة مشاكل الصحة ومواجهة مشاكل التعليم والتصنيع والاكتفاء الذاتي في الغذاء والماء، كما برزت أسئلة أخرى حول مشكلة العلاقات السياسية التي أصبحت تحتاج إلى إعادة بناء وترميم بعد أن ظهر ضعف البنيات السياسية الكبرى التي كان العالم يعتمد عليها؛ وغيرها من التساؤلات التي جعلت العالم كله اليوم يقف على المحك من أجل النهوض، والدول الكبرى إذ أنها فكرت في التغيير إلا أن اللبنات الأساسية لديها، في حين أننا نحن في الدول النامية لم نجد شيئًا أمامنا ومهما حاولنا إلا أننا نعيش اليوم أزمة حقيقة تحتاج إلى حل.

خيار التعليم عن بعد ومشكل البنية اللوجستيكية

لقد كان التعليم والحفاظ على استمراريته في ظل الجائحة من بين أهم المشكلات التي وجدت دول العالم نفسها أمامها فضلاً عن الحفاظ على صحة المواطنين وإنقاذهم من الموت، ولذلك فإن معظم الدول لم توقف التعليم من خلال بديل التعليم عن بعد والذي ضمن لكثير من الدول ضمان الاستمرارية البيداغوجية.

لم تجد الدول المتقدمة مشكلات في اعتماد التعليم عن بعد لتفورها على البنيات التحتية اللازمة لذلك، ولانتشار ثقافة الرقمية في التربية في جل الدول المتقدمة، في حين أننا في الدول النامية في الوقت الذي أُرغمنا فيه على الانتقال إلى التعليم عن بعد ومن ثمة الانخراط مجبرين في الرقمية وجدنا أنفسنا أمام مشكلات لا حصر لها أهمها ضعف صبيب الإنترنيت بل ومشكل الربط بالإنترنيت، فبدا أننا متأخرون بشكل كبير في مجال التقنية وفي مجال الاتصالات وإلى اليوم ما زلنا نعاني من ضعف البنية التربوية على المستوى اللوجستيكي وانخراطها في التكنولوجيا من خلال توظيف تقنيات التكنولوجيا والاتصال في التعليم فضلاً عن رقمنة التعليم وتوظيف التعليم عن بعد في الدعم التربوي وتقديم الدروس عن بعد عند الحاجة.

إن تقنية التعليم عن بعد تستطيع أن تربط المتعلمين بشكل مباشر بمدرسيهم ولم يجد أي منهم بدا في هذه العملية ومن ثمة كانت النتيجة ناجحة بشكل كبير في خلق تواصل بين المتعلمين ومدرسيهم ومن ثمة ضمان الاستمرارية البيداغوجية في الدول التي تتوفر مسبقا على بنية لوجستيكية مناسبة في مجال تكنولوجيا التعليم، حيث ظل المتعلمون يتوصلون بالدروس بشكل عادي، ومن ثمة إنهاء السنة في ظروف شبه عادية، في حين أن الدول النامية ومنها جل الدول العربية لم تستطع المواكبة بسبب ضعف البنيات التحتية للمدارس على مستوى تكنولوجيا الاتصال ومن جهة أخرى بسبب ضعف الوسائط التكنولوجية وضعف الانترنيت وهو ما عطل التواصل البيداغوجي.

رغم هذا فقد علمتنا كورونا ضرورة الانتقال إلى الرقمية في مجال التعلمي وإلى ضرورة تحديث البنيات التحتية للمدارس وتوفير الوسائل التكنولوجية اللازمة واستمرار التدريس عن بعد، بعد أن تأكد لدى الجميع أهمية التعليم عن بعد في خلق نوع من التواصل الدائم بين المدرسين والمتعلمين وفي الدعم التربوي وأخيرًا في إنقاذ السنة الدراسية من الضياع في حال الأزمات غير المتوقعة.

التهيئة الصحية والاستعداد للحروب البيولوجية

لقد علمت الحرب الإنسان عبر الزمان أن يتطور وأن ينهض وأن يتعلم وأن يخترع ويبدع، ولولا الحروب لما وصلت الإنسانية اليوم إلى ما وصلت إليه من تطور تقني وعلمي،  كما تبين أن وباء كورونا هو حرب بغض النظر عن مصدرها إلا أن العالم اليوم تجند كله من أجل مواجهة الخطر المحدق بحياته، ومن ثمة فإن جميع الدول استطاعت أن تخلق الحدث في هذه الآونة من خلال الكشف عن قدراتها في المجال الطبي والتقني والعلمي لمواجهة الجائحة، كما أن العالم شاهد عن كثب معاناة الدول المتقدمة والصناعية التي كانت تعد رائدة في الاقتصاد والتقنية كيف تعاني من ويلات المرض ومن الموت ومن الجوع أيضا حيث شاهدنا جميعا كيف يقف الناس في طوابير لساعات للتبضع فلا يجدون ما يتبضعون به وشاهدنا عجز المستشفيات الكبرى عن استقبال المصابين بالوباء.

في هذا السياق فإن السؤال المطروح كان هو ضرورة تحقيق التنمية في المجالات والقطاعات الأهم في المجتمع والتي من أهمها الصحة باعتبارها أهم ما يملكه الإنسان، وضرورة تأمين الغذاء باعتباره قوام الإنسان وضرورة إعادة النظر في نوعية التغذية ومواجهة السموم التي تروج مع الغذاء ومحاربة أشكال التطوير العشوائي للمنتوجات الغذائية والتي تدمر الصحة وتقضي على مناعة الجسم كما تنشر الأمراض الخطيرة على الصحة مثل السرطان الذي هو أخطر بكثير من وباء كورونا. إنه السؤال جول ضرورة العودة إلى الطبيعة والتصالح معها.

الجانب الاجتماعي والحضاري

لقد كشف وباء كورونا عن مشكلات اجتماعية لا حصر لها في كثير من الدول، والتي من أهمها عدم التجاوب مع السلطة ومع السياسة الصحية التي رسمتها الدولة، فضلا عن انتشار العدوانية والفوضى والتنمر وقمع الحريات عن طريق  العنف الجسدي الذي مارسته بعض الدول لمنع الناس من الخروج والالتزام بالحجر الصحي، في حين شاهدنا كيف تفاعلت شعوب أخرى مع السلطة في شكل من المسؤولية والنظام التام، واستجابت للسياسة الصحية التي رسمتها الدولة، ومن أهم هذه الدول الصين التي استطاعت أن تتحكم في الوباء في زمن قياسي من خلال العزل الذي تم تطبيقه بشكل صارم، وهو ما يعيد السؤال إلى ضرورة خلق الثقة بين الحكومات والشعوب.

من جهة ثانية، أبان الوباء عن إمكانات هائلة لدى الشعوب في التضامن الاجتماعي وفي المساهمة في البحث عن الحلول كما كشف عن عبقريات علمية لدى كثير من الشعوب وهو ما يدعو إلى ضرورة تشجيع الشباب وخلق الانسجام بين الشعوب والحكومات من أجل التنمية المحلية سيما وأننا رأينا كيف أن الثقة الزائدة في الغرب والتبعية العمياء للدول الغربية في الاقتصاد والسياسة والتقنية قد لا توصل إلى شيء وأن الاعتماد على الذات في تحقيق التنمية أمر لا مفر منه.

كما قدم لنا كورونا درسًا في المجال الحضاري من خلال ضرورة الالتزام بالنظافة، حيث رأينا العالم اليوم يهتم بالنظافة بل ويقدم على تنظيف الشوارع وتعقيمها ويعقم يديه في كل لحظة، ويتجنب العشوائية على مستوى التجمعات الإنسانية، ويعيد النظر في تصرفات غير حضارية كان يقوم بها بشكل يضر الطبيعة ويضر الآخرين.

الاهتمام بالعلم

لعل الدرس الأكبر الذي علمته إيانا كورونا هو تقدير العلم وتقديسه -كما هو الحال للصين التي استعملت الروبوتات في المستشفيات-، فضلاً عن الاهتمام بالأطباء وبعلماء البيولوجيا وبالمعلمين.

يدعو هذا إلى إعادة الاهتمام، خاصة من طرف الدول العربية، بالبحث العلمي وبالجامعة والمدرسة من خلال حكامة تربوية وعلمية تعطي الأهمية للبحث العلمي الجاد في المجالات الأكثر أهمية؛ كما أنه يدعوها إلى إعادة النظر في السياسة التعليمية من خلال الاهتمام بتدريس التكنولوجيا والمعلوميات والعلوم الطبيعية والطب، وهو ما يمكن أن يشكل مناعة وقوة ضد كل الأزمات الممكنة.