لا شك أن واقع المعرفة في العالم اليوم، يحتاج إلى يدٍ تأخذ به إلى صورة جديدة من التفكير والمنهج، صورة تعيد ترتيب العلاقة بين العلوم والمعارف، من أجل الوفاء المزدوج لمرجعية الوحي من جهة، ولمنجزات المعرفة الإنسانية في شتى الحقول العلمية والمعرفية من جهة أخرى.

وبيان ذلك أن الوحي الإسلامي شكل في أنساق المعرفة الإسلامية نظامًا منهجيًا ومعرفيًا، لكافة الجهود العلمية التي أنجزها علماء الإسلام؛ حيث كانت روح القرآن الكريم تتلى قراءة، وتتلى منهجًا أيضًا، لتتجسد في الواقع عملًا راشدًا.

فالقرآن الكريم نور مبين، وذكر حكيم، وهدي قويم. كتاب مجيد، عزيز كريم، فصِّلت آياته وأحكت من لدن عليم خبير. يخرج من الفتن، ويشفي الصدور، وينقذ من المحن، ويكشف الهموم: (يَهْدِي بِهِ اللهُ مَن اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَام وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِم إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(المائدة: 16). يهدي إلى الرشد، وينقذ من الظلالة، ويخرج من ظلمات الجهل إلى أنوار العلم والمعرفة، لا تنقضي عجائبه ولا يَخْلَق من كثرة الرّد، قال الله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي للَّتِي هِيَ أَقْوَم)(الاسراء: 9).

إن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي منّ الله به على البشرية جمعاء، وأودعه تلك الطاقات التوجيهية الإرشادية الهائلة على الاستيعاب والتجاوز، طاقات تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتسموا بالإنسان من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، لتضعه في ميزان التوسُّط والاعتدال. وضمنه تلك القدرات التي لا تُحصى ولا تُعد، على تصحيح مسارات البشرية لإعادة تشكيل عقلية منفتحة على شتى فروع العلم والمعرفة، وعلى مختلف الحضارات والثقافات، والتواصل والحوار مع كل الأمم والشعوب، ومختلف الأعراق والأجناس، دون أي تمييزٍ أو تحيزٍ. وتحديد مناهج وسبل الحق والاستقامة، وتمكين الإنسان من إخلاص النية والوفاء بعهد الله عز وجل؛ (إنَّ اللهَ رَبِّي فَاعبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)(آل عمران: 5). وأداء الأمانة، والقيام بحق الاستخلاف، والصبر على الابتلاء، والتعايش مع الغير، وتحقيق غاية الحق من الخلق بإقامة العمران في الأرض، واستثمار المسخرات التي أودعها الله عز وجل في هذا الكون، وسخرها للإنسان بشكل إيجابي دون إفراط أو تفريط بمنهج وسطي معتدل كما أمر المولى عز وجل في كتابه العزيز قال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُم أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُم شَهِيدًا)(البقرة: 143).

فقد “كان مدار العلوم الإسلامية منذ مبتداها على النص نشأة وتداولًا، حيث كانت في منطلقها متمثلة له علمًا وعملًا، مما جعلها تنفتح على الكون وعلومه وعلى الإنسان ومعارفه، وتشيد عالميتها الرائعة الأولى التي تجلت فيها كثير من خصائص الوحي، وعكست بقدر طيب نوره وإشعاعه في الهداية والرحمة والعدل والحرية والأمن.. كما تجلت فيها أيضًا كثير من القيم العليا المزكية للإنسان والبانية للعمران”.

يقول الدكتور طه جابر العلواني: لقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في مفتتح نزول القرآن وعند بدء الوحي بقراءتين، فقال تعالى: (اقرأ بِـاسْمِ رَبِّكَ الَّـذِي خَلَقَ *۞ خَلَقَ الإنْسَـانَ مِنْ عَلَقٍ ۞ اقْرَأ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ *۞ الَّذِي عَلَّمَ بالقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم)(العلق:1ـ5). وبما أن القرآن ليس فيه تكرار ولا ترادف، ولا تحتاج آياته الكريمة إلى استعمال المؤكدات، فإن كل كلمة من كلماته  وإن بدت مرادفة أو مماثلة لأختها فإنها تشمل على معنى آخر إن لم تدل عليه بلفظها وبالاستعمال القرآني لها فإنها تدل عليه في سياقها.. وموقعها. وذلك من دلائل إعجازه الذي تعالى به على كلام المخلوقين. ولذلك فإن صيغة الأمر بالقراءة الذي جاء مرتين في هذه الآيات الخمس لا تعني التوكيد أو الترادف أو التكرار كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين.

بل تدل على أمرين بقراءتين، لكل منهما معناها المراد بها، ولكل منهما خصائصها، ومجالها ومتعلقها، ومناهجها وكيفياتها وميادينها.

وقد كانت هذه الآيات القرآنية محدِّدًا منهجيًا، وضابطًا معرفيًّا، لعددٍ من الأمور الجوهرية في حياة الإنسان، ففيها أمرٌ بالقراءة والسعي في طلب العلم، والبحث عن المعارف. وفيها بيان علاقة العلم بالقلم؛ توجيه إلى مصدر العلم وهو الله سبحانه وتعالى، عن طريق الوحي الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، والذي سيتتابع نزوله حتى يتم قرآنًا عربيًا مبينًا، مجيدًا مكنونًا، بشيرًا ونذيرًا، مفصّلًا محكم الآيات متناسق السور. وأن الأمر موجه إلى المكلف؛ وهو الإنسان الذي خلقه الله عز وجل من علق، وأن من طبيعته أنه لا يعلم حتى يعلِّمه الله من علمه الواسع. والقراءة المأمور بها هي قراءة باسم الله تعالى، الذي خلق فسوَّى، ثم بمشيئته تسير الأمور كما شاء، حتى توصل إلى علم يمكن أن يدون بالأقلام في الكتب، فتنتقل إلى السطور وتشيع بين الناس. ولا بد من أن نفهم القراءة على أنها تعبير يتسع ليشمل المسطور في الكتاب، والمنثور في الوجود؛ فسور الكتاب تقرأ وآفاق الكون تقرأ، قال الله تعالى: (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاختِلَافِ اللَّيْلِ والنَّهَار لآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ)(آل عمران: 190)، وتتلازم القراءتان حتى ينتج من هذا التلازم علوم ومعارف وخبرات وتجارب، يقام عليها العمران وتنبثق منها حضارة الإيمان، وتلك هي القراءة التامة الموصلة للعلم النافع والمعرفة الضرورية.

يقول الدكتور طه جابر العلواني: إن الأمر بالقراءة في الآية الأولى اقترن (باسم ربِّك) وكانت صلة الموصول الذي هي الخلق في (الَّذِي خَلَق * خلق الإنْسَاَن مِنْ عَلَق) فهي أمر بتحصيل فعل القراءة وممارسته مع الاستعانة بالله تعالى.. وتنبيهًا إلى وجوب قراءة الخلق قراءة تبدأ بقراءة الذات الإنسانية من بداية الخلق إلى نهاية الحياة بأطوارها كلها. فمنهج القراءة في الخلق ينطلق من قراءة النفس باتجاه الكون والآفاق. فتلك هي القراءة السليمة المنهجية.

فإذا اختلفت القراءة فقدت فاعليتها المعرفية وآثارها العلمية؛ وقد كان واضحًا في عصر الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ولدى الصدر الأول، أن الهدف الأساسي للقراءة بناء العقل العلمي المعرفي، وتوفير الإطار المرجعي اللازم له والنموذج العلمي الذي يستطيع أن يولد الاجتهاد والإبداع ما يحتاجون إليه من علوم ومعارف انطلاقًا من نصوص محدودة متناهية في العدد اللفظي، لكنها تستوعب الوقائع المتعددة غير المتناهية ما دامت الحياة قائمة، وتستوعب الكون كله.

يقول الدكتور طه جابر العلواني: (فهما كتابان تجب قراءتهما معًا للخروج من إسار الأمية بكل أشكالها ومعانيها: كتاب منزل متلو معجز وهو القرآن الكريم، وكتاب مخلوق مفتوح وهو هذا الخلق والكون والتجارب البشرية فيه، ومنه التعامل مع الإنسان نفسه، فهو جزء من الخلق وابن شرعي للطبيعة: قال تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُم وَفِيهَا نُعِيدُكُم وَمِنْهَا نُخْرِجُكُم تَارَةً أُخْرَى)(طه: 55).

فإنه ليس من السهل أن نتخيل حدودًا فاصلة بين مصدري الوحي والكون، فالوحي يجعل نصوص القرآن الكريم المتلوة المسطورة مصدرًا، ويجعل آيات الله المخلوقة المنظورة مصدرًا، قال الله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ واختِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهَ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)(البقرة: 164). فإن الله سبحانه وتعالى هو منزل الكتاب، وخالق الوجود، أي أنه عز وجل هو المرجع فيما يرسمه للناس من أسباب الهداية وسبل الرشاد، في الأمور كلها.

لقد نبَّهَ القرآن الكريم العقل الإنساني إلى أن يلاحظ وينظر ويتدبر ويجرب ويكتشف قوانين الكون وسننه، تلك القوانين التي أخضع الله سبحانه وتعالى لها الطبيعة والكون والحياة، وجوانب هامة من حياة الإنسان قال الله تعالى: (سَنُرِيهِمُ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وفِي أَنْفُسِهِم حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُ الحَقُّ)(فضلت: 53).

فالقراءة قراءتان، وكل قراءة منهما تعين الأخرى، فهما قراءتان متكاملتان، ولا بد للإنسان القارئ أن يجمع بين القراءتين، ليتمكن من تحصيل الهداية والرشد: وتتكامل القراءتان حين تتم قراءة الوحي لفهم العالم والتعامل معه، وتتم قراءة العالم لفهم الوحي والتعامل معه.

إذن لا بد من الجمع بينهما، لأن هذين المصدرين متكاملين، حيث تعين قراءة القراءة الأخرى وتعضدها وتتم نواقصها وقصورها، لأن القراءة الثانية تتأسس على الأولى، فالعلاقة بينهما علاقة تراتبية، يقول الدكتور أبو القاسم حاج حمد: (تعتبر القراءة الأولى بوصفها كونية تتعالى إلى المطلق، هي القراءة المهيمنة على القراءة الثانية التي تنطلق من مناهج الاستدلال والاستقراء بتمكن الإنسان من قوى الوعي الثلاثي في الاستدلال، قال تعالى: (وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُم لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُم السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُم تَشْكُرُون)(النحل: 78). وإفادته الموضوعية من مناهج الاستقراء التي تعتمد على التفكيك والتحليل.

فالقراءة الثانية مركبة على (ثنائية العقل والتجربة)، وهي ثنائية لا تبيح منهجيًا أشكال التأمل الذاتي المفتوح بلا منطق منضبط تمامًا كالقراءة الأولى المقيدة إلى النص القرآني والتي تبيح الركون إلى مبدأ الاستنارة الذاتية وادعاء الكشف الصوفي.

لذلك فمن الضروري الجمع بين هاتين القراءتين، قراءة الوحي، وقراءة الوجود، بمنهج تكاملي معرفي؛ لبناء العقل الإنساني السنني الأخلاقي، والارتقاء به إلى آفاق علمية سامية، وإنشاء حضارة إنسانية منطلقها القرآن الكريم.

ويمثل التكامل المعرفي، الإطار المرجعي للمنهجية الإسلامية، وهو تكامل منهجي شامل في مصادر المعرفة، وفي أدوات المعرفة، وهو أيضًا تكامل بين المصادر والأدوات، ويقوم التكامل على أساس الفطرة والضرورة. فقضية التكامل المعرفي قضية فكرية منهجية، من حيث إنها ترتبط بالنشاط الفكري والممارسة البحثية وطرق التعامل مع الأفكار.

يقول الدكتور طه جابر العلواني: من هنا كان ما سميناه منهجية القرآن المعرفية، دعامة أساسية للجمع بين القراءتين، وضرورة معرفية وحضارية لا على المستوى الإسلامي وحده، بل على المستوى العالمي كله، للخروج من المأزق المعرفي المعاصر، والأزمة الفكرية العالمية المعاصرة.

فالقرآن العظيم هو المتضمن للمنهجية الكونية البديلة، والقابل للاستكشاف المعرفي والذي بمقدوره وحده إعادة الصياغة الفلسفية للحضارة العالمية الجديدة.

وتبرز محددات منهجية القرآن المعرفية وتتحقق من قراءة الكتابين: القرآن والكون، وتؤسس على مقابلتهما والكشف عن التكامل والتفاعل بينهما، وإبراز المنهجية في البحث والاكتشاف انطلاقًا منهما.

فإن محددات معالم منهجية القرآن المعرفية تبرز في تحقيق الجمع بين الكتابين أو القراءتين (القرآن والكون)، في تكامل وتفاعل وتناسق وتناغم تام بينهما. باعتبارها ضرورة معرفية حضارية عالمية، للخروج من أزمة الأحادية العقيمة التي تتولد عنها أزمات فكرية حادة، تتبلور عنها أخرى قيمية أخلاقية روحية.

وبهذه العودة الصادقة المخلصة التامة إلى القرآن الكريم، يمكن أن تبدأ مسيرتنا الكبرى في هذا الوجود، وانطلاقتنا الشاملة لتأسيس البديل القيمي الحضاري الإسلامي العالمي القائم على الهدى والحق إن شاء الله تعالى.