تعتبر العين من الأعضاء التي يتأثر بها الإنسان إذا ما أصيبت بما قد يعيقها عن القيام بدورها المطلوب، وقد يتجاوز ذلك التأثير العضوي إلى النفسي. ومن الأمراض الخطيرة التي تصيب العين ما يسمى بـ”الجلوكوما” أو الماء الأزرق؛ إذ إنه يعدّ من أهم الأمراض التي تؤدي إلى الإصابة بالعمى. فالجلوكوما عبارة عن مجموعة من الأعراض تؤدي كلها لارتفاع في ضغط العين لدرجة لا يتحملها العصب البصري، مما يسبب تآكلاً تدريجيًّا، وضمورًا بالعصب البصري، وفقدًا مطردًا في الألياف المكونة له، مع ظهور عتامات في الساحة البصرية، تتلاحم فيما بينها وتؤدي إلى العمى الكامل.
ولقد أصاب أجدادنا عندما أطلقوا على هذا الداء اسم “السويرق”، أي يسرق البصر دون الإحساس به، ويسمى في بعض الدول بـ”اللص الصامت”. وقد أتت تسميته بـ”الماء الأزرق” لكون كلمة “جلوكوما” عند الإغريق تعني الشلالات الزرقاء؛ لأن المريض يرى في أحيان كثيرة هالات زرقاء حول مصدر الضوء، مما يعطي انطباعًا عند المريض أن هناك مياه زرقاء داخل العين، وهذا بالطبع خطأ شائع لكن تعارف الناس على هذا المسمى.
أكثر من 70 مليون شخص من مختلف دول العالم، فقدوا البصر في كلتا العينين، نتيجة إصابتهم بمرض الجلوكوما (الماء الأزرق)، إذ لا يلحظ المصاب في بداية إصابته بالمرض، حدوث أية أعراض حتى يفقد الرؤية بشكل كامل، ومن ثم نرى أن البعض أطلق على مرض الجلوكوما “لص البصر المتخفي”. ويقدر العلماء بحلول العام 2020، إصابة أكثر من 80 مليون شخص حول العالم بالمياه الزرقاء. وبحسب منظمة الصحة العالمية، يعتبر مرض الجلوكوما السبب الرئيسي الثاني للعمى على مستوى العالم بعد “الماء الأبيض” (Cataract). ووفقًا لإحصائيات منظمة الصحة العالمية، يعانى حوالي 2% من البالغين -فوق سن 40 سنة- من مرض Glaucoma على مستوى العالم، وانتشار المرض يأخذ بالازدياد مع تقدم السن، ليبلغ 10% من الناس فوق سن 65 سنة.

لص البصر المتخفي

كما نعلم فإن العين على شكل كرة، وهذا الشكل هو الوضع النموذجي الصالح لعملية الرؤية. ومن أجل أن تكون العين كرة، تحتاج إلى أن يكون الضغط في داخلها أكثر من الضغط الجوي المحيط بها، وبعكس ذلك تنكمش العين، ويسمى الفرق بين الضغط داخل العين والضغط الجوي، ضغط العين. وبصورة عامة فإنه يوجد توازن بين مقدار ما يُنتج من هذا السائل، وما يُهرَّب منه من خلال الفتحات الصغيرة الموجودة في الزاوية الكائنة بين الوجه الداخلي للقرنية والقزحية.
ومن الممكن تشبيهه بخزّان ماء مغلق تصب فيه حنفية بصورة دائمة، وينضح الماء منه من خلال فتحات صغيرة، فإذا كانت كمية الماء الواردة من الحنفية بنفس مقدار النضوح، يكون ارتفاع الماء داخل الخزّان ثابتًا “متساويًا” طيلة الوقت. وإذا زادت كمية الماء الواردة أكثر من المعتاد وقلت نسبة النضوح، فإن ارتفاع الماء داخل الخزان سيرتفع والعكس بالعكس؛ أي إذا قلت كمية الماء الواردة وزادت كمية النضوح، فإن مستوى الماء سينخفض.
كذلك فإن مقدار الضغط داخل العين وإن كان مشابهًا لما ورد أعلاه، إلا أن هناك إمكانية للتكيف والمحافظة على مستوى الضغط داخل العين، وهذا التكيف يتناسب مع كمية السائل المنتجة، فإذا قل الضغط داخل العين، فقد تحدث مضاعفات قد تؤثر على النظر. وكذلك إذا زاد الضغط داخل العين، فقد يؤدي ذلك في النهاية إلى فقد النظر. وقد يتبادر إلى الذهن سؤال في هذا الصدد، وهو ما الذي يحفظ للعين ضغطها الطبيعي؟ ومن إعجازه سبحانه في خلق العين، أن نحافظ على ضغطها في المستوى الطبيعي، والسبب في ذلك هو ذلك التوازن المذهل والمعجز للخالق جل جلاله بين عدة عوامل:
1- معدل إفراز وتكوين السائل المائي: هذا السائل تفرزه غدد الجسم الهدبي بمعدل 2 مليمتر ميكرون في الدقيقة الواحدة، وعند زيادة هذا الإفراز عن اللزوم، قد يزيد -في وقت قصير- ضغط العين إذا لم يصاحب هذه الزيادة في الإفراز سرعة مناسبة في تسريب أو تصريف السائل المائي.
2- معدل تصريف السائل المائي خارج العين: وهذا يحدث أساسًا خلال زاوية الخزانة المقدمة في العين، حيث يوجد نسيج غربالي يؤدي إلي قناة تحيط بسواد العين ومنها إلى أوعية دموية خارج العين. وهذا التصريف يعتمد على سعة الثقوب الموجودة في النسيج الغربالي، كما يعتمد على الفرق في الضغط داخل العين والضغط الموجود في الأوردة على سطح بياض “صلبة” العين. وهذا الفرق بين الضغطين يساعد على خروج السائل من العين بمعدل يناسب معدل تكوين السائل المائي.
وثمة تنظيم أو تحكم عصبي من قِبل الخالق سبحانه في الوصول إلى هذا التوازن في الأحوال الطبيعية؛ فإذا زاد الإفراز زاد التصريف، وإذا قل الإفراز قل التصريف.أيْ إن هناك “صمام أمان” رباني للعين ضغطها في المستوى الطبيعي، تمامًا مثل صمام الأمان الموجود في حلة البريستو أو حلة البخار؛ فهذا الصمام يسمح للبخار بالخروج إذا زاد الضغط داخل الحلة، وتكون النتيجة ثبات ضغط العين داخل الحدود أو المتوسط الطبيعي ما بين 12-22 مليمتر زئبق فوق الضغط الجوي.
القاعدة في طب العيون بالنسبة للجلوكوما، هي أن كل متهم بالجلوكوما عنده جلوكوما إلى أن تثبت براءته، وتفسير ذلك كما أورده المرحوم الأستاذ الدكتور صلاح الدين مصطفى في كتابه “أسرار العيون”، أنه إذا قال طبيب لمريض عندك جلوكوما، فعلى الآطباء الآخرين أن يحترموا هذا التشخيص، وأن لا يبرئوا المريض من تهمة هذا المرض إلا بعد فحص ومتابعة طويلة. والسبب في ذلك أن ضغط العين -كما ذكرنا سابقًا- يتغير ارتفاعًا وهبوطًا على مدى 24 ساعة، حتى في العين الطبيعية، لذا فضغط العين لا بد أن يقاس بواسطة نفس الطبيب مستعملاً نفس الجهاز، ولكن في أوقات مختلفة من اليوم، قبل أن يؤكد أو ينفي تشخيص زيادة في ضغط العين. وهذه نقطة هامة جدًّا، لأن من يثبت عليه مرض الجلوكوما، فعليه أن يستعمل العلاج وأن يستمر في متابعة الحالة عند طبيب العيون كل ثلاثة شهور طوال عمره، تجنبًا لفقدان النظر من عينيه دون أن يدري.

خطورة مرض الجلوكوما

تكمن خطورة الجلوكوما في أنه يسبب فقدانًا دائمًا للبصر إذا لم يتم اكتشافه ومعالجته مبكرًا؛ فعندما يزيد الضغط في العين عن معدله الطبيعي (15-20 مم زئبقي) تتأثر جميع أنسجة العين الداخلية بهذا الارتفاع في الضغط، فتتأثر عروق العصب الدموية وبعض طبقات الشبكية، كما يحصل تدريجيًّا تلف في أنسجة العصب البصري، وللأسف فإن هذا التلف غير قابل للعلاج حتى ولو أمكن التحكم في معدل الضغط بعد ذلك، فهو مثل كابل الكهرباء الذي يحتوي على كمية هائلة من الأسلاك الرفيعة، كذلك يحتوي العصب البصري على عدد كبير جدًّا من الألياف العصبية التي تقوم بدورها المهم وهو نقل الصور التي نشاهدها إلى الجزء المخصص بالإبصار في المخ، وهي التي تتلف بتأثير الجلوكوما مما يؤدي لتكوين بقع عمياء داخل العين، أيْ فقد أجزاء من المجال البصري للرؤية. وإذا لم يعالج المرض، يحدث تلفًا كليًّا في العصب البصري، وبذلك تفقد العين قدرتها على الإبصار.
وهنا تأتي أهمية التشخيص المبكر والاهتمام بالعلاج باستمرار؛ حتى لا يرتفع الضغط عن معدله الطبيعي ويبقي العصب البصري في حالة جيدة.

الجلوكوما الخلقية

قد يولد الطفل مصابًا بهذا المرض، أو يصاب به في السنوات الأولى من عمره، ويمكن توارثه عن أحد الأبوين أو كليهما، كما قد يحدث نتيجة إصابة الطفل بعدوى فيروسية عند إصابة الأم بهذا الفيروس في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل. يلاحظ الأبوان كبر حجم سواد العين عند الطفل نتيجة لكبر حجم القرنية وهي الطبقة الشفافة التي تغطي سواد العين، كما قد تفقد القرنية شفافيتها ولمعانها فيتغير السواد إلى اللون الأزرق أو الأبيض. ومن المهم جدًّا علاج الجلوكوما الخلقية في أسرع وقت ممكن حتى يستطيع الطفل التركيز بعينيه ويمكن بذلك تجنب كسل العين.

الجلوكوما الثانوية

هناك أسباب كثيرة من الممكن أن تؤدي إلى ارتفاع ضغط العين، منها التهابات القزحية المتكررة، ونضوج الساد، والمراحل المتقدمة لمرض اعتلال الشبكية السكري، والاستعمال الطويل لمركبات الكورتيزون، وانسداد الأوعية الدموية بالشبكية، وأورام العين الداخلية.

الوقاية خير من العلاج

من أهم الأمور للوقاية من مرض الجلوكوما أو الماء الأزرق، إجراء فحص دوري لكل من تجاوز الأربعين كل خمس سنوات، أما المعرّضون للإصابة أكثر من غيرهم بسبب العرق أو التاريخ العائلي، أو الوراثة، أو الأشخاص المصابين ببعد النظر، فيجب أن يتم فحصهم في فترات زمنية متقاربة يقررها طبيب العيون.

علاج الماء الأزرق

إن التلف في خلايا الشبكية العصبية والعصب البصري الناتج عن مرض الزرق، هو تلف نهائي لا يمكن علاجه، لذلك كل العلاجات المتوفرة في الوقت الحاضر، تهدف إلى المحافظة على ما تبقى من النظر، حيث تتم متابعة العلاج بفحص ضغط وقاع العين، وتخطيط الساحة البصرية بشكل دوري من قبل اختصاصي العيون، وهناك أنواع من المعالجات:
أ- المعالجة الدوائية: يمكن السيطرة على الماء الأزرق باستعمال قطرات العين عدة مرات في اليوم مع بعض الأقراص يوميًّا، المساعدة على خفض ضغط العين، وهي الاختيار الأول في معالجة حالات زرق الزاوية المفتوحة المزمنة.
بـ- العلاج بالليزر: يستعمل العلاج بالليزر في مختلف أنواع الزرق، وهو خط العلاج الأول في زرق الزاوية المغلقة الحادة، حيث يعمل الليزر على إنشاء فتحة في القزحية لتحسين انسياب السائل المائي إلى زاوية التصريف.
جـ- العلاج بالجراحة: ويعتبر الخيار الأول في علاج زرق الزاوية المغلقة المزمن والزرق الخلقي، وكذلك في حالات زرق الزاوية المفتوحة عند عدم استجابتها للعلاج الدوائي.

الفرق بين المياه الزرقاء والمياه البيضاء

المياه البيضاء هي عبارة عن عتامة بعدسة العين يشعر المريض بوجودها مبكرًا، فيرى الأشياء كأن عليها أتربة أو دخانًا، ويقل النظر تدريجيًّا وتزيد الغباشة. يميز المصاب بالمياه البيضاء الحركة ولكن لا يميز التفاصيل، لا تؤثر هذه العتمة على أي أنسجة أخرى داخل العين، وتعالج المياه البيضاء بوضع عدسة شفافة صناعية بدل الطبيعية المعتمة، ويعود نظر المصاب 6/6.
أما المياه الزرقاء فهي عبارة عن زيادة الضغط في العين عن المعدل الطبيعي، وبالتالي تتأثر جميع أنسجة العين الداخلية بهذا الارتفاع، كما يحصل تلف في أنسجة العصب البصري، وهذا التلف يسبب فقدانًا دائمًا للبصر إذا لم يتم اكتشافه ومعالجته مبكرًا، وبالتالي لا يمكن إعادة البصر بأي وسيلة علاج، مما يعني أن الإصابة بالمياه الزرقاء أكثر خطورة من الإصابة بالمياه البيضاء.

(*) استشاري في طب وجراحة العيون / مصر.