أجرى العالم “دي باري” عام 1866 دراسات على نبات الأُشْنَة (اللكنة) التي تلتصق بجذوع الأشجار وسقوف المنازل والصخور، حيث تبين أن هذا النبات يتكون من مشاركة تكافلية بين نباتين غير مزهرين هما الفطر والطحالب. وقد تكونت نتيجة لهذه المشاركة أجسام خاصة قائمة بذاتها وتعرف بـ”الأُشُن”. فالأشنة نبات يتركب من خلايا طُحلَبية خضراء محاطة بخيوط فطرية رفيعة. ويقوم الطُّحلَب الأخضر المعرّض للضوء، بتمثيل ثاني أكسيد الكربون الموجود بالهواء، وتكوين الغذاء الكربوني -والذي غالبًا ما يزيد عن حاجته- فيختزن الزائد منه، ثم يقوم بإعطاء هذا الغذاء الفائض عن الحاجة للفطر، مقابل الاستفادة مما توفره خيوط هذا الفطر من ماء وأملاح -يمتصها من رطوبة الجو- تسد حاجة الطحلب إليها.

وهناك نوع آخر من التكافل الشائع بين النبات، وهو بين الفطر والنبات المزهر؛ حيث يقوم تكافل متين وعلاقة قوية بين الفطر وجذور بعض النباتات كأشجار البلوط، والصنوبر، ونبات الأوركيد. وأحيانًا يتغلغل الفطر في كل أجزاء النبات، حتى إنه يصل إلى البذور، كما هي الحال في نبات “الخلنج” الذي ينمو بكثرة في الأراضي الجرداء بفضل تعاونه مع الفطر الذي يمده بما يحتاجه من ماء.

ومن أنواع التكافل، ما يحدث بين البكتريا العقدية ونبات الفول، والبرسيم، والعدس؛ حيث تتغلغل البكتريا في جذورها وتستمد غذاءها الكربوني منها، ثم تقوم بدورها بتحويل الأزوت الجوي إلى مركبات أزوتية عضوية مختلفة تعطي معظمها للنبات البقلي الذي تعيش فيه. وليست العقد البكترية مقصورة على جذور البقول فقط، بل وجدت أيضًا في نباتات أخرى تنتمي إلى فصائل مختلفة مثل “الكازورينا”، ونبات “سيكاس”.

ومن التكافل ما يحدث بين الحيوان والنبات، كما يحدث عند بعض الحيوانات التي تحمل في أجسامها نباتًا من الطحلب الخضر ذي الخلية الواحدة “الزوكلورلا”. وفي هذه الحالة يستثمر الطحلب ثاني أكسيد الكربون المتخلف، من جسم الحيوان، وينتفع به في عملية التمثيل الضوئي، ويستفيد الحيوان بدوره من الأكسجين الذي ينتجه شريكه الصغير في هذه العملية، كما يستفيد أيضًا من مركبات الكربون التي يكونها الطحلب.

وبعض هذه الحيوانات تكون ذات لون أخضر لما يعيش فيها من طحالب، مثل الحيوان الهُدْبي الذي يسمى “ستنتور” وهو من الأوليات (توجد أوليات خضراء أخرى لكن لوجود مادة الكلورفيل فيها) مثل اليوجلينا، والفورتسلا الخضراء، واسفنج المياه العذبة، والهيدرا الخضراء، وبعض شقائق البحر، ومعظم الشعاب المرجانية، والديدان المفلطحة (تربلاريا)، وبعض الحيوانات الرخوة. وتستطيع هذه الحيوانات البقاء على قيد الحياة وقتًا طويلاً دون أن تحصل على معونة غذائية خارجية، مكتفية بما تعتمد عليه من غذاء يمدها به كفيلها الأصغر.

وعند بعض الحشرات، وخاصة التي تتغذى على الأخشاب الجافة وما شابهها. تعيش في الخلايا المبطنة لقناة الهضم -عند نحو سبع رتب من الحشرات- بكتريا وخمائر، تساعد الحشرة على عملية هضم وتفكيك المركبات السللوزية. هذه البكتريا والخمائر تتصل ببويضات الحشرات قبل الفقس، أو في حالات أخرى يتكون داخل الحشرات أجهزة خاصة تساعد البكتريا والخمائر على الانقسام والتكاثر. وهناك من الدلائل ما يشير إلى أن الضوء المنبعث من بعض الحيوانات البحرية -مثل السيبيا وغيرها- يرجع إلى النباتات الفطرية التي تتكافل معها. وفي بعض الأحيان، تعد العلاقة بين النمل والنبات نموذجًا من التعايش، حيث يعيش نموذج من النمل في جنوبي أمريكا الجنوبية في سلاميات جذع السيسروبيا من الفصيلة التوتية، حامية النبات من اجتياح النمل الآكل للأوراق.

أما التكافل الداخلي بين نوعين مُختلفين من الحيوانات، فمن أمثلته بعض الأنواع من حيوان “الأنفيوزوريا” (أوليات هُدْبية)؛ ويعيش في القناة الهضمية لأنواع من النمل الأبيض تتغذي على الأخشاب. والأنفيوزوريا من الضرورات الحيوية له، إذ سرعان ما ينفق إذا أُبعدت عنه. فهي تقوم بهضم مادة الخشب التي يتغذى عليها هذا الحيوان، ولا يستطيع القيام بهضمها حيوان آخر أكثر رقيًّا. وكذلك الحيوانات العاشبات التي تؤوي في المعي الأعور البكتريا ملتهمات الأخشاب التي تقوم بتفكيك المركبات السليلوزية.

التكافل الخارجي

أما التكافل الخارجي أو التعايش والمعايشة؛ فيوجد عند كثير من حيوانات الشعاب المرجانية، ولعل أبرز مثال له هو معايشة الأنيمونات (شقائق البحر) مع بعض أنواع الأسماك. تتكون هذه الأنيمونات من جسم أسطواني أجوف رقيق الجدار يلتصق بالصخور، وله زوائد جوفاء حساسة تحتوي على خلايا لاسعة وتفرز مادة لزجة يساعدها على قنص فرائسها الصغيرة. وتُميِّز الأسماك الصغيرة هذه الأنيمونات، بغريزتها فتبتعد عنها اتقاء شرها، إلا بضعة أنواع توثّقت بينها وبين هذه الأنيمونات صلات طيبة، حتى أصبحت تحتمي بها وتأوي إليها، كما لا تحاول الأنيمونات إيذاءها أيضًا. وفي مقابل ذلك تردّ هذه الأسماك الجميلَ بجلب الفرائس التي قد تسقط بعيدًا عن متناول هذا الصديق المُقعد، ليتغذى بها.

وليس أدل على هذه العلاقة التكافلية الوثيقة من تلك التي بين “السمك المهرج” ونوع من “شقائق النعمان”؛ حيث تحمي السمكةُ الشقائقَ من الأسماك التي تتغذى عليها، وبالمقابل تحمي الشقائق بلواسعها السمكة من الكائنات التي تفترسها. وهناك “السرطان الناسك” الذي يأوي إلى محارة خالية ليحتمي بها من أعدائه، وإذا ضايقه العدو، ينتقل لمحارة أخرى أكبر حجمًا، وبين المحارتين، يعمد للتكفل مع بعض الأنيمونات الصغيرة فتغطي وتلتصق بظهر المحارة حامية السرطان من الأعداء، وبالمقابل تنتقل الأنيمونات من مكان إلى آخر، وعن طريق هذه التنقلات يسهل عليها البحث عن قوتها في العديد من الأماكن. وتتكافل “سمكة الغوبي” مع القريدس (الروبيان)، حيث يقوم الأخير بحفر وتنظيف الجحر الذي يعيشان به معًا في الرمل، بينما تقوم سمكة الغوبي بلمس القريدس بذيلها، تحذيرًا له من الأعداء، فيسرعان معًا إلى داخل الجحر.

ويعتبر البعض أن طرائق التأبير أو التلقيح الحشري لبعض النباتات المغلفات البذور، نموذجًا من التعايش؛ إذ تتغذى الحشرة بالرحيق الزهري، وبالطلع الذي تنقله من سداة إلى أخرى، ومن ميسم إلى آخر، محققة بذلك استمرارية الحياة للأنواع حشرية التلقيح. كما أن التخصصية، بالغة الدقة بين الحشرة ومضيفها النباتي إلى حد وجود نماذج من التكيف بين النبات والحشرات التي يستضيفها؛ فالمريمية تزود بدواسة تقلب المحتوى المئبري فوق ظهر الحشرة، وزهرة السحلب تشبه أنثى الحشرة التي تجذب الذكور. وتزور زهرة نبات الفيكتوريا الملكية التي تتفتح ليلاً، حشرة من غمديات الأجنحة، حيث تطبق الزهرة عليها في النهار وتحررها في المساء، محملة بطلع الزهرة لتنقله إلى زهرة أخرى. وهنالك نوع آخر من التأبير بوساطة العصافير والخفافيش والحلزون؛ وترتاد زهرة اليوكا حشرة تضع يرقاتها في الزهرة محققة التأبير المختلط. وفي التين تقوم بالتأبير حشرة البلاستوفاغة من نصفيات الأجنحة من زمرة الزنابير الصغيرة.

هناك أشكال متنوعة من المنافع المتبادلة و”التكافل التنظيفي والغذائي والحمائي والطبي”؛ حيث توجد أسماك وطيور للتنظيف والحماية، تتغذى على الحشرات والفطريات، والطفيليات، والفضلات التي تعيش على جسم الشريك الآخر. فمن هذه الأمثلة ما يحدث بين التمساح وصديقه طائر”القطقاط” الذي يلازمه دومًا؛ هابطًا بين فكيه لينظف أسنانه، كأفضل ما يكون التنظيف والعناية بالأسنان؛ حيث يمكث التمساح هادئًا مطمئنًا، حريصًا على أن لا يطبق فكيه القويين على صديقه الصغير، ويصفق هذا الطائر بجناحيه منذرًا إذا ما رأى عدوًا أو أحس بخطر، لينساب التمساح إلى الماء مباشرة. ونرى كذلك من هذه المنفعة المتبادلة، بين بعض الطيور والثدييات الكبيرة مثل الجاموس ووحيد القرن؛ حيث تعمل الطيور هذه على تخليص الثدييات من الحشرات والطفيليات بشكل دائم.

التكافل الطبي

كثيرة هي الشواهد على تبادل المنفعة والتكافل الطبي بين أجناس من الكائنات الحية. وفي هذا المجال يُشار إلى التكافل التنظيفي والغذائي والحمائي؛ حيث توجد حيوانات وطيور وأسماك تعمل على تنظيف بقايا غذاء شريكها.

وفي جنوب المحيط الهادي، توجد أسماك صغيرة بكثرة (طولها نحو عشرة سنتيميرات) مارست عملية الطبابة؛ ويوجد من يمارس تلك الوظيفة في بحار العالم، نحو 33 نوعًا من الأسماك، وهي تستوطن الصخور عيادات ثابتة أو متنقلة لها، أو تقوم بزيارات منزلية تؤمها شتى أنواع الأسماك طلبًا للشفاء من الطفيليات والإصابات. فالسمكة الطبيبة تنال ما يكفيها من غذاء مجاني جراء قيامها بالتنظيف، كما تتمتع بالحماية الكافية والحصانة اللازمة ضد هجوم الأسماك الكبيرة عليها. وقد شوهدت هذه الأسماك وهي تنظف -في أمان وهدوء- أسماكًا مفترسة، ومنها الحنكليس، وسمكة العقرب السامة، وخلال ست ساعات من الملاحظة تم إحصاء نحو 300 سمكة تؤم “العيادة” ثم تغادرها نظيفة من الطفيليات المتعلقة بجسمها، وهو عدد كبير يعكس مدى المهمة الملقاة على عاتق هذه الأسماك في حفظ أنواع عديدة من الأمراض والنفوق والانقراض.

وهناك سمكة المهرج (وطولها ما بين 6-12 سم حسب النوع) تعيش في البحر الأحمر والمحيط الهندي والهادي، وكذلك في صخور حاجز أستراليا العظيم. كما تعيش هذه السمكة على شكل أزواج داخل شقائق النعمان، وتتبعها مجموعة صغيرة من الأسماك تتميز بألوانها الزاهية وتسمى بأسماك الآنسة. كما تجذب إلى مجساته أسماكًا أخرى، وتطرد عنه أسماك الفراشة التي تفترس الشقائق. هذا وإن العلاقة بين الأسماك المهرجة وشقائق البحر ليست علاقة حماية فقط، بل علاقة طعام ونظافة أيضًا؛ إذ تقوم أسماك المهرج برحلات غير بعيدة إلى خارج مجسات الشقائق، وتسرع سمكة المهرج إلى مخبئها عندما تقوم سمكة كبيرة بمطاردتها، فتصيبها الشقيقة بلسعات قاتلة. وبعد فراغ الشقيقة من أكلها تتغذى سمكة المهرج على الفضلات والبقايا، ثم تنظف المكان. إن أمثلة التكافل والتعاون بين الكائنات الحية عديدة ومتنوعة ومُدهشة، والتكافل الطبي من أبرز هذه الأمثلة.

ويرى الكثير أن التكافل بين هذه الكائنات يفند نظرية التطور… فالتكافل الإجباري بين كائنين لا يعيش أحدهما دون الآخر، لا بد وأن يأتيان إلى الوجود معًا ودون تطور أو ارتقاء نوع لنوع، كما أن التكافل والتعاون بين الكائنات الحية يخالف فكرة الصراع من أجل البقاء التي هي من أسس تلك النظرية، ويبقى قوله تعالى: (هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ)(لقمان:11)

(*) كاتب وأكاديمي / مصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.