في السنوات الاخيرة، كانت ثمة محاولات بحثية للعثور على مضادات حيوية جديدة بالطرق التقليدية من التربة والمستخلصات النباتية؛ لكنها لم تكشف عن مرشحين جدد. ناهيك عن العقبات الاجتماعية والاقتصادية التي حالت دون حل هذه المشكلة. وحاول بعض العلماء معالجة هذه المشكلة بأساليب غير تقليدية من خلال البحث في الحمض النووي للبكتيريا عن جينات جديدة تنتج مضادات حيوية أو البحث في أماكن غريبة مثل أنوفنا. ولكن في كل مرة يعثر العلماء على نفس الجزيئات مراراً وتكراراً. ولا تكون فعالة ضد البكتيريا المقاومة. وبسبب ذلك تخلت شركات الأدوية إلى حد كبير عن تطوير المضادات الحيوية على الرغم من الحاجة الماسة لها لصالح أدوية أكثر ربحية للحالات المزمنة.

وبينما تبدو الآفاق قاتمة. قدمت الثورة الأخيرة في الذكاء الاصطناعي (التعلّم العميق) أملاً جديداً. مع أن الذكاء الاصطناعي كان يستخدم من قبل للمساعدة في عملية اكتشاف اجزاء من المضاد الحيوي إلا أنها المرة الأولى التي تكتشف فيها أنواعاً جديدة تماماً من المضادات الحيوية من نقطة الصفر دون استخدام أي افتراضات بشرية سابقة.

التّعلم العميق

تعمل خوارزميات التعلم العميق اليوم على تشغيل العديد من الأنظمة مثل التعرف على الوجه والسيارات ذاتية القيادة. إنها تحاكي الكيفية التي تعمل بها الخلايا العصبية في أدمغتنا من خلال تعلم أنماط البيانات. قد تكتشف الخلية العصبية الفردية الاصطناعية- مثل المستشعر المصغر- أنماطا بسيطة مثل الخطوط أو الدوائر. وباستخدام ألاف الخلايا العصبية الاصطناعية، يمكن للتعلم العميق أن يؤدي مهام معقدة للغاية مثل التعرف على القطط في مقاطع الفيديو أو اكتشاف الاورام في صور الخزعة.

والشبكات العصبية الاصطناعية لها مقدرة ملحوظة على استنتاج معنى (حلاً صحيحاً) من معطيات غير دقيقة أو معقدة ويمكن أن تستخدم للتعرف على العينات واكتشاف اتجاهات معينة يكون من العسير جداً ملاحظتها عن طريق البشر أو تقنيات الحاسب الأخرى. الشبكة العصبونية يمكن اعتبارها مثل الخبير في تصنيف المعلومات التي تعطى إليه لتحليلها. هذا الخبير يمكن له بعدئذ أن يقدم تفسيرات لأسئلة ما أو حلول لمشاكل معينة.

ونظرا لقوة ونجاح خوارزميات تعلم العميق من الذكاء الاصطناعي. فليس بمستغرب ان يتبنها الباحثون الذين ينقبون عن العقاقير. لكن، بناء طريقة للذكاء الاصطناعي لاكتشاف العقاقير الجديدة ليس بالمهمة الهينة. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى عدم وجود غذاء مجاني no free lunch في الذكاء الاصطناعي.

وتنص نظرية لا يوجد غذاء مجاني على أنه لا توجد خوارزمية متفوقة عالمياً. أي لا توجد خوارزمية تساعدك على حل المشاكل ومعالجة كل البيانات. هذا يعني إذا نفذت خوارزمية مهمة بنجاح كبير مثل التعرف على الوجه فسوف تفشل في مهمة مختلفة مثل اكتشاف الدواء. لذا لا يمكن للباحثين ببساطة استخدام خوارزميات التعلم العميق الجاهزة في الذكاء الاصطناعي.

في عدد 20 فبراير من مجلة الخليةCell، أعلن فريق من العلماء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد بقيادة البروفيسور جيمس كولينز استاذ الهندسة البيولوجية والدكتورة ريجينيا  بارزيلاي الباحثة في الذكاء الاصطناعي أنهم – وخوارزمية قوية للتعلم العميق- عثروا على مضاد حيوي جديد تماماً. مع آلية عمل غير تقليدية. تسمح له بمحاربة العدوى المقاومة للعديد من الأدوية. كان المركب أمام انظار العلماء طوال الوقت لكنهم لم يلاحظوه (كان يُجتبر هذا الدواء كعلاج محتمل لمرض السكري). لأن البشر لا يعرفوا ما الذي يبحثون عنه. لكن الحاسوب يفعل ذلك.

استخدم فريق MIT-Harvard نوعاً جديداً من التعلم العميق-الذكاء الصنعي يسمى الشبكات العصبية البيانية لاكتشاف العقاقير. هذه الشبكة تتجنب التصورات المسبقة والمحتملة للعلماء حول ما ينبغي البحث عنه. وتقوم بتطوير خبرتها الخاصة. في الماضي كانت تصمم نماذج الذكاء الصنعي لاكتشاف الأدوية باستخدام أوصاف نصية للمواد الكيميائية. وهذا أشبه بوصف وجه الشخص بواسطة كلمات مثل “العيون سوداء” و “الأنف طويل”. هذه التوصيفات النصية مفيدة لكن من الواضح أنها لا ترسم الصورة بأكملها. تصف طريقة الذكاء الاصطناعي المستخدمة من قبل فريق MIT-Harvad المواد الكيميائية كشبكة من الذرات وتتعلم خصائص الجزئيات ذرة تلو أخرى. مما يعطى الخوارزمية صورة أكثر اكتمالا للمواد الكيميائية مما يمكن أن تقدمه الاوصاف النصية.

منجم ذهب

ومع ذلك، فإن التعلم العميق وحده لا يكفي لاكتشاف المضادات الحيوية الجديدة. يجب أن يقترن بالمعرفة البيولوجية العميقة للعدوى.

قام فريق MIT-Harvad بتدريب خوارزمية الذكاء الاصطناعي بدقة على أمثلة من الأدوية الفعالة وغير الفعالة. بالإضافة إلى ذلك، استخدموا العقاقير المعروفة بأنها آمنة في البشر لتدريب الخوارزمية عليها. ثم حددت بواسطة الاخيرة المضادات الحيوية الآمنة والقوية من ملايين المواد الكيميائية.

فأولاً قام الباحثون بتدريب الخوارزمية لتحديد الخصائص في قاعدة بيانات لأكثر من 2300 مركب كيميائي معروف التركيب الجزيئي التي تجعل المركبات فعالة في القضاء على بكتيريا E.coli . ومن هذه البيانات تعلمت الشبكة العصبية ماهي الترتيبات الذرية وبُنى الترابط المشتركة بين الجزيئات. ولأن حوالي 10% فقط من المركبات في قاعدة بيانات التدريب كانت مضادات حيوية معروفة. فإن الشبكة العصبية لم تكن متحيزة بافتراضات حول كيفية عمل جزيئات المضادات الحيوية أو بأي شكل يجب أن تكون. ونتيجة لذلك، كانت الشبكة العصبية قادرة على العثور على مركبات تختلف بشكل كبير عن الأدوية الحالية. وبهذه الطريقة وجد العلماء منجم ذهب من الأدوية المرشحة الجديدة.

وبالطبع، القدرة على تثبيط البكتيريا ليست المعيار الوحيد المهم: يمكن أن يقتل السيانيد والزرنيخ بعض البكتيريا أيضاً. لكن ذلك لا يجعلها مضادات حيوية مفيدة. وعلى هذا عمل الباحثون أيضاً على تدريب الخوارزمية على التنبؤ بسمية المركبات والتخلص من الجزيئات المرشحة على هذا الاساس.

وبعد تدريب النموذج، استخدمه الباحثون لفحص مكتبة تدعى مركز تجديد استخدام الدواء Drug Repurposing Hub التي تحتوي على حوالي 6000 مركب قيد البحث لمعالجة أمراض البشر.

لقد طلبوا من النموذج أن يتنبأ بالمضاد الذي سيكون فعالاً ضد E.coli وأن يعرض لهم فقط الجزيئات التي تبدو مختلفة عن المضادات الحيوية التقليدية.

بعد الفحص اختار الباحثون حوالي 100 دواء مرشح للاختبار المادي. برز على رأس المجموعة الجزيء c-Jun N-terminal kinase inhibitor SU3327 مثبط للأنزيم كيناز والذي سبق اكتشفه كعلاج محتمل لمرض السكري وسمي المضاد الحيوي الجديد ب Halicin على اسم نظام الذكاء الاصطناعي HAL في ملحمة ستانلي كوبريك العلمية 2001: أوديسة الفضاء.

وفي المختبر كانت المفاجأة أن Halicin لم يكن فعالاً فقط ضد بكتيريا E.coli البكتيريا التي تدربت عليها خوارزمية الذكاء الاصطناعي. ولكن أيضاً كان فعالاً وقوياً على مسببات امراض قاتلة بما في ذلك المتفطرة السلية (مسبب السل). وبكتيريا Clostridioides difficile التي تسبب امراض الجهاز الهضمي.

واللافت للنظر أن Halicin عالج الفئران المصابة بكتيريا Acinetobacter baumannii المقاومة للمضادات الحيوية هذه البكتيريا تتصدر قائمة أكثر مسببات الامراض فتكاً المصنفة من قبل مراكز السيطرة على الامراض واتقائها الامريكية. كما قتل هذا المضاد القوي مجموعة واسعة من البكتيريا الاخرى التي تسبب تعفن الدم، والالتهاب الرئوي، والتهاب الجروح، وغيرها من الالتهابات الشائعة التي يصعب علاجها.

ومن الامور الواعدة أيضاً. هو أنه في حين معظم المضادات الحيوية يتولد ضدها قدراً ضئيلا من المقاومة بعد أيام من الاختبارات المعملية. الا أن بكيتريا E.coli لم تطور أي مقاومة للهاليسين خلال فترة العلاج مدتها 30 يوماً.

عرقلة البروتونات

بعد اختبارHalicin في المختبر. ورؤية نجاحه الكبير كمضاد حيوي. بدأ الباحثون في سبر واستكشاف آلية عمله. وكما هو معروف تعمل المضادات الحيوية من خلال مجموعة من الآليات. مثل تعطيل الانزيمات المشاركة في التخليق الحيوي لجدار الخلية وإصلاح الحمض النووي وتصنيع البروتين. لكن ألية Halicin غير تقليدية فهي تعطل تدفق البروتونات عبر غشاء الخلية. وتشير الدراسات الاولية ومن خلال تسلسل  RNA للبكتيريا E.coli أن Halicin يتداخل مع حركة البروتونات والجهد الكهروكيميائي عبر الاغشية البكتيرية. والتدرجات البروتونية تكون حاسمة وتعتمد عليها  تفاعلات عملية التمثيل الغذائي للخلايا وحركتها من اجل انتاج ATP (جزيئات تستخدمها الخلايا لتخزين الطاقة). لذلك إذا تعطل هذا التدرج تموت الخلايا وهذه الآلية لم يفكر فيها علماء الكيمياء الطبية من قبل وأنها قد تكون مستهدفة للقضاء على البكتيريا. ويقول الباحثون هذا النوع من آليات القتل يكون من الصعب على البكتيريا تطوير مقاومه لها. فالأدوية التي تستهدف مكونات غشاء الخلية لا تمكّن البكتيريا من اكتساب طفرة واحدة أو عدة طفرات لتغيير كيمياء الغشاء الخارجي وتميل هذه الطفرات أن تكون أكثر تعقيداً من أن تُكتسب تطورياُ.

وبعد تحديد Halicin، استخدم العلماء نموذجهم لفحص أكثر من 100 مليون جزئ مختار من قاعدة بيانات Zinc15. وهي مجموعة منسقة من المركبات الكيميائية المتاحة تجارياً. والمعدة خصيصاً للفحص الافتراضي على الانترنت تضم حوالي 1.5 مليار مركب كيميائي. حدّد هذا الفحص والذي استغرق ثلاثة ايام فقط. 23 دواءً مرشحاً مختلف تركيبياً عن المضادات الحيوية الموجودة. وتوقّع النموذج بأن المضادات المرشحة غير سامة للخلايا البشرية. وفي الاختبارات المعملية ضد خمسة أنواع من البكتيريا وجد الباحثون أن ثمانية من الجزيئات أظهرت فعالية ضد البكتيريا واثنين كانا قويين بشكل خاص.

ويخطط الباحثون لمتابعة مزيد من الدراسات حول Halicin. والعمل مع شركة أدوية أو منظمة غير ربحية على أمل تطويره لمعالجة البشر. كما يخطط الباحثون أيضاً لتوظيف نموذجهم من أجل تصميم مضادات حيوية جديدة وتحسين الجزيئات الموجودة بواسطة تدريب النموذج وإضافة سمات تجعل المضاد الحيوي يستهدف بشكل خاص بكتيريا محددة ويكون تأثيره أقل على الميكروبيوم الطبيعي للجسم مما يسهم في صحته.

وختاماً، اصبحنا بفضل قدرة التعلم العميق أقدر على الاستجابة السريعة لاكتشاف مضادات حيوية جديدة.  وستوفر لنا تقنيات الذكاء الاصطناعي الافضلية في المعركة التي لا تنتهي ضد البكتيريا مقاومة العقاقير.

المراجع

1 – https://www.cell.com/cell/fulltext/S0092-8674(20)30102-1?_returnURL=https%3A%2F%2Flinkinghub.elsevier.com%2Fretrieve%2Fpii%2FS0092867420301021%3Fshowall%3Dtrue.

2 – https://theconversation.com/deep-learning-ai-discovers-surprising-new-antibiotics-132059.

3 – https://www.sciencealert.com/deep-learning-ai-finds-a-gold-mine-of-potential-new-antibiotics-we-might-have-never-used.

4 – https://www.nature.com/articles/d41586-020-00018-3.

5- https://www.quantamagazine.org/machine-learning-takes-on-antibiotic-resistance-20200309/.