يتضمن مفهوم العيش المشترك قدرة الإنسان على تغيير طبيعته الاجتماعية، وتحويلها إلى طبيعة اجتماعية عقلانية واعية وإنسانية، تتبنى قاعدة التآنس والمحبة والتآلف والانسجام بين البشر، وتحترم حق الاختلاف والاحترام، وهو أروع شكل للكينونة والوجود مع الآخر.
وقد أوضح أفلاطون والفارابي وابن خلدون، أن التآنس يبدأ من المحيط الشخصي الضيق مع العائلة والأصدقاء، ليشمل الجماعات المختلفة في المجتمع الواحد، وصولاً إلى العيش المشترك على كوكب واحد بين أقوام وشعوب وثقافات مختلفة. فلا توجد حياة عامة أو إمكانية لحياة كونية دون رابط إنسي ضمن وحدة اللغة، أو الكلام الذي تتقاسمه الممارسات اليومية والعادات والتقاليد والأمنيات والحقوق والواجبات التي تهم كل فرد. فليس لأمة أن تحقق وحدتها وهويتها، إلا باتفاقها من خلال عملية تحاورية كبرى، تؤسس فيها عوامل الارتباط وأسباب إنجاحها، وتحولها إلى عيش مشترك في ظل الكرامة والحرية في إطار التقارب والتجمعات المترابطة، والهياكل المهنية والمؤسسات الثقافية والفنية على الصعيد الوطني وعلى الصعيد الإنساني.

إننا كبشر بحاجة إلى كونية جديدة تحترم الاختلاف والتنوع، تسهم الفلسفة فيها في البناء الأنطولوجي لهوية متعددة ولغيرية متسامحة تتبنى احترام الاختلافات الثقافية، وتؤسس لحوار حضاري يتبنى القيم المقاومة للهيمنة.

وظهور مفهوم “العيش المشترك” في العصر الحديث، يرجع إلى تحرر أوروبا -بنهاية العصور الوسطى- من سلطة الكنيسة المسيحية التي هيمنت على كل مناحي الحياة وأجهضت أشكال التعددية والحرية، وانفتاحها على حضارات وثقافات جديدة، مما مهد الطريق لبناء مجتمع أوروبي جديد يقوم على التعددية والتنوع الفكري والسياسي، وإلى تبني مفاهيم الحوار الحر والاختلاف والتعايش، والتخلي عن أساليب القمع والعنف المختلفة التي لم تؤد تاريخيًّا إلا إلى الدمار. ومع استقرار الأنظمة في أوروبا، والتطبيق التدريجي لقيم الحرية والتعددية، تحولت قيم الحوار والتعايش والاختلاف، إلى ثقافة وممارسات بديهية في واقع الحياة الأوروبية اليومية تجاوزها الفكر إلى آفاق فكرية أرحب.

الجدل حول التعايش المشترك

لقد عاد الجدل حول قضية التعايش المشترك مرة أخرى في الآونة الأخيرة بسبب عدة عوامل:
1- انهيار المعسكر الاشتراكي وسقوط أفكار أدلجة الدولة، ونظم التعليم التابعة لها، وتكريس الفكر الأيديولوجي الماركسي في المجتمع، وعودة المجتمعات الشرقية إلى دياناتها ومعتقداتها وطرق حياتها التقليدية، ونشوب صراعات عرقية ودينية، وحروب دموية نتيجة انغلاق تلك المجتمعات وغياب قيم وثقافة الحرية والحوار لعقود طويلة، والعودة إلى الأديان كوسائل لترابط الأفراد وتكتلهم ضمن أطر اجتماعية معينة سواء في الشرق أو في الغرب، وظهور الطوائف المختلفة والطرح الطائفي، والتحول من التعايش والتسامح إلى التطرف والإقصاء.
2- تحول كثير من الأنظمة الديكتاتورية إلى أنظمة ديمقراطية تقوم على التعددية السياسية والتداول الديمقراطي للسلطة واحترام حقوق الإنسان، وانتشار النظام الغربي لإدارة الدولة ونظام الحكم، مما استدعى ممارسات وقيم وثقافة جديدة في دول أوروبا الشرقية وأمريكا الجنوبية، ومعظم الدول الأفريقية ودول آسيا.
3- الثورة التكنولوجية وما أحدثته من تغيرات ثقافية تحمل -إضافة إلى مزاياها- الكثير من المخاطر؛ كتقليل فرص التعايش الحضاري والانسجام الإنساني، وإشاعة مساحة من عدم التسامح بين الثقافات المختلفة وبين الدول وبين الجماعات في الدولة الواحدة، وقد تستخدم لتلميع وتسويق الأفكار المتطرفة الدينية والمذهبية والعرقية والاقتصادية، وتشويه سمعة آخرين مختلفين في الاجتهاد السياسي أو الديني أو المذهبي.
4- التغيرات الاقتصادية، وتقليص الحواجز بين الدول، من خلال الاتفاقيات العالمية كالجات، وتزايد حركة الهجرة والسفر والتنقل والحصول على الوظائف عالميًّا، مما استدعى ضرورة تماشي المجتمعات مع الواقع الجديد، والتعايش مع القادمين الجدد.
6- خلل الحوكمة في كثير من دول العالم، وتقلبها من حكومات عسكرية ديكتاتورية، أو حكومات مدنية ديكتاتورية، أو شبه ديموقراطيات هشة، وغياب الحوكمة الرشيدة (المشاركة والشفافية والحكم بالقانون) وزيادة الفساد، الأمر الذي نتج عنه إما حروب أهلية أو حروب بينية أو حركات إرهاب.
وقد أوضح “جاك دريدا ” أن العولمة قد أفرزت نمطًا للعيش يقترب من بعض معطيات التوحش، وغلبة “التكنوقراطي العلمي” على مجرى الحياة، مما قد يدفع الأفراد إلى نوع من “الوحشة” والكآبة والوحدة التي قد تتحول إلى الهمجية والعنف.

إن الاعتراف أولاً بأهمية التعايش معًا وتأثيره العميق على حضارة الإنسان، هو أول الطرق للبحث عن حلول عقلانية لها، وعدم الانجرار وراء التعميم أو تعظيم الخوف من الآخر

أزمة التعايش والتسامح الحضاري

إن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: كيف يمكن التقارب بين البلدان المتقدمة التي تمتلك الثقافة والطموحات ومصادر القوة وتهيمن عليها، والبلدن النامية والفقيرة التي تعاني الفقر والجهل والمرض؟ وهل يمكن تحقيق التقارب والعيش المشترك؟
إن العالم يمر بمرحلة صعبة من التحول الكبير الذي لا بوصلة له حتى الآن، ولا فكر أو رجال يقودونه. فنحن أمام مشهد يشابه -إلى حَدٍّ ما- مشهدَ العالم قبل الحرب العالمية الثانية من تضارب عميق في المصالح وغياب التوافق، والتغيرات الهيكلية المستمرة على النطاق العالمي، ونشوب صراعات يغذيها التنافس بين القوى الكبرى التي تفقد قدرتها على الحسم أو على الانتصار، فتحارب بعضها من خلال وكلاء أو من خلال أدوات ضغط، مثل الحصار والمقاطعة، بل والعمل مع شبكات الجماعات السرية.
إن التعايُش والتسامح الحضاري في الآونة الأخيرة يمران بأزمة أخلاقية طاحنة، ومن هنا فإن الاعتراف أولاً بأهمية التعايش معًا وتأثيره العميق على حضارة الإنسان، هو أول الطرق للبحث عن حلول عقلانية لها، وعدم الانجرار وراء التعميم أو تعظيم الخوف من الآخر، وتأسيس الدولة الوطنية المدنية العادلة والمؤسسة، على التعددية على أساس قاعدة المواطنة المتساوية.
ويؤكد “لودغير كونهاردت” على أن “العيش معًا” هو المصير المحتوم للشعوب على اختلاف دياناتها، وهي أمر لا بد منه لتحقيق إنسانية كونية خلال القرن الواحد والعشرين. وهذا الأمر يؤدي إلى تعميق فكرة “العيش معًا” بين جميع الناس. فالاعتراف بالتنوع مع القبول بالقيم الكونية، الذي يستمد جذوره من الحب بين الناس وحب الله، نتيجة حتمية لتلك المعطيات.

كونية تحترم الاختلاف

إننا كبشر بحاجة إلى كونية جديدة تحترم الاختلاف والتنوع، تسهم الفلسفة فيها في البناء الأنطولوجي لهوية متعددة ولغيرية متسامحة تتبنى احترام الاختلافات الثقافية، وتؤسس لحوار حضاري يتبنى القيم المقاومة للهيمنة، وعقلانية تضع حدًّا للدوغماتية والتعصب، وكُلّيّانيّة الأفكار، وتهدف لتحقيق السلام بين البشر، وبلورة إطار تواصلي بين الثقافات والشبكات القيمية الإنسانية وفق مقتضيات التسامح، والانتماء المشترك والتكامل العضوي بين أبناء البشرية، واستيعاب تنوعهم القومي والحضاري والديني.
وأوضح “بول ريكور” قدرة فلسفة الإرادة على الإسهام في رؤيتها لفهم مشترك، والاعتراف المتبادل بين هويتنا الإنسانية وبين هوياتنا الثقافية اعترافًا فعليًّا من أجل التكامل.. فالثقافة تمنح الذات الإنسانية اللغة والأفكار والأخلاق الخاصة بمجموعة ما، في حين أن الحضارة تشرك الذات الإنسانية في عمليات تقنية واقتصادية وسياسية.
وأوضح “ماتياس كوفمان” أن متطلبات العيش المشترك تشمل تقبل الاختلاف في اللغات والثقافات والوظائف ..إلخ، والتسامح والقضاء على التفاوت الفعلي اللامرغوب فيه، وتوفير الحقوق والعدالة والديمقراطية الاجتماعية، من خلال دولة تخضع للحقوق الأساسية، ووجود مواطنين أحرار لا يخضعون لأي قمع سياسي أو اقتصادي، ولديهم الاستعداد للتعاون والتعاضد، ووجود رؤية عقلانية لا اختزالية للعالم، تضع حدًّا للدوغماتية الفكرية، وتبحث عن السلم الأبدي، وتحترم اختلاف الثقافات والتعابير الإنسانية.
لقد حان الوقت لانتهاج سياسات رشيدة إزاء التعددية الثقافية مهما يكن نوع ومكونات هذه التعددية، فالأصل في المجتمعات هو التنوع والتعدد والتعايش والحوار، في إطار من الوحدة ولكن الطوعية وليس القسرية. فالتعايش يحافظ على كينونة ووحدة المجتمع ويسهم في التفاعل البنّاء فيما بين المكونات الاجتماعية، ويجنّب المجتمعات الكثير من الصراعات الخفية أو المعلنة، والتعايش بهذا المعنى، يمثل الاعتراف المتبادل، والاحترام المتبادل، والمسؤولية المتبادلة بين مختلف المكونات والتعدديات، والانتقال بالمجتمعات من حال المواجهة إلى حال أرقى من حيث النوع والحضارة والسلام.
ولا مفر اليوم من أن نعيش معًا ونحن نتقاسم نفس الأرض والماء والهواء بل وحتى اللغة والثقافة. وفي عالم يتوحد يومًا بعد يوم ويُحَدِّث أخباره كل صباح ومساء، سيزداد اختلافنا وتنوعنا، وستقل قواسمنا المشتركة التي تعودنا عليها، وتصبح هويتنا الجماعية في حاجة إلى إعادة البناء. لذلك صار لزامًا علينا أن ندرك أهمية التربية على المواطنة في حياتنا، وأن نوليها أهمية قصوى، ونجعل منها قضية وطنية بامتياز.

(*) كلية التربية، جامعة الإسكندرية / مصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.