التعايش السلمي ضرورة حياتية لا يستغني عنها الناس في أي زمان ومكان، فقد شاء الله أن تكون التعددية من السنن الثابتة، وقد أراد الله تعالى أن تتعدد الأديان وأن يتعايش الناس في سلام. وهذا الأمر ينبغي استيعابه حتى ينعم الإنسان بالأمن والاستقرار، بعيدًا عن ثقافة الكراهية والتعصب والتطرف التي تحمل بعض الفئات على التزوير باسم الدين، فيلجأ المتطرفون والتكفيريون إلى القتل والتفجير والحرق، من خلال الاستدلال بالنصوص الشرعية زورًا وبهتانًا مما أدى إلى تشويه صورة الإسلام، وأعطى الفرصة للقول بأن هناك آيات في القرآن، وأحاديث في السنة تأمر بقتل الناس، نتيجة الأعمال الإجرامية والوحشية التي تقوم بها تلك الفئات الضالة.

لقد تميز الإسلام برفضه فلسفة “الصراع”؛ لأنه يؤدي إلى أن يصرع القوي الضعيف، فيزيله وينهي التنوع والتعدد والتمايز والاختلاف الذي هو سنة من سنن الله في سائر المخلوقات. رفض الإسلام فلسفة “الصراع”، وأحل محلها فلسفة “التدافع” الذي هو حراك يعدل المواقف، ويعيد التوازن والعدل مع بقاء التعددية والتعايش والحوار والتفاعل بين مختلف الفرقاء: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ # وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ # وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)(فصلت:33-35).

إن الإسلام بتعاليمه السمحة، يرسخ لثقافة التعايش السلمي في ظل التعددية الدينية. فلقد اتسع المجتمع الإسلامي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بعده على مر العصور الإسلامية، لجميع الأديان، وكفل عمليًّا حرية الإنسان غير المسلم في ممارسة شعائر دينه

إن الإسلام لا يريد “الصراع” الذي ينهي “الآخر”. كذلك يرفض الإسلام الفلسفات التي اعتبرت القتل والقتال وإزهاق الأرواح جبلة جُبل عليها الإنسان، وغريزة من غرائزه المتأصلة فيه.

وفي قواعد أخلاقيات دستور الفروسية الإسلامية يقول الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو على رأس السلطة التنفيذية (الخلافة): إنه بلغنا أن رسول الله  كان إذا بعث سرية يوصيهم بوصايا مهمة منها: “لا تغلوا (أي لا تخونوا)، ولا تغدروا، ولا تمثلوا (أي لا تمثلوا بجثث القتلى)، ولا تقتلوا وليدًا” (رواه مسلم).

ورد في موطأ الإمام مالك أن  أبا بكر الصديق  صاغ قواعد هذا الدستور الأخلاقي للقتال والحرب في وثيقة إسلامية، عندما أوصى قائد جيشه يزيد بن أبي سفيان -وهو يودعه- أمينًا على الجيش الذاهب لرد عدوان البيزنطيين في الشام، فقال في وثيقة الوصايا العشر: إنك ستجد قومًا زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله (الرهبان)، فدعهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له.. وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعن شجرًا مثمرًا، ولا تخربن عامرًا، ولا تعقرن شاةً، ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلاً ولا تفرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن. فكانت هذه (وثيقة الوصايا العشر) دستور الآداب الإسلامية وأخلاقيات القتال، عندما يفرض على المسلمين القتال.

فمعيار الإسلام ودولته، في السلم والسلام أو الحرب و القتال، ليس “الإيمان” و”الكفر”، ولا “الاتفاق” و”الاختلاف”، وإنما هو التعايش السلمي بين الآخرين وبين المسلمين، أو عدوان الآخرين على المؤمنين بالفتنة في الدين أو الإخراج من الديار.

إن أصحاب رسول الله  فهموا هذا الدين، وأدركوا اهتمامه واحترامه لإنسانية الإنسان، فلم يُنقل إلينا أن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بتفجير كنيسة أو أوصى أو حرض على قتل غير المسلمين سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم. إن من أهم ما يتميز به الإسلام والنصرانية واليهودية كأديان سماوية، هو احترام إنسانية الإنسان؛ لأن الله تعالى هو الذي خلقه وأرسل الرسل لهدايته، وبيان دوره في إعمار الكون ودعم السلام والاستقرار والرحمة والمحبة.

ولقد طبق المسلمون هذا المعيار في العلاقات مع المخالفين فكان اليهود -بدولة المدينة المنورة- جزءًا من الرعية والأمة، ونص دستور هذه الدولة الإسلامية على أن “لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.. ومن تبعنا من يهود فإن لهم النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وأن بطانة يهود ومواليهم كأنفسهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر المحض لأهل هذه الصحيفة دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه.. فاليهود أمة مع المؤمنين”(1).

وبالنسبة لعموم النصارى، قررت المواثيق النبوية في هذه الدولة الإسلامية الأولى “أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وعلى المسلمين ما عليهم، حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم وفيما عليهم”(2).

لقد قرر الإسلام الحرية الدينية التي تحترم إنسانية الإنسان وعقله الذي ميزه الله به، قال تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)(البقرة:256). تلك هي كلمة القرآن الملزمة؛ فلم يكن الهدف أو المغزى للفتوحات نشر الدين الإسلامي، وإنما بسط سلطان الله في أرضه، فكان للنصراني أن يظل نصرانيًّا ولليهودي أن يظل يهوديًّا، كما كانوا من قبل، ولم يمنعهم أحد أن يؤدوا شعائر دينهم، وما كان الإسلام يبيح لأحد أن يفعل ذلك، ولم يكن أحد لينزل أذى أو ضررًا بأحبارهم أو قساوستهم ومراجعهم، وبيعهم وصوامعهم وكنائسهم(3).

وقد أكدت السنة النبوية على حرمة دماء غير المسلمين، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا” (رواه البخاري).

وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قتل معاهدًا في غير حق حرم الله عليه الجنة” (رواه الإمام أحمد).

وكان النبي صلى الله عليه يحضر ولائم أهل الكتاب، ويغشى مجالسهم ويواسيهم في مصائبهم، ويعاملهم بكل أنواع المعاملات التي يتبادلها المجتمعون في مجتمع يحكمه قانون واحد. فقد كان يقترض منهم نقودًا ويرهنهم متاعًا، ولم يكن ذلك عجزًا من أصحابه عن إقراضه؛ فإن بعضهم كان ثريًّا، وكلهم يتلهف على أن يقرض رسول الله، بل كان يفعل ذلك تعليمًا للأمة، وتثبيتًا عمليًّا لما يدعو إليه من سلام ووئام، وتدليلاً على أن الإسلام لا يقطع علاقات المسلمين مع مواطنيه من غير دينهم.

إن الإسلام لا يريد “الصراع” الذي ينهي “الآخر”. كذلك يرفض الإسلام الفلسفات التي اعتبرت القتل والقتال وإزهاق الأرواح جبلة جُبل عليها الإنسان، وغريزة من غرائزه المتأصلة فيه.

وكان عمر بن الخطاب بالشام، وقد حانت الصلاة وهو في كنيسة القيامة، فطلب البطريق من عمر أن يصلي بها، وهمّ أن يفعل، ثم اعتذر بأنه يخشى أن يصلي بالكنيسة فيدّعي المسلمون فيما بعد أنها مسجد لهم فيأخذوها من النصارى.

وكتب للمسلمين كتابًا يوصيهم فيه بألاّ يصلوا على الدرجة التي صلّى عليها، إلا واحدًا واحدًا، غير مؤذنين للصلاة وغير مجتمعين(4).

إن هذه ليست سماحة فحسب، وإنما هي سماحة مضاعفة تتخطى الحاضر إلى المستقبل.. سماحة مضاعفة تنبع من نفس طاهرة، وتعتمد على بصيرة نفاذة بعيدة المرمى.. سماحة مضاعفة لأن صاحبها لا يعتمد على سماحته وحده، ولا على تحلله من التبعة وحده، إنما يريد ممن يجيئون بعده -طال الزمن أو قصر- أن يكونوا سمحاء مثله.

وبينما هو يسير بالشام، لقيه قوم من نصارى أذرعات، يلعبون بالسيوف والريحان أمامه -كما تعودوا أن يفعلوا في الاحتفال بالعظماء- فقال ردوهم وامنعوهم؛ لأنه كان يكره الأبهة ومظاهر الملك، فقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين هذه عادتهم، وإنك إن تمنعهم يروا في نفسك نقضًا لعهدهم، فقال عمر: دعوهم عمر وآل عمر في طاعة أبي عبيدة”.

أعرفت لماذا استجاب عمر لرأي أبي عبيدة رضي الله عنه؟ لقد خشي أن يظنوا أنه مبغض لهم، عازم على نقض عهده معهم، وبحسبه من السماحة أن احتمال هذا الظن وحده جعله يغير من عادته، فرضي أن يلعبوا أمامه بالسيوف والريحان.

ومر برجل يسأل على الأبواب، وكان الرجل شيخًا ضريرًا، فقال له عمر رضي الله عنه: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال عمر: فما الذي ألجأك إلى ما أرى؟ قال: الجزية والحاجة والسن. فأخذ عمر رضي الله عنه بيده، وذهب به إلى منزله وأعطاه مما وجده، ثم أرسل إلى خازن بيت المال وقال له: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، ووضع عنه الجزية(5).

إن الإسلام بتعاليمه السمحة، يرسخ لثقافة التعايش السلمي في ظل التعددية الدينية. فلقد اتسع المجتمع الإسلامي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بعده على مر العصور الإسلامية، لجميع الأديان، وكفل عمليًّا حرية الإنسان غير المسلم في ممارسة شعائر دينه، وليس ذلك فحسب، بل عمق الصلات الاجتماعية والثقافية والفكرية، وغير ذلك بين المسلمين وأهل الكتاب من النصارى واليهود وأرباب الملل الأخرى، ليتعايش الناس في سلام وأمان.

(*) الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية / مصر.

الهامش

(1) مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، للدكتور محمد حميد الله، ص:16-21.

(2) المصدر السابق، ص:111.

(3) حقائق وشبهات حول الحرب الدينية، للدكتور محمد عمارة، ص:160-168.

(4) تاريخ الطبري، 4/167.

(5) الخراج، لأبي يوسف، ص:71.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.