في هذه الأسطر سنعرض بشكل أساسي، الجوانب السلبية لهذا اللون من التربية التي تتصف بما يلي:

1- عدم التربية على الاستقلالية، وإنما تفعيل روح التبعية؛ وهذا وإن بدى للناظر أنها تضبط روح التمرد لدى المتلقي، إلا أنها حقيقة لا تحقق الحاجة النفسية لدى الفرد إلى الاستقلال عن غيره، التي هي جزء من النمو النفسي السوي لنفس المراهق، والتي إن لم يتم إشباعها بدرجة كافية فسيجتهد المراهق بذاته في البحث عن وسائل الإشباع، منطلقًا من تصوره الشخصي للصواب والخطأ، أو مما يرده من مصادر أخرى قد تكون غير آمنة. ومن المعلوم أن مَن تمت تربيته على الاتباع دون الإدراك الواعي، فإنه أيضًا عرضة لاستباق الغير إليه وتربيته على اتباعه، مثلما فعل قادة التطرف مع الناشئة من الشباب، خصوصًا إذا وفروا له ما يحتاجه من احترام أو شهوات، على عكس التربية على المسؤولية التي تنتج لنا أفرادًا قادرين على الإدراك واتباع الصواب وتجنب الخطأ، مما يراه نابعًا من ذاته من فكر آمن.

2- التربية على التفكير الحدي (أي إما معي أو ضدي، إما صديقي أو عدوي)، وهو أحد آثار التفكير القبلي. وتكمن خطورة هذا النوع من التفكير عند التعامل مع الآخر بأنه شر محض أو خير محض، وبالتالي يكون سهل الانقياد من قبل الآخرين من خلال كشف خطأ في الشخصية المراد إسقاطها، أو تلميع ميزة في الشخصية المراد إبرازها لدى المتلقي، فيُسقط هذا، ويقدس ذاك. ولكي لا يشعر ذلك الفرد بالازدواج النفسي، فقد يرفض المراجعة لأفكاره، أو ينطلق من روح الشك في التعامل مع الآخر.

3- تفعيل ثقافة الخوف؛ مما يؤدي إلى نشوء ثقافة الصمت فلا يتم التعبير عن الرأي، ولذا يخسر المربي من حيث يظن أنه قد نجح في أن المتلقي لا يشتكي من شيء، رغم أن الذي منع المتلقي حقيقة من التعبير، هو خوفه الذي أظهره بشكل مقبول من خلال الصمت الذي هو أحد علامات القبول والرضا في الحس الاجتماعي، إنه الالتزام الخائف.

يجب بث روح الوعي التربوي لدى جيل الآباء، فيجب تربية الشباب على غير الطريقة التي تربوا عليها

هذا اللون من التربية يؤدي إلى ظهور السلوك الانتهازي والنفاق، ولذلك كلما ازداد رفعة اجتماعية كلما ازداد خوفه ونفاقه، مما يؤدي إلى عيش الجميع في وهم أن الأمور على خير ما يرام، ولكن الواقع غير ذلك.

4- بث ثقافة (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ)(الزخرف:22) في نفوس النشء، مما يقلل روح الإبداع في نفوسهم، ويفعل روح المحافظة على ما هو موجود والخوف عليه. ولقد أدى هذا بدوره إلى عدائية الجديد وعدم مراجعة القديم، بل والمحافظة عليه صالحه وطالحه، بل وأحيانًا وصف الجديد بالبدعية والمجدد بسوء النية، دون نظرة فاحصة تحليلية قد تصل -إنْ وظفت إيجابيًّا- إلى التوافق الكامل أو الجزئي، أو الرفض على بينة.

ولعل خوف البعض من الحوار حول جواز وجود يوم وطني للدولة، يعكس لنا شيئًا من هذا الفكر. ورغم علمي بفتوى العلماء بحرمة الاحتفال بعيد غير عيد الفطر وعيد الأضحى، ومنها الاحتفال باليوم الوطني، إلا أنني لا أرى غضاضة من جعل هذا اليوم يوم مراجعة لماضي هذا الوطن واستشراق للمستقبل.

5- تقديم المفهوم الاختزالي للدين من حيث التربية على السلوك أكثر من الفكر والمشاعر، ونسيان الناس أن الدين ما وقر في القلب وصدّقه العمل. ولذا تجد عدم التركيز على القيم والمبادئ -في بعض الأحيان- كما يجب، وإنما تقديم الوصف السلوكي لأوامر الدين وجعله طقوسًا خالية من القيم والمعاني.

6- عدم تفعيل الموضوعية في علاقة الفرد بالآخر، وإنما الشخصانية هي التي تحكم فكر المتحاورين في أكثر الأحوال. بل أصبحت العلاقة الشخصية تؤثر في القرار الإداري أكثر من الأنظمة التي تعاني من عدم الوضوح ومن إمكانية التحايل عليها. بل إن تلك الأنظمة قد تشربت فكر الشك بالآخر، ولذا جاء كثير منها معيقًا لحركة التقدم في المجتمع، حيث التضييق أكثر من التيسير، وإذا حدث التيسير فهو من شخص المسؤول لا من طبيعة النظام.

والمؤلم في حال جيل الشباب المعاصر، أنه لا يعاني من الصراع مع الجيل السابق فحسب، بل أيضًا يعاني من صراع الذات الذي هو بذاته مرحلة مؤلمة من نمو الإنسان السوي.

7 عدم التجديد في أساليب التربية، وافتراض الستاتيكية (الجمود) في مجتمع ديناميكي (متغير) وعالم متسارع التغير والتطور.

8- تشير بعض الدراسات النفسانية، أن الفرد يسلك ما يتوقعه غيره منه. ولذا فإن افتراض الشيطانية والمخادعة في نفس المتلقي، التي ينتهجها البعض في تربية الأبناء، أكثر من افتراض الخير والصدق، تؤثر تأثيرًا بالغًا في سلوك الناشئة.

9- تدريب الابن وتشجيعه على ممارسة ما يجب من مثله أن يمارسه في تعريف المجتمع، أكثر من ممارسة ما يحب ويريد من المباحات. والإشكال في هذا يكمن في نشوء فكر القولبة (النمطية)، أي وجود قالب واحد هو المرجعية في التصوبة والتخطئة في أمور يفترض فيها تعدد الميولات والتوجهات، مما يؤدي بدوره إلى إضعاف القدرة على تأمل الصواب والخطأ، وإنما افتراض المثالية في شيء ما والاحتكام إليه. إن هذا اللون من التربية النفسية يعني إهمال نمو فردية الإنسان، مما قد يدفع المجتمع إلى السير ضمن تقاليد تجعل الفرد صورة كربونية من الآخر.

10- عدم الانطلاق في التربية من المفاهيم الصحيحة وإنما من الانطباعات والظنون، وتغليف ذلك بما يناسب المتلقي لكي ينال القبول مع الأيام باعتياد الناس عليه.

11- استخدام المنهج التوفيقي غير المقنع عادة والحلول المؤقتة لأزمات ومشكلات طويلة المدى.

12- تركيز الرقابة الأسرية على سلوك النشء أكثر من بناء الفكر وتقييم الشخصية والبنية النفسية لديهم.

13- عدم تفعيل روح الاعتذار كما ينبغي، وعدم قبول احتمال حدوث الخطأ من الناشئ بالدرجة الكافية.

14- أصبح المتلقي -ربما بسبب الطفرة التنموية المتسارعة جدًّا- أكثر تأهيلاً نفسيًّا وحضاريًّا من الموجه، مما سبب شيئًا من صراع الأجيال، لكنه لم يظهر على السطح جليًّا بسبب درجة الضبط الأخلاقي الديني، كبرّ الوالدين مثلاً. ولذا كان لزامًا بث روح الوعي التربوي لدى جيل الآباء، وإدراك أن زمان الأبناء غير زمانهم، ولذا فيجب تربية الشباب على غير الطريقة التي تربوا عليها. والمؤلم في حال جيل الشباب المعاصر، أنه لا يعاني من الصراع مع الجيل السابق فحسب، بل أيضًا يعاني من صراع الذات الذي هو بذاته مرحلة مؤلمة من نمو الإنسان السوي.

تفعيل ثقافة الخوف؛  يؤدي إلى نشوء ثقافة الصمت فلا يتم التعبير عن الرأي، ويؤدي إلى ظهور السلوك الانتهازي والنفاق

15-وجود العلاقة السلطوية لا التفاعلية المفتوحة بين الموجه والمتلقي، بين المدرس والطالب، وكذلك بين الأب والابن، هذا النوع من العلاقة يحد من درجة التواصل، ويقتل روح الحوار، ولذا ربما بحث المتلقي عن حل لتساؤلاته عند من يستمع له، وهو ما حدث تمامًا لشباب التكفير الذين اتجهوا إلى بعض علماء الشريعة المميزين ابتداءً، لكنهم كانوا في الغالب يقابلون بالطرد أو رفض الحوار لأنهم في نظرهم صبيان أغرار، والتي هي في نظري امتداد لهذا النوع من العلاقة الاجتماعية (البنية الأبوية السلطوية)، مما حدا بأولئك الشباب إلى البحث عن رموز دينية خارجية لم تعرف بالعلم الشرعي الواسع، أو رموز داخلية أقل علمًا لكنها أوسع صدرًا، تقبلتهم، وكسبت ثقتهم، واستطاعت أن تبذر في صدورهم حقيقة الولاء لهم.

إن ما نريده هو الأسرة المفتوحة ذات العلاقة التفاعلية التي تتصف بما يلي:

ا- السلطة فيها ليست سلطة بمقدار ما هي قيادة وتوجيه.

ب- فيها يتربى الأفراد على احترام الذات والتفكير الإيجابي، بمعنى أنه يفعل الخير لأنه جيد له، ويترك الشر لأنه يهينه ويضعه في موقف المساءلة.

ج- داخل هذا النوع من الأسر تتوزع الأدوار، فالأب له دور، والأم كذلك، والابن والبنت، فتتفاعل هذه الأدوار فيما بينها بشكل تعاوني فيه الخير للجميع.

د- فيها علاقة الحب واحترام الآخر.

About The Author

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.