الفكر التربوي العربي يستمد أصوله النظرية والتطبيقية من منهجية تكوينية قيمّة، استلهمها من ينابيع القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة اللذين يهديان النفس البشرية والمجتمع الإنساني إلى أقوم السبل وأفضلها، وقد نجحا في واقع الحياة أيما نجاح على رقعة واسعة من الأرض والمعمورة، وما تزال ينابيعها تروي ظمأ الإنسانية وتحل مشاكلها في كل زمان ومكان.

 الأصول التربوية الأولى

إن المنهجية القرآنية تضم في آفاقها مناهج مترافقة متكاملة متنامية :

أ- المنهجية القرآنية تغوص في أعماق النفس الإنسانية لتزيل الجهالات التي تعوق الإنسان عن معرفتها فطرة سليمة يمكن أن تعلق بها أوضار الخرافة والوراثة والتقليد والبيئة أحيانا، فتكون حينئذ بأمس الحاجة إلى القوة المعينة والإشراقة الهادية لتتخلص من تلك الأوضار فتسلم بصيرتها وذكاؤها وتمتلئ بأحاسيس وإلهامات التوحيد القرآني عقيدة تسع الوجود الإنساني كله.

ب- منهج المعرفة يسمو به القرآن أن يكون مجرد علم أو اطلاع، ولكن نواميس الكون طوع الإنسان بالتسخير الطبيعي وبسيادته على أسرار الخلق والإبداع، ويستوي في ذلك التأمل الفكري المحض وإخضاع الكائنات إلى تجربة الإنسان والإفادة منها إلى أقصى حدودها. إن القرآن الكريم يغلب مفهوم العلمية على المنهج الواقعي في عالم الحس ويثمر منهجه حضارة علمية عبقرية خاضعة إلى منشئ القوانين الطبيعية وخالق النواميس الكونية. وفي تحرير العقل وثورته على المعبودات والتقاليد ودفعه إلى التأمل والتفكير، وربط العقل بالحس والتجربة، وآيات الكون ومصائر الأمم، وحقه في الاجتهاد ما يعطي النفس الإنسانية أبعادًا تربوية بناءة.

جـ- المناخ التربوي الذي أشاعه القرآن الكريم يقوم على العبادة وثمراتها في الخلق والسلوك، فمفهوم الحق والإيمان والثبات تؤصل التربية وتعمق جذورها في الفرد والأسرة والمجتمع والإنسانية، وتوسع قيم العبادة لتجعل منها علاجًا لانحرافات طارئة، وإنارة للحياة، ويقظة فكرية وعاطفية مستمرة، وتطورًا متعاظمًا نحو الأفضل، وتربية على القوة والعزة، وتحررًا من عبودية الأشياء والشهوات وتربية فردية وجماعية، مادية وروحية وعقلية متوازنة.

د- لقد زخرت حياة الرسول الكريم ـ-صلى الله عليه وسلم- بالمثل القرآنية الحية تتجسد في حياته الشريفة وفي توجيهاته التربوية المتعددة الألوان والمعالم. ووصاياه القولية وسننه العملية في فداء أسرى بدر بتعليم الأسير عشرة من أبناء الصحابة القراءة والكتابة، وأمره زيد بن ثابت تعلم السريانية وغيرها من اللغات، وإيفاده البعثات التعليمية والوفود التربوية مثل : قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، وبن نويرة، وسعيد بن العاص، ومعاذ بن جبل… رضي الله عنهم.

     ولذلك قال الإمام الشافعي: ” وبعث في دهر واحد اثني عشر رسولاً إلى اثني عشر ملكًا يدعوهم إلى الإسلام … وقد تحرى فيهم ما تحرى في أمرائه من أن يكونوا معروفين …” أضف إلى ذلك تنوع الأسلوب النبوي التربوي في القول الذي يشمل الحكمة القصيرة، والحوار الحيوي، والتمثيل المادي، والقصص الهادف، والوسائل الحسية من رسوم، وخطوط لإيضاح الأمور المعنوية كخط الرسول في الرمل يمثل الأمل والأجل، والأعراض وسبيل الله، وقريب منه استعمال يديه بالتشبيك، وأنامله بالتقارب والتدوير في مواقف عديدة.

       ومهما تنوعت وسائل النبوة في مخاطبة الناس على قدر عقولهم، وأخذهم باللين والتدرج، وعدم الغضب إلا في موضعه المناسب، وصبره على إيذاء الآخرين بالقول والعمل، وإقناع الآخرين بالمنطق والواقع، واهتماماته الخاصة بالصبية والفتيان والشباب، والإفادة من المناسبات والوقائع والحوادث، وسبقه إلى العمل وحماسته له، وتميز شخصيته عن الآخرين بالفضائل الإنسانية والخبرات الشخصية، كل ذلك وغيره يشد المسلمين إليه ويحببهم بأحواله، ويصنع منهم خير أمة أخرجت للناس.

طابع التربية الإسلامية

يمكن تلخيص الطابع العام للتربية الإسلامية بأن عنايتها تجلت في نزعتها المثالية لتقديم العلم والحث على طلبه، وفي الاهتمام بالفضائل الخلقية، ثم مرونتها في طرق التحصيل، واصطباغها بروح الديمقراطية التي قضت على الفروق بين الشعوب والأجناس والطبقات في مجال التعليم والدين، وإعطاء الأفراد فرصًا متساوية في التحصيل لما تكتمل في كثير من الأمم الحديثة.

أغراض التربية

اشتملت التربية الإسلامية على عديد من الأغراض تلخصها عبارة (النحوي) في “جامع بيان العلم” حين يقول:”اطلب العلم، فإنه عون في الدين، ومذك للقريحة، وصاحب لدى المحنة، ومقيد للمجالس، وجالب للمال” فأول هذه الأغراض هو (الغرض الديني)، فمنذ أن نزل القرآن الكريم، وهو مرجع المسلمين في أمور العبادة والتشريع والحياة الاجتماعية، وإليه يعود الفضل في انتشار القراءة والكتابة، وتأسيس المدارس، ونشأة العلوم المختلفة لخدمته وتفسيره وفهمه.

       وقد هدفت التربية بجانب الدين والأخلاق إلى معان اجتماعية عبرت عنها مأثوراتهم، قال مصعب بن الزبير لابنه: “تعلم العلم فإن يكن لك مال كان لك جمالاً، وإن لم يكن لك مال كان لك مالا”ويقول عبد الملك بن مروان لبنيه: “يا بني تعلموا العلم فإن كنتم سادة فقتم، وإن كنتم وسطًا سدتم، وإن كنتم سوقة عشتم”. ونجد أنه حينما بدأ العلماء يكثرون ويتميزون في علومهم تبعًا لنمو الحركة العلمية، وازدهارها ظهرت طبقة جديدة في المجتمع هي طبقة العلماء التي نالت مكانة رفيعة عند الخلفاء والأمراء، مما دعا الناس إلى الإقبال على التعلم لينالوا هذه الحظوة الممتازة في المجتمع، وقد شجع ذلك على التنافس والابتكار، وعلى انتشار الثقافة وازدهارها

يقول الإمام الغزالي في الإحياء:”إذا نظرت إلى العلم رأيته لذيذًا في نفسه فيكون مطلوبًا لذاته، ووجدته وسيلة إلى الدار الآخرة وسعادتها، وذريعة إلى القرب من الله تعالى، ولا يتوصل إليه إلا به، وأعظم الأشياء رتبة في حق الآدمي  السعادة الأبدية، وأفضل الأشياء ما هو وسيلة إليها، ولن يتوصل إليها إلا بالعلم والعمل، فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم، فهو إذن أفضل الأعمال”، ولقد وهب كثير من العلماء حياتهم للعلم تحصيلاً وتدوينًا لا لشيء سوى الإيمان بتحصيل العلم واستشعار اللذة في تدوينه، كما عبر عن ذلك بقولهم “كفي بلذة العلم والفقه والفهم داعيًا وباعثًا للعامل على تحصيله”، وقول بعضهم “من تعلم علمًا للاحتراف لم يأت عالماً، وإنما جاء شبيهًا بالعلماء”، ومن أجل ذلك كان احتمالهم للمشقات وارتحالهم في طلب العلم ليطفئوا ظمأهم إلى المعرفة

وهناك غرض آخر يتمثل في المنفعة، فلم يكن مبدأ أخذ أجر موضع نقاش بين علماء المسلمين، فكان من زيادة التدين أن ظهر التحرج من الأجر في العلوم الدينية المباشرة كتحفيظ القرآن، وإن كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل أن يفدي بعض الأسرى نظير قيامهم بتعليم بعض أطفال المسلمين القراءة والكتابة، مما يوضح أن المبدأ صحيح في ذاته(5).

      هذا وقد كانت وظائف القضاء والتعليم غايات سعى إليها كثير من الناس وأعدوا أنفسهم لها، وكان ابن سينا من أنصار الغرض الكسبي في التربية :” إذا فرغ الصبي من تعليم القرآن وحفظ أصول اللغة، أنظر عند ذلك إلى ما يُراد أن تكون صناعته، فوجهه لطريقه، بعد أن يعلم مدبر الصبي أن ليس كل صناعة يروحها الصبي ممكنة له مواتية، لكن ما شاكل طبعه وناسبه”.

ظهور المؤلفات التربوية

 ويظهر أن أقدم مؤلف تربوي للإمام أبي حنيفة النعمأن (80-150هـ) في كتابه “العالم والمتعلم”، وقد اتخذ هذا الكتاب أسلوب الحوار والمناقشة بين المعلم وبين الطالب في قضايا الدين عقيدة وفقهًا.

     وكان لشخصية الجاحظ أبي عثمأن(163هـ/255م) تلك الشخصية الموسوعية جانب تربوي يتندر فيه على فئة من المعلمين الذين ليسوا أهلا للقيام بأعباء تلك المسؤولية، والمعوقات الأدبية والاجتماعية والفنية التي تقف حائلا بين المعلم ونجاحاته التربوية، وقد جمع ذلك في كتابه “المعلمين”. وبعد الجاحظ بقليل يبرز فقيه محدث هو “أبو بكر بن عمر البلخي”(280هـ) وينحو في مؤلفه “العالم والمتعلم” منحى الموضوعات في العقيدة والفقه والأدب، من غير أن يعرض إلى آداب ومواضعات العالم والمتعلم.

   أما الخطيب البغدادي (392ـ 462هـ) الحافظ والمؤرخ صاحب الفكر المنظم والأنتاج المتنوع، له في المجال التربوي كتابان “الفقيه والمتفقه” في اثني عشر مجلدًا جمعها وعلق عليها الشيخ”إسماعيل الأنصاري”، وكتاب”تقييد العلم” حققه الدكتور يوسف العشر ونشره في عام 1395هـ.

    وكان “لابن عبد البر” (368-463هـ) وهو الفقيه الباحث والأديب الأريب مؤلفًا هامًا احتفل به العلماء من بعد وهو”جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله”. أما حجة الإسلام الإمام الغزالي (450-505هـ) الفيلسوف والمتكلم والصوفي، فمن أهم مؤلفاته التربوية كتابه”أيها الولد” وكثير من الرسائل التربوية الأخرى، فضلاً عن جوانب تعليمية وتربوية في مؤلفاته الصوفية والكلامية الكثيرة، مثل ميزان العمل، ومعيار العلم، وبقية رسائله الصوفية الكبيرة والصغيرة.

     ثم تعاقب أعلام في التربية كان لهم دورهم في تركيز المفاهيم التربوية وتفصيلها، فقد أخذ “السمعاني” (506-562ه) وهو المؤرخ والحافظ وصاحب كتاب “الأنساب ” المشهور، كان له جانبًا تربويًّا في بيان أهمية الكتابة، وتصنيف العلوم وآداب المملي والمستملي، وكتابه “أدب الاملاء والاستملاء”. كما اهتم الإمام والمحدث ” النووي” بآداب العلم والعالم والمتعلم، وعلى الرغم من غلبة الفقه والحديث وعلم الرجال على تآليفه، فقد شغل أكثر من أربعين صفحة مقدمة للكتابة، اعتمد عليها كثير من العلماء الذين اشتغلوا بالعلم والتربية فيما بعد. 

       وكان “عبد الله بن محمد البلخي”(611- 698هـ) في كتابه” العالم والمتعلم” على نسق الرسائل والكتب التربوية السابقة. ثم توالى العلماء المسلمين المهتمين بالجوانب التربوية إضافة إلى النواحي العلمية والأكاديمية في كتبهم ومؤلفاتهم، وعلى رأس هؤلاء “ابن حجر” الفقيه والباحث شيخ الإسلام في مصر، خاصة في رسالته “تحرير المقال في تربية الأطفال”، و”بدر الدين الغزي”(904-984هـ) الدمشقي، خاصة في مؤلفه “الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد”، وهو من أوعب المؤلفات التربوية في التراث، وقد اختصره “عبد الباسط بن موسى بن محمد العلموي”(981هـ) في مؤلف سماه”المعيد في أدب المفيد والمستفيد”.

       وفي القرن العاشر الهجري قدم”طاش كبرى زاده” المؤرخ والعالم كتاب “رسالة جامعة في وصف العلوم النافعة”، و”مفتاح السعادة “، و”نوادر الأخبار في مناقب الأخيار” وغيرها.. أما ابن خلدون فإن الظواهر التربوية احتلت مكانًا مهمًا في كتابه الشهير”المقدمة” فهو لم يهمل الكلام عن ضروراتها وأسسها ومشكلاتها، بل أكد على أن “العلم والتعليم من ضرورات العمران البشري ووجودها فيه أمر طبيعي” وأن تعلم العلم صناعة تختلف طرق المعلمين فيها باختلاف زمنهم وبلادهم”.

     والظاهر أن تأكيده على أن تربية الأطفال والكبار في الأمصار الإسلامية خلال عصره تختلف باختلاف كل مصر منها، يجعل من هذه الظواهر التربوية، أعرافًا تتخذ بشكل أنظمة قائمة ومحددة بذاتها، ولعل هذا التأكيد جاء نتيجة لمشاهداته في البلدان التي عرفها وعاش فيها، كما استعان في كل ما كتب عن النواحي التربوية بضرب أمثلة حية ملموسة عن واقعها مما لا يجعل لأرائه أن تتخذ أسلوب نظرية مبنية على الخيال، بل نتيجة سعيه وتجاربه، وهي على وجه العموم سليمة ومعقولة وخصوصًا فيما يتعلق بالربط الذي أحكمه بين التربية والحضارة، فهذا يدل على شدة ملاحظاته وعمق تفكيره.

رؤى علماء التربية المسلمون

من المؤكد أنه على المدى الطويل الذي امتد حوالي عشرة قرون أي ما بين سنتي (100- 1000هـ)، وعلى اتساع رقعة العالم الإسلامي، ومن توافر الطاقات الاتباعية والابتداعية، وعلى ضخامة الانتاج العلمي، أن تبرز شخصيات تربوية قد لا تقل أهمية عمن ذكرنا، ينهج بعضهم أسلوبًا تربويًا في تآليفه كالإمام الشافعي في “الرسالة”، وبعضهم تعمق في بحوثه النفسية والإرادية كالغزالي والمحاسبي وكثير من الصوفية، وبعضهم حلل المدركات البشرية وماهية العقل والنفس كالكندي الفيلسوف في المشرق، وابن طفيل وابن باجة في المغرب، خاصة في قصتيهما (حي بن يقظان) و(تدبير المتوحد) حتى أن المدرسة العقلية في تفسير القرآن عنيت بالجانب الإدراكي لدى الأنسأن بأعظم من غيره، وفي طليعة أعلامه “الفخر الرازي”، و”النسفي” و”لبيضاوي”…وهؤلاء الذين أدركوا أغوار النفس وأبعاد الذات، كانت لهم تأملات تربوية وأهداف تعليمية، وأحيانًا قواعد بنائية في النفس والإرادة أغنت نظراتهم الشمولية في الكون والنفس والحياة.

       لقد أظهر أئمة التربية المسلمون فهمًا كبيرًا للأسس السيكولوجية للتربية الخلقية، وكان لهم في ذلك طريقان: أولهما الاهتمام بالوسائل الدافعة المتمثلة في القدوة الحسنة، والبيئة الصالحة والتشجيع، والترغيب، والملاينة والأمر. الثاني: هو الاهتمام بالوسائل المانعة كالاتعاظ بالغير، والعقاب عند الضرورة.

    يقول الرشيد لمؤدب ولده الأمين :” لا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته، فيستحلي الفراغ ويألفه، وقوّمه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما، فعليك بالشدة والغلظة”(14)

ويتحدث “إخوأن الصفا ” عن تأثير القدوة في التربية، وعن تكون العادات الطيبة حين يقولون: “واعلم أن العادات الجارية بالمداومة عليها تقوي الأخلاق المشّكلة لها، كما أن النظر في العلوم  والمداومة على البحث عنها والدرس لها، والمذاكرة فيها، يقوي الحذق بها والرسوخ فيها، وهكذا حكم الأخلاق والسجايا”

       كما نجد الإمام الغزالي قد دعا إلى تعديل العادات الضارة، واقتلاع جذورها من النفس، مسايرة منه لفلسفته في مجاهدة النفس، فيذكر في رسالته (أيها الولد) الحاجة إلى المربي الذي يستطيع أن يخرج بتربيته أخلاق السوء من نفس تلميذه، ويجعل مكانها خلقا حسنا، ومعنى التربية يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع، ثم يتحدث عن تأثير القدوة وأنه ليس كل مرب صالحًا للتأثير في تلاميذه، فإن المربي الفاضل هو من يستطيع أن يجعل من خلقه وسلوكه نموذجًا للاهتداء به.

وفي مراعاة المستويات العقلية للطلاب يقول النووي: ” … وينبغي أن يكون باذلاً وسعه في تفهيمهم، وتقريب الفائدة إلى أذهانهم، حريصًا على هدايتهم، ويفهم كل واحد بحسب فهمه وحفظه، فلا يعطيه ما لا يحتمله، ولا يقتصر به عما يحتمله بلا مشقة، ويخاطب كل واحد على قدر درجته، وبحسب فهمه وهمته، فيكتفي بالإشارة لمن يفهمها فهمًا محققًا، ويوضح العبارة لغيره، ويكررها لمن لا يحفظها إلا بتكرار، ويذكر الأحكام موضحة بالأمثلة من غير دليل لمن لا يتحفظ له الدليل، فإن جهل دليل بعضها ذكره له ويذكر الدلائل لمحتملها”.

    وفي زمن الدرس المتوسط والمناسب للمادة العلمية يقول السمعاني:” وينبغي للمملي ألا يطيل المجلس الذي يرويه ويجعله متوسطًا، حذرًا من سآمة السامع وملله، وأن يؤدي ذلك إلى فتوره عن الطلب وكسله، فقال أبو العباس محمد بن يزيد المبّرد فيما بلغني “من أطال الحديث وأكثر القول فقد عرّض أصحابه للملال وسوء الاستماع، ولأن يدع من حديثه فضلة يعاد إليها، أصلح من أن يفضل عنه ما يلزم الطالب استماعه من غير رغبة فيه ولا نشاط له”.

    أما العقاب وأضراره فقد شغل حيزًا كبيرًا من اهتمام التربويين المسلمين، فلم يسمحوا به إلا عند الضرورة، لأنهم رأوا في الضرب المبالغ فيه نوعًا من الانتقام والتشفي، وقد نهى الفقهاء عن الضرب والتشفي؛ ويقول ابن حجر الهيثمي (974هـ) في رده على أحد مؤدبي الأطفال أنه لا يجوز للمعلم ضرب الصغير إلا إن أذن له أبوه، ثم يشترط في جوازه بالنسبة للمعلم أن يظنه زاجرًا للتلميذ -إذا اقتضت الضرورة- وألا يكون مبرحًا، وقد عقد ابن خلدون في مقدمته فصلاً عن أضرار الشدة على المتعلمين، لأنه رأى :” أن إرهاف الحد بالتعليم مضر بالمتعلم سيما في أصاغر الولد، لأنه من سوء الملكة، ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطًا به القهر، وضيق عن النفس في أنبساطها وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وعمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفًا من أنبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقا”.

وكان من أبرز الصفات التي اتصف بها أولئك المربون التواضع، الذي كان من أبرز دلالاته أن وجهوا المعلم إلى أنه إذا غاب بعض الطلبة غيابًا زائدًا عن العادة، فأنه يجب عليه أن يسأل عنه، وعن أحواله وعمن يتعلق به، فإن لم يخبره عنه بشيء أرسل إليه، أو قصد منزله بنفسه وهو أفضل “فإذا كان مريضًا عاده، وأن كان في غم خفض عليه، وأن كان مسافرًا تفقد أهله ومن يتعلق به، وسأل عنهم، وتعرض لحوائجهم ووصلهم بما أمكن، وأن كان فيما يحتاج إليه فيه أعأنه، وأن لم يكن شيء من ذلك تودد إليه ودعا له”،  كما أنهم دعوا المعلم أن يرحب بالطلبة إذا لقيهم، وعند اقبالهم عليه، ويكرمهم إذا جلسوا إليه، ويؤنسهم بسؤاله عن أحوالهم وأحوال من يتعلق بهم … وليعاملهم بطلاقة الوجه، وظهور البشر، وحسن المودة، وأعلام المحبة، واضمار الشفقة”

الاتجاهات والمدارس الفكرية

لعل من دلائل الحيوية والخصب تعدد الاتجاهات والمدارس الفكرية داخل تراثنا التربوي، مما يدل على القوة والعافية التي أتاحت لكل تلك الاتجاهات والمدارس إسهامات في مجال التربية خلال عصور الازدهار الإسلامي، ويمكن من خلال ما هو متاح حاليًا -وهو قليل- أن نرصد عدة اتجاهات ومدارس فكرية داخل هذا التراث المتاح، ولا شك أن معرفتنا سوف تزداد اتساعًا وعمقًا كلما درسنا هذا التراث أكثر، واكتشفنا الجديد فيه، وعرفنا ما نجهله.

1-الاتجاه الفقهي: ممثلاً في “ابن سحنون” وكان له امتداده عند الكثير من المؤلفين الفقهاء فيما بعد مثل”القابسي”(403هـ) و”ابن عبد البر القرطبي”(463هـ) و”الزرنوجي” (571هـ) وغيرهم.. ولعل هذا الاتجاه الفقهي هو أكثر الاتجاهات حظًا من حيث كثرة الدراسات والتأليف فيه.

2-الاتجاه الفلسفي في التربية: ممثلاً في “مسكويه” والذي كان له اتجاهاته التربوية ممثلة في كتابات ابن سينا (428هـ) وإخوان الصفا، ونصير الدين الطوسي (672هـ) وغيرهم.. وهناك دراسات عديدة قد تناولت هذه الاتجاه بالدراسة والتحليل.

3-الاتجاه الصوفي في التربية: ممثلاً في أبي حامد الغزالي، والذي كان له اتجاهاته التربوية ممثلة في كتابات محيي الدين بن عربي (638هـ)، وجلال الدين الرومي (672هـ) وغيرهم من الصوفية، وقد حظي هذا الاتجاه بالكثير من الدراسات (14).

   كانت هذه الاتجاهات التربوية الثلاثة هي التي شاعت لدى الباحثين في السبعينات من القرن الماضي،وبعد أن زادت معرفتنا، وزادت الدراسات حولها، فإننا نجد اتجاهات جديدة يمكن أن تضاف إلى الاتجاهات التربوية السابقة مثل(15):

1-اتجاه اجتماعي في التربية: ممثلا في ابن خلدون (808هـ) والذي كان له أصداؤه في كتابات “ابن الأزرق” وغيره من المفكرين المسلمين(16).

2-اتجاه معتزلي في التربية: وهذا الاتجاه نجده واضحًا في تلك الدراسات التي وجهت إلى مدارس الاعتزال في الفكر الإسلامي(17).

      ومن الملاحظ أن الحاجة الاجتماعية كانت وراء كثرة الدراسات حول اتجاه معين من تلك الاتجاهات، وتأخر ظهور بعضها لحين وجود الطلب الاجتماعي عليها، فالاتجاه الفقهي في التربية أكثر عمومًا وشيوعًا، لأنه أكثر شعبية واتصالاً بالجماهير، وعندما يكثر الحديث عن التنوير وإعمال العقل تظهر الدراسات حول الاتجاه الفلسفي، وعندما يزداد الشعور بالفساد والإفساد وتقل القدرة على الفعل تظهر الدراسات حول الاتجاه الصوفي، وعندما يزداد الإيمان بالعلم الحديث كأداة مهمة في التغيير تظهر الكتابات حول الاتجاه العلمي، وعندما يصبح الاقتصاد محور التقدم والتخلف يظهر الاتجاه الحرفي والمهني في دراسة التراث.  

المصادر والهوامش :

1ـ نذير محمد : في التراث العربي التربوي، الفيصل العدد70  ص11ـ12، الرياض 1983م 0

2ـ أنظر محمد شديد : منهج القرآن في التربية، بيروت  عام 1981م

3ـ أنظر الإمام الشافعي : الرسالة، تحقيق محمد محمود شاكر، وزاد المعاد لابن قيم الجوزية 1/32

4ـ محمد فوزي العنتيل : التربية عند العرب ص10، الدار المصرية للتأليف والترجمة، عام 1966

5ـ السابق 0

6ـ حققه د. محمد رواس قلعه جي وعبد الوهاب الهندي، عام1972م

7ـ وهو مخطوط، أنظر شفيق جيري : الجاحظ معلم العقل والأدب، بيروت عام 1978م

8ـ حققه ماكس ويزويلر، وطبعه في ليدن عام 1953م

9ـ ابن خلدون : المقدمة، طبعة البيأن ص 430 وما بعدها 0 وأنظر فتيحة سليمأن، بحوث أعمال مهرجأن

ابن خلدون، بحث”الاتجاهات التربوية في مقدمة ابن خلدون ” ص 469

10ـ السابق ص 469

11ـ محمد فوزي العنتيل : التربية عند العرب ص 55، 56

12ـ نذير حمدأن : في التراث العربي التربوي، الفيصل السابق 0

13ـ محمد فوزي العنتيل : التربية عند العرب ص 17ـ 23

14ـ د.عبد الرحمن النقيب : منهجية التعامل مع التراث التربوي الإسلامي، المسلم المعاصر، القاهرة، العدد 99 يناير 2001

15ـ مثال ذلك الفكر التربوي الإسلامي عند أئمة المذاهب الأربعة وتطبيقاته، لنجم الدين نصر، رسالة دكتوراه كلية التربية، جامعة الزقازيق عام1990م أو الفكر التربوي عند الإمام الشافعي، لفاطمة محمد السيد على، قسم التربية بشبين الكوم، جامعة المنوفية عام 1981م

16ـ يمكن الرجوع لدراسة محمد أحمد الصادق الكيلأني، ماجستير كلية التربية، جامعة المنصورة عام 1974م، ورسالة “التنشئة الاجتماعية في ضوء الفكر التربوي الإسلامي” للباحث أحمد جمعة حسأنين دكتوراه بجامعة أسيوط عام 1987م

17ـ مثل دراسة علاء الدين أمير محمد “المعتزلة فلسفتهم وآراؤهم في التربية والتعليم” ماجستير كلية التربية، جامعة عين شمس عام 1981م، والنظرية والتطبيق في فكر المعتزلة التربوي، لنجم الدين نصر أحمد، ماجستير كلية التربية، جامعة الزقازيق عام1985م

18ـ د. عبد الرحمن النقيب : منهجية التعامل مع التراث التربوي الإسلامي، المسلم المعاصر، العدد99 السابق0

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.