تعدّ مرحلة الطفولة مرحلة أساسية يجب على الآباء الاهتمام بها، لأنها القنطرة التي من خلالها ينتقل الطفل من الاعتماد على الآخرين إلى الاعتماد على نفسه، ولأن انعكاساتها قد تكون خطيرة عليه وعلى تطوره. ففي هذه المرحلة قد يظهر عند الأطفال بعض السلوكيات غير المرغوب فيها، والتي قد تعرّضهم لسوء التوافق مع باقي مكونات المجتمع، بل هذه الاضطرابات يكون لها تأثير على هؤلاء الأطفال أنفسهم في المستقبل؛ فكثير من العلماء والعاملين في الحقل النفسي، يرون أن مشكلات الكبار المختلفة ترجع في أسبابها إلى مرحلة الطفولة، أي إلى ماضيهم وطفولتهم وتجاربهم السابقة، وخبراتهم التي مروا بها وأحاطت بهم عندما كانوا أطفالاً، كما أجمعوا على أن هذه الاضطرابات السلوكية تتخذ أشكالاً متعددة، منها السلوك العدواني، والسرقة، والكذب، والنشاط الحركي الزائد، والخجل، والعناد، والهروب، والتغيّب عن المدرسة، وصعوبات النوم، وتشتت الانتباه.

والاضطرابات السلوكية هي اضطرابات وظيفية متكررة الحدوث غير مرغوب فيها، تثير استهجان البيئة الاجتماعية، ولا تتفق مع مرحلة النمو التي وصل إليها الطفل، بل أكثر من ذلك هي نمط من الأفكار والانفعالات التي تتصف بالابتعاد عن السلوك المقبول لعدم وجود مبرر لها، يصاحبها سوء تكيف، وتسبب ضيقًا وتوترًا للفرد، لها القدرة على تغيير اتجاهات الأفراد نحو أوجه الحياة المختلفة. كما تعرف على “أنها جميع الأفعال أو التصرفات التي تصدر عن الطفل بصفة متكررة أثناء تفاعله مع البيئة والمدرسة وغيرهما، والتي لا تتماشى مع معايير السلوك المتعارف عليها والمعمول بها في البيئة، والتي تشكل خروجًا ظاهرًا عن السلوك الصادر من الفرد العادي”.

هذا وقد أكدت الدراسات والأبحاث في هذا المجال، على أن الطفل لا يمكن اعتباره مضطربًا سلوكيًّا إلا إذا أظهر واحد أو أكثر من الخصائص التالية بدرجة واضحة وعلى فترة زمنية طويلة نسبيًّا، وهذه الخصائص هي:

1- عدم ملائمة سلوك الفرد المضطرب للأفراد والأقران تحت ظروف اعتيادية.

2- عدم القدرة على بناء علاقات شخصية متبادلة على مستوى مُرضي، أو عدم القدرة على الاحتفاظ بمثل هذه العلاقات مع الأقران.

3- عدم القدرة على التعلم التي لا يمكن تفسيرها على أساس عوامل عقلية أو حسية أو صحية.

4- وجود حالة مزاجية عامة من عدم الشعور بالسعادة أو الشعور بالاكتئاب.

5- ميل إلى تطوير أعراض جسمية أو آلام أو مخاوف ترتبط بمشكلات شخصية أو مدرسية.

ويؤكد علماء النفس والاجتماع كذلك على أن من أهم العوامل التي تؤثر على التكوين النفسي والعصبي للأبناء الصغار الجو المنزلي، لأنه يؤثر تأثيرًا بالغًا على سلامة الحياة الاجتماعية للأبناء؛ “فإذا كان الجو المنزلي مليئًا بالمحبة والعطف والهدوء والثبات، يكون الطفل في الغالب مطمئنًا على نفسه”. فالأسرة مسؤولة عن التنشئة السليمة للفرد، إذ أن الصحة النفسية هي نتيجة المعاملة المتوازنة المشبعة بالحب والاحترام والحنان في الأسرة. أما إذا تعرض الطفل لأساليب خاطئة أو مغالية في التربية، فيشعر بالوحدة والعجز، مما يخلق لدية اضطرابات سلوكية ونفسية.

إن أولياء الأمور الذين يعاملون أطفالهم بحب واحترام، ويبدون اهتمامًا بسلوكهم وحاجاتهم، ويقدمون الدعم والمساندة للسلوك المقبول، غالبًا ما يساعدوا الطفل على أن يكون سويًّا ويتصف بالايجابية والفاعلية، وفي الجانب المقابل تبرز مشاكل السلوك العدواني عند الأطفال الذين يعيشون حالة العقاب الدائم وغياب الحب، وتبرز حالات الاضطراب السلوكي كذلك في البيت الذي يسوده عدم التفاهم وخصام الوالدين المستمر.

إن أسباب الاضطراب السلوكي لدى الأطفال قد تكون متعددة ومتشعبة الجوانب، “مثل تعرض الطفل لعدم الاستقرار السكني؛ فتعرض الطفل إلى تغير زملائه من بلد لآخر وبشكل متتابع مع ما يرافقه من تغير في الممارسات والتعرض لقيم وعادات جديدة، والاصطدام الدائم بمفاهيم ثقافية جديدة وغريبة على فهم وعقل الطفل، يجعله أكثر عرضة للإصابة بهذا الاضطراب. وقد يحصل كذلك هذا الاضطراب في السلوك عندما يولد طفل آخر في الأسرة؛ حيث يشعر الطفل الأول بأن المولود الجديد أتى ليحل محله ويسلبه العطف والحنان والاهتمام من والديه والذي كان يحصل عليه قبل ولادته، كما قد يحصل هذا الاضطراب نتيجة زواج الأم بشخص آخر، مما يولّد لدى الطفل الشعور بالحرمان من أمه التي كانت معه دومًا وله وحده، ومن أنها تتعامل مع شخص غير والده، فينتج بذلك اضطراب في تصرفاته مع أمه وزوجها الجديد يدفعه في غالب الأحيان إلى الاكتئاب والإحباط، بل قد يجعل الطفل يهرب من المنزل ويلتحق بأقران السوء، ويميل بعد ذلك إلى الانحراف كنتيجة لشعوره بالضياع ومحاولة الانتقام من نفسه وممن كان وراء مأساته وتمزقه”.

وإذا كانت الأسباب التي ذكرت آنفًا واضحة في جعل الطفل يضطرب سلوكيًّا، فإن هناك الكثير من الأسباب غير الواضحة، إلا أنه لا بد من التأكيد على أن الجو المحيط الذي ينمو فيه الطفل ويتطور، وكذلك وضعه العائلي، له دور أساسي في اضطراب أو تقويم سلوكه. أما عن مميزات الأطفال المضطربين سلوكيًّا، فمن خلال تتبع الدراسات والأبحاث يمكن إجمالها فيما يلي:

أ- العدوانية: يعتبر العدوان أيًّا كان شكله أو نوعه، من أهم الخصائص الاجتماعية المميزة للأطفال المضطربين سلوكيًّا.

بـ- العجز في مهارات الحياة اليومية: يفشل هؤلاء في القيام بأبسط مهارات العناية بالذات، فمنهم من يكون غير قادر على ارتداء ملابسه أو إطعام نفسه.

جـ- تدني احترام الذات: فهم ينظرون إلى ذواتهم نظرة سلبية وأنها لا قيمة لها.

د- غير متعاطف وجدانيا: نجدهم غير مرتبطين بالآخرين، فلا توجد هناك عاطفة أو دفء متبادل.

هـ- اضطراب اللغة والكلام: معظم الأطفال المضطربين سلوكيًّا بدرجة شديدة، لا يتكلمون أبدًا أو يظهرون عدم فهم اللغة، أو تشويه الكلام إما بالإضافة أو الحذف أو الإبدال، أو ترديده مرات متكررة.

و- السلوك النمطي: من الشائع لدى الأطفال المضطربين سلوكيًّا، السلوك النمطي أو المتكرر بدرجة شديدة، مثل ضرب يدي الطفل على رأسه، أو ضرب اليدين في بعضهما، أو ضرب يديه بأي شيء أمامه.

ز- إيذاء الذات: نجد أن الأطفال المضطربين سلوكيًّا، غالبًا ما يميلون إلى إيذاء أنفسهم، حيث إنهم لا يشعرون بهذا الألم غالبًا.

إن النمو النفسي والعاطفي والبدني للطفل، عملية متواصلة ومتصاعدة، وهو في نموه يتفاعل ويتأثر بعوامل المحيط المادي، والبيئة العائلية والاجتماعية. “فالطفل هو ذلك الإنسان في صفحات حياته الأولى، يُصاب بما يصاب به غيره، ويعاني من الاضطرابات النفسية والانحرافات العاطفية والسلوكية، كما يعاني الكبار. ولكن صورة المعاناة وأشكالها، وعمق الانفعال وآفاقه، تختلف عما ندركه في الكبر، لأن الطفل عاجز عن التعبير عما يدور بنفسه وعقله، مما يجعل مسألة فهم معاناته الداخلية مهمة صعبة تتطلب خلفية ثقافية وعلمية واسعة وخبرة ورغبة وصبر.. فقد يتعذر على الطفل الصغير في بعض الأحيان وصف حالاته وانفعالاته، لعدم قدرته على الفهم والإفهام والكلام، وهو ما يجعله يعبر عنها بشكل غامض وغير مألوف أو متوقع، مثل الهروب من المدرسة أو البيت، أو محاولة إيذاء النفس أو الآخرين”.

إن الاضطرابات السلوكية لدى الأطفال شائعة الحدوث، “ولا تعد في بداياتها خطيرة أو حادة أو بحاجة إلى تدخل علاجي أو تربوي، إلا إذا تكررت واشتدت وطالت مدة حدوثها، ومورست بأشكال جسمية محددة، سواء أكان ذلك في البيت أم في المدرسة، فإنها تستوجب تعاملاً خاصًّا من قبل الآباء والمعلمين والأطباء المهتمين بهذه الفئة”.

وبما أن الاضطرابات السلوكية يمكن أن تطغى بآثارها السلبية على “علاقة الطفل مع ذاته ومع البيئة من حوله، فلا بد من العمل بشكل جاد على الوقاية منها، وبقدر ما تكون أساليب الوقاية يسيرة حيث تتركز في تفادي التعرض لأسباب ظهور تلك الاضطرابات، من خلال تجنب العلاقات السلبية بين الطفل ووالديه من جهة، وبينه وبين أقرانه وبيئته من جهة أخرى. فالتمتع بحياة أسرية ملؤها التعاون والحب والتفاهم والاتزان والاحترام المتبادل، إضافة إلى منح الطفل الثقة بنفسه، وإحاطته بجو من الأمن النفسي والطمأنينة في كافة مجالات الحياة، والاهتمام بتنشئته على الوجه الأمثل، والمحافظة على صحته العامة، كلها عوامل تؤدي دورًا هامًّا وأساسيًّا في خفض فرصة تعرض الطفل للإصابة بأي من تلك الاضطرابات السلوكية”.

في الختام، نخلص إلى أن الاضطرابات السلوكية لدى الأطفال تشكل عبئًا ثقيلاً على الوالدين من جهة، وعبئًا ثقيلا كذلك على الطفل نفسه.. فهي تهدد أمنه واستقراره وعلاقته بالآخرين من حوله، لذلك نؤكد على ضرورة معالجتها في بداياتها حتى لا تتحول من اضطراب سلوكي إلى مرض قد يهدد سلامة الفرد والجماعة على حد سواء. وبالتالي فإن من الواجب على المحيطين بالطفل المضطرب سلوكيًّا، السعي بشكل إيجابي للتخلص منها قبل أن تلقي بظلالها على حياته، وتحوله لشخص منبوذ اجتماعيًّا، أو قاصر فكريًّا وأدائيًّا، ومحروم عاطفيًّا ونفسيًّا.

 

(*) باحثة في علم النفس / المغرب.

المراجع

(1) انتهاك حرمة الطفل وعلاقتها بظهور بعض الاضطرابات السلوكية، الجبوري مي يوسف عبود، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة المستنصرية، 1996.

(2) العدوانية عند الأطفال: مفهوم-علاج، عبد الستار الضمد، دار البداية، عمان، الطبعة الأولى، 2012.