حمل ثقيل لا يكاد يفارقنا، نغلبه أحيانًا ويغلبنا أخرى.. قد يضعفنا تارة، ويقوينا تارة أخرى.. ننساه أو نتناساه، لا يرى فيه بعضنا إلا نقصًا وتنغيصًا ومرارة، ويرى آخرون فيه امتحانًا واصطفاء، بل يخبرنا بعضهم عن حلاوة مخبأة تحت تلك المرارة؛ إنه الألم قرين الحياة الذي نعرف منه وننكر.. ومن ذا الذي لم يذقه ويكتوي بناره؟
صرخة يستهل بها كل قادم لهذه الحياة.. نكبر ساعة بعد ساعة ويكبر معنا الألم بصوره وأصنافه وأسبابه؛ مغص مؤلم بالبطن يبكينا، الجوع والبرد، المرض والمجهول، الوحدة والشوق، تَخوفنا من غير المألوف، بكاؤنا بسبب وبلا سبب.
نكبر ويكبر معنا الألم، ويكبر فهمنا له، وسرعان ما نكتشف -بألم- أن لكل لذة ورغبة حد، وأننا مهما بكينا وطلبنا لن نحصل على كل ما نشتهي ونريد.
الألم نعمة حقيقية تسري في شبكة من الأعصاب تصل إلى أطراف أصابع الإنسان، تحميه من أي خطر قد يتعرض له من حوله أو من داخله. فالألم هو الذي يدفعك لأن ترفع يدك من على سطح ساخن فلا تعاود فعلتها مرة أخرى، إذ إن نبضة الألم التي سرت من أصابعك إلى قشرة مخك ستترك بصمتها هناك للذكرى التي ستحفظك بعيدًا تمامًا عن النار ما دمت في وعيك. قد يكون الألم هو أول من يعلن عن التهاب زائدتك الدودية قبل انفجارها، فتتمكن من استئصال الشرر قبل اجتياحه للهشيم.
غالبية الناس أو كلهم يكرهون الألم ويهربون منه إلى حياة المتعة والفرح، ولكن ينبغي ألاّ ننكر أن للألم فوائد كثيرة؛ للشخص المتألم، وللمحيطين به، وللعلم وللعالم كله.. ذلك أن النفس تكون أكثر شفافية وحساسية في حالة الألم منها في حالات البهجة واللهو أو المتعة، كما أن الألم دليل على الحساسية والحياة، فالعضو الميت لا يحس ألمًا، أما الحي فإنه يشعر بالألم.
ما هي فوائد الألم التي لولاها ما سمح الله بالألم؟ وهل الألم كله ضرر، أم له وجه آخر مضيء يمكن الانتفاع به؟ وما هي علاقة الألم بعديد من الفضائل الاجتماعية والخاصة؟ هذا ما نود أن نتحدث عنه في هذه السطور.
يختلف كل إنسان عن غيره في الإحساس بالألم، كما أن بعض أعضاء الجسم مثل الوجه والفم واليدين، تكون أكثر إحساسًا بالألم من غيرها. فقد نجد شخصين أصيبا بشكة دبوس، أحدهما يصرخ والآخر لا يحرك ساكنًا.
هل الألم شر؟
إن النظرة العجلى والتفكير السطحي يمكن أن يسلما إلى إجابة متسرعة، وهي أن الألم -فعلاً- شر خالص، لكن النظرة المتأنية والتفكير العميق -بتقليب الأمور على جميع أوجهها والبحث عن الحقيقة من جميع وجوهها- يثبتان عكس ذلك، فالله  هو خالق كل شيء، والألم شيء من الأشياء، ومن صفاته سبحانه أنه حكيم خبير لا يخلق الشيء عبثًا من دون نفع أو جدوى، إذن ثمة منفعة من ورائه للبشر علمها مَن علمها وجهلها مَن جهلها، وما علينا إلا أن نتريث ونتأمل هذه الآلام، وندرسها بشيء من المثابرة والتعمق، لنعرف ثمارها وفوائدها أو الحكمة منها.
إن الألم لا يمكن وصفه في كلمات، ولكنه شعور بالمضض لا يدركه إلا من يكابده، ولا يشعر به إلا من يعانيه. فمهما حاولتَ أن تصف آلام قرحة المعدة لمن لم يجربها، فإنك لن تفلح في ذلك بأي حال من الأحوال، وهل تستطيع أن تصف نور الشمس لمن فقد نعمة الإبصار؟
قد يصاب الإنسان منا بالتهاب في مصرانه الأعور فيكون الألم هو النذير بالخطر، ولولا نعمة الألم لانفجر المصران في بطنه دون أن يدري ولأورده موارد التهلكة دون أن يعرف مصدر الهلاك، ولكن الألم يدلنا على موضع الداء ويجعلنا نتدخل بالمشرط في الوقت المناسب قبل حدوث ما لا يحمد عقباه.
فالألم صفارة الإنذار، يحميك من غارات المغيرين، فإذا ما لاح الخطر من بعيد فإنه يجلجل بقوة ويدق نواقيسه بعزم من حديد، ويفصح عن مكان العلة والداء بلا توقف أو إبطاء، ولولاه لاغتالتنا الآفات والأمراض. وهذا هو سر انتشار الأمراض الخبيثة التي لا تنذر صاحبها بالألم، عندئذ لا تنفع مهارة الجراح ولا فنه ويصير الإنسان إلى الهلاك لا محالة.
فحمدًا للآلام وخالق الآلام، وهنيئًا للجراح المحنك الذي يتدخل بمشرطه في الوقت المناسب وينهي تلك الآلام التي طالما أرَّقت صاحبها وحرمته لذة المأكل والمشرب.
الألم هزة توقظ النائم، وتنبه الغافل، وترشد التائه، وتدل الحيران.. فهو رحمة من الله، نفهمها أحيانًا، ونجهلها أحايين أخرى، فكم من مرض عضال عرَّف صاحبه حقيقة الحياة فبدأ يفرح بحياته في يومه وساعته ولحظته، ولقد كان في أمسه مخدوعًا بوعود السعادة المؤجلة التي أضاع فيها سابق عمره، وكم من مصيبة أو فراق مؤلم أيقظ صاحبه مِن وهمه، وكشف زيف بعض مَن حوله، فعرف به عدوه من صديقه.
والألم تربية للنفس وصقل للمشاعر وتعميق للإنسانية، ومن لا يعرف الألم لا يدرك خفايا النفس ولا يحيط بجوانب الحياة.
إن الألم نعمة تستوجب الشكر، فلولا الألم لما علم المرضى بمرضهم، ولربما فقدوا حياتهم نتيجة لدائهم الصامت. ومن الناحية المعنوية أيضًا، فلو لم نذق مرارة الألم لما علمنا حلاوة الراحة، ولباتت حياتنا لوحة باهتة، ولفقدنا عبادة الشكر لعدم شعورنا بالنعم التي أكرمنا الله بها.

(*) استشاري في طب وجراحة العيون / مصر.

About The Author

محمد السقا عيد

طبيب وجراح للعيون، مصري، عضو الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة المكرمة. شارك بالكثير من الكتابات في مجاله بوسائل الإعلام العربية المختلفة، وهو عضو بارز في العديد من المجامع العلمية، وأضاف للمكتبة العربية والإسلامية العديد من الموسوعات والكتب والكتيبات العلمية في مجاله.

Related Posts

One Response

  1. دكتور محمد السقا عيد

    كذلك فان الألم يفجر الإبداع ويصور الجمال؛ فالشاعر الذي تقارضته الهموم وتنازعته الذكريات وبات يساير النجوم ويتقلب على الجمر كاسف البال منقبض الصدر؛ جزماً سيجلي عن نفسه بأبلغ البيان وسيعبر عن ضميره بأرق العبارات وسيبلغ بأبياته كنه القلوب وسيسحر العقول ويخلب القلوب. ولا غرو إذا علمنا أن الأعمال الشاقة تزيد المرء قوة وقدرة على تحمل الأعباء، ولنا في أنبياء الله أسوة، فإدريس (عليه السلام) كان خياطاً ، ونوح (عليه السلام) كان نجاراً ، وداود(عليه السلام) كان حداداً ، وموسى(عليه السلام) كان راعياً للغنم ، كما كان محمد (صلى الله عليه وسلم) راعيا للغنم كذلك، مع ما في الرعي من تعلم الصبر وتعود حسن سياسة الرعية.
    فلا تجزع من الألم، ولا تَخَف من المعاناة، فربما كانت قوةً لكَ ومتاعاً إلى حين، فإنكَ إن تعش مشبوبَ الفؤادِ، محروقَ الجَوَى، ملذوعَ النفسِ؛ أرقُّ وأصفى من أن تعيشَ باردَ المشاعرِ، فاترَ الهِمَّةِ، خامدَ النَّفسِ.
    ففي عالم الدنيا أناس قدَّموا أروعَ نِتاجَهُم، لأنهم تألمَّوا؛ فـالمتنبي وعَكَته الحُمَّى فأنشدَ رائعته: (وزائرتي كأنّ بها حياءَ فليسَ تزور إلا في الظلام). والنابغة خوّفَهُ النعمان بن المنذرِ بالقتلِ، فقدم للناس: (فإنكَ شمسٌ والملوك كواكبٌ إذا طلعتْ لم يَبْدُ منهنَّ كَوكبُ ) وكثيرٌ أولئكَ الذين أثروا الحياة، لأنهم تألمَّوا.

    رد

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.