إن المعبد -ولا سيما في أيام العيد- يمثل بجوّه الرقيق الناعم كالحرير، والدافئ دفء عش الطير، والمملوء حيوية… يمثل صفاء المشاعر، وراحة الوجود والاطمئنان، وغاية العيش، ومغامرة الحياة، وجذور المعاني لأمّتنا

يودعنا شهر رمضان الذي قدم بعطاياه الكثيرة… يودعنا ولكن الأرواح التي وصلت إلى حياة جديدة والتي اقتبست من نوره، والقلوب التي استغرقت خلاله في التأمل والتفكر، والتي ارتجفت من خشية الله، والقلوب الهائمة التي خرجت تبحث عن مسالك وطرق الوصال؛ وتحتضن بدفء أيام العيد هذه المرة.  ونجد أنفسنا في العيد بعد انقضاء الأشهر الحرم الثلاثة في جو من الاطمئنان والسكينة… نحس هذا في أعماقنا، وبكل كياننا، وبكل ماهيتنا الإنسانية.
تبدو صلوات العيد وأصوات التهليل والتكبير وصدقات الفطر لأصحاب القلوب المؤمنة كمنافذ إلى عالم خيالي رائع، فينطلقون كقوارب أطلقت أشرعتها للرياح.
أجل، إن الجو العام في العيد، والسحر الذي يحيط به وبكل التصرفات والأصوات والحديث يجعل الإنسان يشعر وكأنه يرتفع نحو السماء ببطء ويبتعد عن محله ومكانه الذي انطلق منه، ويعيش في مثل هذا الجو الساحر الذي تنهمر فيه الأضواء والأنوار.
في العيد نعيش الماضي والحاضر والمستقبل معا. يهيأ إلينا وكأن هناك سحرا غريبا في الأصوات المرتفعة من المعابد وفي المنازل التي نزورها وفي الأيدي المباركة التي نقبلها… سحرا ما أن نلمسها حتى تتفتح أمامنا منافذ عديدة للماضي. فنجد أنفسنا داخل مسجد قديم نجلس في صف واحد مع أجدادنا وأجداد أجدادنا.

وحينما تلتقي شفاهنا بالأيدي الطاهرة نشعر وكأننا قد قبّلنا مئات الأيادي المباركة فننتشي بفرحة غامرة. وعندما نهنّئ أصدقاءنا وأحبابنا ونضمهم إلى صدورنا نحس وكأننا نضم أحبابنا الذين عاشوا قبلنا وقبل هؤلاء في عهود سابقة.

كل حركة في العيد وكل فكر وكل تصور وكل كلمة أو حديث وكل تصرف يبعث شريطا زمنيا من أشرطة الماضي، ويحيا ويحيط بكياننا، ويملأ أفقنا، ويصبح ملْكنا، ويهب -حسب درجة ووسعة خيال كل منا- أنموذجا للبعث بعد الموت.
عندما ينشق فجر يوم العيد تنطلق أصوات التسبيح والتمجيد من المآذن، وفي الدقائق التي يبلغ الجو الروحاني الذروة في كل مكان نشعر بأحاسيس غامضة وسرية تثير خيالنا وتأخذنا إلى الأعماق، بل إلى أعماق الأعماق، وتهمس لقلوبنا بمشاعر لم يفصح عنها من قبل، ولا يمكن بحال من الأحوال التعبير عنها بأي كلمات ولا بأي لغة.

إن المعبد -ولا سيما في أيام العيد- يمثل بجوّه الرقيق الناعم كالحرير، والدافئ دفء عش الطير، والمملوء حيوية… يمثل صفاء المشاعر، وراحة الوجود والاطمئنان، وغاية العيش، ومغامرة الحياة، وجذور المعاني لأمّتنا، وأسس ثقافتنا وخلود ديننا، وموسيقى لغتنا، ونظرتنا للحياة، ورأينا في الدنيا وأسلوبنا ولهجتنا، ويهمس لنا ليرينا الطرق المؤدية إلى الإنسان الحقيقي.
إننا نشعر على الدوام بهذه الأصوات التي تتردد في جوانب المعبد، ونجد في هذه الأصوات الدافئة انحناء السماء نحو الأرض، وتكامل الأرض مع السماء، وغمز النجوم لزهور الأرض وورودها، وبسمة الورود لأهل السماء، ونحس بالتواصل السري والسحري الدائم بين السماء والأرض ونكاد نراه رأي العين.
هذا الصوت وهذا المنظر وهذا الهمس الذي ينقل كل شخص -حسب قابلية روحه وعمق خياله- إلى عالم آخر يبعث في القلوب المؤمنة صورا رائعة من الجمال ترتعش لها الأفئدة وترق لها العواطف.

وعندما تنتهي الصلاة وتختتم السياحة السماوية، ويودع المسجد مؤقتا، يعود الإنسان إلى الناس من جديد كأنه آتٍ من ضيافة الرحمن بعد أن اكتسب بُعدا وعمقا جديدين، ويحتضنهم ويبادلهم التهاني، ويتقاسم مع كل من يصادفه في السوق والشارع، وفي البيت ومكان العمل، وفي المدرسة والمعسكر هذه الهبات والأعطيات التي أخذها واستلمها وامتلأ بها.

وهكذا تكتسب أجزاء الزمان المحدودة ضمن بضع ساعات، بدرجة سعة القلب وعلو الروح، صفة فوق الزمان، فكأنه اكتسب خلودا. ويتوضح لدى الإنسان كيف أنه وهو في الدنيا قد أسس علاقات عميقة مع الأبدية وما وراء هذا العالم.


ولا أدري كيف كان من الممكن وما الزمان المطلوب أو النظام الذي يمكن الاستعانة به لكي يحس المسلمون صغيرهم وكبيرهم بكل هذه المشاعر وهذه الأحاسيس والخيالات، وبكل هذه العواطف المتأججة، وتنعكس كل هذه الأصداء في أرواحهم، لو استعانوا بطرق أخرى أو سبل غير هذه السبيل. وأنا لا أعتقد إمكانية هذا الأمر ولا نجاحه في الوصول إلى كل هذه الروحانية الشفافة.

لأن بهجة الأعياد وفرحتها وسعادتها ولذّتها لا تنبع فقط من هذه الحياة المعاشة، بل من أبعاد الحياة التي سوف نحياها في دار العقبى. فكل من يعش في خيال البرج العاجي لقلبه، يلقه هناك سحر سيحسّه وسيذوقه في المستقبل إلى جانب ما ذاقه اليوم. ويتجول في عالم رؤى المستقبل الأكيدة التي تبدو لعالمه الداخلي أكثر ملاءمة ودفئا ونعومة. والإنسان في الحقيقة مجبول على التطلع والانتظار، يقضي معظم عمره في انتظار عوالم الأمل وأخيلته. ومعظمنا في انتظار جنة مرتبطة بمعنى لصيق بماهيتنا وذاتنا. وليس هذا الانتظار نابعاً عن عدم استحساننا أو عدم قبولنا ورضانا عن الحياة التي نعيشها، بل انتظار لمفاجآت إلهية لا تستوعبها خيالاتنا كبَشَر، ولا خطرت ببالنا، ولا على أسماعنا، ولم نذقها. والأعياد ألسنةٌ بليغة تهمس بصواب هذا الأمر من منافذ قلوبنا إلى أعماق أرواحنا.

المصدر: مجلة حراء العدد 1، لقراءة المقال كاملا انقر

Leave a Reply

Your email address will not be published.