ثمة عامل مهم يجب مراعاته في النقد حتى يتقبله الآخرون، ألا وهو الأسلوب المستخدم فيه؛ فطريقة الحديث مهمة للغاية بقدر أهمية صحة الكلام المطروح ومعقوليته، ولكيلا يُزعج النقدُ الطرفَ الموجه إليه، يجب أن يكون الأسلوب صحيحًا ونمط العرض إنسانيًّا أيضًا، فإذا حدث هذا وُضعت في الحسبان اقتراحاتكم وأفكاركم التي تهدف إلى حل المشكلة أو تصحيح الخطأ، بل وتسنى لها أن تكون وسيلة لحدوث حالة من الانفراج.
وعليه فمن الأهمية بمكان مراعاةُ الحالة العامة للمخاطب قبل توجيه النقد إليه، واستخدامُ الأسلوب الذي يناسبه، فإن كان المخاطب لن يستطيع استيعاب ما نقوله، فلا فائدة من التحدث إذن؛ لأن الكلمات التي تقال لمثل هذا الشخص سوف تستفزه، وستُحرك فيه مشاعر عدم احترام الحق.
فأحيانًا ما يكون الأسلوب الذي نستخدمه، حائلاً بيننا وبين المخاطب أكثر من الموضوع ذاته الذي ننتقده فيه، مما يؤدي إلى أن يرفض ولا يستسيغ النقد أبدًا، فإذا وجّهنا إليه النقد على شكل مطرقة ثقيلة وكأننا نضرب بها على رأسه، أصابته الكلمات التي نقولها بصدمة روحية.. وحتى إن اعتقد مثلُ هذا الشخص أن كلامنا صحيحٌ، فقد لا يرغب في قبوله لأنه منزعج من الطريقة التي نتحدث بها. بل إنه قد يختلق أنواعًا مختلفة من الفلسفات ليُثبت أنه على صوابٍ أو ليُلبس الباطل بلباس الحق، وبالتالي نكون قد جعلناه نائبًا ومتحدثًا بلسان الملاحظات والآراء الشيطانية.
وإلى جانب أهمية مسألة النقد وأسلوبه، فهناك أهمية أخرى خاصة بشخص الناقد؛ لدرجة أن الشخص الذي يعترض بشدة على ما نقوله له ربما يتقبّله ذاته ويفرح به عندما يسمعه من شخص آخر، وهذا يرتبط إلى -حد ما- بالعلاقة بين الناقد والمنتقَد؛ فالمرء قد يرى نقد من يحبهم نوعًا من التقدير والثناء. وعليه يجب ألا نصرّ على أن نذكر بأنفسنا بعض السلوكيات التي نراها خاطئة، وألا نعاند في هذا الأمر، بل يجب أن نُحيل الأمر إلى مَن نراه أكثر فعالية وتأثيرًا منا، فإن كان المهم هو أن تتقبل بعضُ الصدور الحقيقةَ، وتنتصر للحقّ، فما أهمية من يعبر عنه؟!
هناك نقطة أخرى يجب مراعاتها من حيث المنهج، وهي إذا كان المخاطب سينزعج إذا صارحناه مباشرة بأخطائه، فيمكننا أن نبحث عن بيئة يتسنى له أن يتعلم منها الدرس، ونتحدث إلى الجمهور؛ فلقد حدث عدة مرات أن استخدم رسول الله  الطريقة نفسها للحديث عن أخطاء رآها، فقد جمع صلى الله عليه وسلم أصحابه بالمسجد بسبب خطأ رآه من أحد الناس، فتحدث على العموم لا على الخصوص، وبالتالي تمكن الشخص الذي أخطأ من إدراك خطئه وتصحيحه دون أن تتأذى نفسه ولا يُساء إليه.
وفي عالم اليوم المشحون بالأنانية، صار من الأهمية بمكان الانتباه إلى مثل هذه التفاصيل الدقيقة في باب النقد، فترى الأنانيّين -مثل الجبال الجليدية التي في القطبين- عاجزين تمامًا عن تحمل النقد والانتقاد، وإذا أردنا في مثل هذه المرحلة ألا يُزدرى الحق والحقيقة، فعلينا إيجاد الإجراء والأسلوب الذي نعتقد أنه صحيح وفعّال في هذا الصدد.

سر التوفيق

إن أعظم وسيلة لجلب العون الإلهي والتوفيق الرباني، تأسيس التوافق وتحقيق التوحد بين أفراد المجتمع. فغنيمة التوفيق لها غُرمُها، وغُرمُها هو ترسيخ الوعي الجماعي، والحفاظ على سر التوافق وروح الاتفاق، والابتعاد عن كل نزاع وشقاق. فإذا أصبحنا كيانًا متوحدًا وكلاًّ متوافقًا، فسوف تتنزل علينا من الألطاف ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وسوف نمتلك القدرة على رفع أحمالٍ أثقلَ من جبل قاف. أما إذا زال التوافقُ وتبخّر الاتفاقُ، ولم يبق سوى بضعة رجال ضعافٍ من حولنا، فلن يأتي المدد الإلهي حتى لو بذلنا قصارى جهودنا. فإننا إن قطعنا حبل الاتفاق فيما بيننا انتَسفتْ مناجمُ قوتنا ومنابعُ طاقتنا، وكنا سببًا في انقطاع غُيوث الرحمة علينا والعون لنا. لذا، يجب أن نركز جهودنا كلها لكي نبقى متماسكين تماسك الفولاذ ومشدودين إلى بعضنا كالبنيان المرصوص. وها هو القرآن يعلن عن مرسومه الخالد بقوله: (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)(الفتح:10)، ومن هنا فإن اللطف والسند الذي ينزل على الأفراد، لن يداني حجمَ اللطف والسند الذي ينزل على الجماعة المتوحدة أبدًا، حتى وإن كان هؤلاء الأفراد عمالقة في العلم والعرفان، جبالاً في الزهد والتقوى، وحيدي أزمانهم في مواهبهم الذاتية وإقبال الناس عليهم وتقربهم من الله جل وعلا.

(*) الترجمة عن التركية: هيئة تحرير المجلة. هذه النصوص مترجمة من دروس الأستاذ الخاصة.